|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
"الحياة في الحركة" صحيح، "الحركة بركة" صحيح، ولكن أصبحت الحياة فوضى وضجة ووجع رأس من
كثر السرعة والعمل والركض وراء لقمة العيش، إلا اللهم أثناء منع التجول الذي أصبح
نمطاً عادياً غريباً في معظم مدننا، وكأن الهدف هو قتل الحياة! إذ ينام الأطفال
على صوت صرير المجنزرات وضجيج الطائرات ويفيقوا على صوت المتفجرات ويموتوا بطلقات
الرشاشات. وحتى لو كان الوضع طبيعياً، فالشوارع تغص بالناس والسيارات تتزاحم وتطلق
العنان لأبواقها، والباعة ينادون بأعلى أصواتهم لتسويق بضاعتهم. وحتى اذا جلس المرء في بيته فإنه لا يعرف
طعم الهدوء والراحة فصوت المذياع من ناحية والتلفاز من ناحية أخرى، والهاتف يرن
وجرس الباب يقرع والأولاد يلعبون ويصرخون والزائرون يأتون من غير ميعاد، ولا أحد
يفكر بخلوة أو يغلق عليه باب غرفته ويفتح كتاباً أو يسمع موسيقى كلاسيكية أو يذكر
ربه بصلاة. بكلمة واحدة: الجميع يعيش تلوثاً سمعياً ولا يعرف طعم الراحة!
في قراءات هذا الأحد هناك درس بليغ لإنسان
اليوم الغاطس في بحر الحياة والمنشغل في كل شيء ما عدا الله. فإننا نرى يسوع بعدما
اجترح أعجوبة تكثير الخبز وأشبع الجماهير الغفيرة "أجبر التلاميذ من وقته أن
يركبوا السفينة، ويتقدموه إلى الشاطيء المقابل، حتى يصرف الجموع. ولما صرفهم، صعد
الجبل ليصلي في العزلة، وكان في المساء وحده هناك" ويقول الإنجيل بأنه
"أحيا الليل كله في الصلاة". فقد اعتاد السيد المسيح أن ينفرد في
الأماكن المقفرة وكان يفضل دائماً البرية أو الجبل ويختار الليل أو الفجر فكان
ينفرد على جبلٍ عالٍ قبل الفجر ويصلي هناك. والجبل في لغة الكتاب المقدس يعني
الهدوء والسكينة والقرب من الله لا بل المكان المفضل لحضور الله وكذلك البرية التي
ترفع النفس إلى الله، لذلك اختارها الرهبان والنساك والمتوحدون للهرب من العالم
وعاشوا في الأديرة والصوامع التي تزخر بها بلادنا مثل دير مار سابا في صحراء يهودا
بالقرب من بيت لحم، ودير وادي القلط ودير قرنطل المعلق على الجبل بالقرب من أريحا
حيث صام السيد المسيح أربعين يوماً وأربعين ليلة.
ونرى أيضاً في القراءة الأولى بأن النبي إيليا الذي كان هارباً من الملكة
إيزابيل التي كانت تطلب حياته توجه إلى جبل الله حوريب في صحراء سيناء واعتزل في
مغارة وبات فيها. فإذا بكلام الرب إليه يقول: "أخرج، وقف على الجبل أمام
الرب" وإذا الرب عابر وريح عظيمة وشديدة تصدع الجبال وتحطم الصخور أمام الرب
ولم يكن الرب في الريح. وبعد الريح زلزلو، ولم يكن الرب في الزلزلة. وبعد الزلزلة
نار؛ ولم يكن الرب في النار. وبعد النار صوت نسيم لطيف، فلما سمع إيليا، ستر وجهه
بردائه، وخرج ووقف بمدخل المغارة. الرسالة من هذه الحادثة الرائعة واضحة: لا يمكن لقاء
الله في الريح الشديدة ولا الزلزال المدوي ولا النار الآكلة ولكن في النسيم
العليل.
إن خبرة يسوع وحكاية إيليا تقودنا إلى طرح الأسئلة: هل نجد وقتاً للراحة
والهدوء؟ هل نعرف أن نصمت للتأمل والتفكير؟ هل نسكت كل الأصوات حولنا لنتفرغ
للصلاة والعبادة؟ هل نتجرأ على إسكات صوت المذياع واغلاق التلفاز وحتى قطع خط
الهاتف لنجلس مع العائلة في نقاش هاديء وتفقد أمور الأولاد والسؤال عن أحاولهم
ودروسهم وأشغالهم؟ هل نجد دقائق معدودة في النهار أو الليل لنعود إلى أنفسنا أو
نرفع أفكارنا وقلوبنا إلى الله؟ هل نكرس وقتاً للمطالعة المجانية وهل نقتني الكتب
وهل هناك من يقرأ ورقاً؟ هل نستطيع أن نضبط حواسنا ونخرسها لكي نستغرق في رحلة
عميقة في الذات الباطنة حيث البئر الأولى والخصب والحياة؟ وأخيراً: هل نفعل هذا أم
أننا نهرب من ذواتنا لأننا نخاف أن نقف لحظة حقيقة وكأننا أمام مرآة لكي نراجعها
ونحاسبها ونقيمها ونقومها؟
قال الجنرال ديغول: "لو أني لم أتعود أن أركع يومياً ساعة كاملة أمام
الله وأستغرق في الصلاة لما استطعت أن أقف 24 ساعة أمام الناس". بالفعل،
فالمثل يقول: "ساعة لربك وساعة لقلبك" وفيه حكمة، فقد سمعت مؤخراً بأن
دراسات علمية أثبتت بأن العمل المرهق الطويل يضعف عضلات القلب. إذ كيف يمكن أن
يحتمل المرء حر النهار وتعبه وشقاء العمل ومشاكله ويصبر على صاحب العمل ويلبي
مطالب الأولاد والعائلة ويجامل الجيران والأقارب ويهتم بشؤون بