SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

زمن العجـب والعجـائب!    الأحد 4/8/2002

 

بعد الأمثال في حياة السيد المسيح تأتي سلسلة من العجائب، فقد استخدم أسلوب الأمثال وهي قصص بسيطة مأخوذة من الحياة اليومية للفلاحين والرعاة والصيادين وأراد من خلالها نقل تعاليم سامية قريبة من الأذهان والقلوب. وكان الناس يلحقون به من القرى والمدن ليستمعوا لتعليمه الذي كان يلقى بسلطان "فلم يتكلم قط أحد مثل هذا الرجل". ولكنه أيضاً استخدم أسلوب العجائب ليظهر قوته الفائقة للطبيعة، إذ أن المعجزة هي "كسر لقانون الطبيعة" لا بل تحدٍ للطبيعة فأن تقيم الموتى أو تبرئ البرص أو تعيد البصر للعميان والقدرة على المشي للكسحان وتهدئة العاصفة والمشي على المياه أمور خارقة للعادة لا تحدث كل يوم. وفي إنجيل اليوم نحن أمام معجزة باهرة إذ أن السيد المسيح قد كثر الخبز والسمك وأطعم الجماهير الغفيرة في مكان قفر بلغ عددهم خمسة آلاف رجل غير النساء والأطفال.

 

في هذه الحادثة أمور كثيرة تسترعي الانتباه وتستحق التوقف عندها:

أن يتبع يسوع من المدن والقرى سيراً على الأقدام "خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأطفال" أمر غريب جداً، وهو دليل على التعطش إلى سماع كلمة الله من جهة، وعلى شعبية يسوع من جهة أخرى، وقد يكون الهدف أيضاً الحصول على النعم والشفاء من الأمراض إذ أنه كان يضع يديه على المرضى ويشفيهم "من كل مرض وعلة". فقد عاتبهم يسوع في بعض المرات قائلاً لهم: "أنتم تتبعوني ليس فقط لأنكم سمعتم كلامي بل لأنكم أكلتم وشبعتم ولأنكم شاهدتم الآيات والمعجزات".

فلما رأى يسوع الجمع الغفير أخذته الشفقة عليهم، وبعدما طلب تلاميذه منه أن يصرفهم إلى المدن والقرى المجاورة ليشتروا طعاماً، قال لهم "لا حاجة بهم إلى الذهاب، أعطوهم أنتم ليأكلوا". ولما قالوا له "ليس عندنا ههنا إلا خمسة أرغفة وسمكتين" قال لهم "عليَّ بها". وبهذه الكمية القليلة من الأرغفة والسمك صنع المعجزة العظيمة التي أشبعت الجماهير الغفيرة. إن مساهمة الإنسان ولو بالقليل كبيرة في عيني الله ومنها يمكن أن يصنع المعجزة. ففي موضع آخر وفي حادثة مشابهة قدم طفل صغير الأرغفة والسمكات التي كان يحملها معه ومنها صنع المسيح المعجزة. وهذا يذكرنا بالمثل "الإنسان بالتفكير والله بالتدبير" وآخر "اسعى يا عبدي أسعى معك" فلا شيء يأتي من الفراغ والعدم، لا بل فإن الطبيعة تكره الفراغ والعدم.

ما أحوجنا في هذه الأيام العصيبة إلى معجزة مماثلة تشفي جراحنا وتروي غليلنا. فقد يقول البعض لقد ولى عهد الأنبياء وانتهى عصر العجائب وبدأ زمن العجب، فنحن لا نشاهد إلا عجائب وغرائب العلم والتكنولوجيا، وفي بلادنا نشاهد بلاوي وانتهاكات الاحتلال التي تشيب شعر الرأس ولا يمكن أن تفهم إلا من باب التعجيز "فقد عجبوا على حياة الناس". ففي عصر العجب هذا نحن بحاجة إلى أعجوبة من نوع آخر: أعجوبة الصمود والتحدي، أعجوبة التضامن والتكافل والتعاون والمشاركة، أعجوبة الوحدة والصف الواحد واليد الواحدة والقلب الكبير، والتفكير بالمحتاج والفقير وعدم انتظار العون من الخارج وحسنات منظمات الاغاثة والشحدة، لأننا شعب كريم معطاء يتحلى بالكرامة والشهامة والضيافة العربية الأصيلة. هذه القيم هي كنز ثمين لا بل أعجوبة الأعاجيب.

وهنا نصل إلى القسم الأخير من حادثة تكثير الخبز: فبعد صنع الأعجوبة ناول السيد المسيح الأرغفة والسمكات لتلاميذه الذين ناولوها بدورهم للجموع القاعدة على العشب جماعات جماعات. والنتيجة أنهم "أكلوا كلهم حتى شبعوا". الله يستخدم الإنسان من جديد لتستمر الأعجوبة، فهو يوكله بالخلق والخليقة لكي يستثمرها وينميها ويطورها ويستفيد منها ويفيد غيره، وهذه أمانة ومسؤولية في أعناق القائمين على تدبير شؤون القوم. ففي الظروف الصعبة بالذات، تظهر الحاجة الملحة لهؤلاء الخدام الأمناء على إدارة وتصريف شؤون الناس، هؤلاء الذين يتحلون بصفاء القلب ونظافة اليد ويتخلون عن كل طمع وجشع وأنانية ولف ودوران. كم يتذمر الجميع من الفساد والتلاعب في المعونات والمساعدات لدرجة الاستغلال! النتيجة أن جيوب البعض تنتفخ بالحرام وحساباتهم البنكية تتضخم بسرقة لقمة الفقير والمحتاج. أما الناس البسطاء الغلابى فينامون علىالحصيرة ويعيشون على الحديدة ولا حول لهم ولا قوة إلا الله "وكرت المؤن" الذي تقلص بسبب كثرة الحاجات وتفاقم الأوضاع.

ما أحوجنا إلى معجزة في هذه الأيام. المعجزة الحقيقية هي تغيير القلوب والعقول وتجديد الحياة. وإن العون لا يأتينا إلا من الله ومن أنفسنا. فهو يقول لنا في القراءة الأولى لهذا الأحد: "أيها العطاش جميعاً، هلموا إلى المياه... أميلوا مسامعكم وهلموا إليَّ، اسمعوا فتحيا نفوسكم، فإني أعاهدكم عهداً أبدياً" لأن الرب قريب من كل الذين يدعونه من الذين بالصدق يدعونه.. طيب الرب مع جميع البشر ومراحمه تشمل كل خلائقه.

ويأتي جواب الإنسان في القراءة الثانية لهذا الأحد، إذ أن بولس الرسول يصرِّح بشجاعة "من يفصلنا عن محبة المسيح. أشدة أم ضيق أم اضطهاد أم جوع أم عري أم خطر أم سيف؟"  ويكمل "وإني واثق بأنه لا الموت ولا الحياة، ولا الملائكة ولا أصحاب الرئاسة، ولا الحاضر ولا المستقبل، ولا السلطات العلوية ولا السلطات السفلية، ولا خليقة أخرى، ولا شيء بوسعه أن يفصلنا عن محبة الله التي ظهرت لنا في المسيح يسوع".

وقد كتب هذا الكلام القوي والصريح في زمن الاضطهادات التي كان المسيحيون يتعرضون لها في بداية الكنيسة وقد أشعل فتيلها الإمبراطور نيرون، ومع ذلك فإن بولس ومعه المسيحيين صمدوا مدة ثلاثة قرون بطولها وآلامها وعشرة من الاضطهادات الكبرى وملايين من الشهداء الذي قدموا قرابين طعماً لأفواه الأسود المفترسة ومشاعل لإنارة الملاعب الرومانية في ليالي الظلم والظلمة.. ومع كل ذلك، يصر بولس والمسيحيون ونصر نحن اليوم معهم بأن لا شيء يمكنه أن يفصلنا عن محبتنا لله ومحبة الله لنا.

إن هذا الدرس البليغ لأيامنا الحاضرة مصدر أمل وتعزية لنا، بأن لا شئ يمكنه أن يهبط الهمة العالية أو يكسر العزيمة القوية ولا أحد يمكنه أن يسيطر على إرادة شعب أو أمة تطالب بحقها، فيمكننا أن نقول بموازاة المكتوب: لا شيء يمكن أن يفصلنا عن محبة هذا الوطن وينهانا عن المطالبة بالحق والعدالة "فلا يضيع حق وراءه مطالب".

إن أعجوبة هذا الشعب هي أسطورة التحدي والصمود في الوقت الصعب رغم زمن العجائب والغرائب التي نعيشها وسط ظلم الاحتلال وظلمة هذا العالم. 

                               

الأب رائــد عــوض أبـو سـاحليـة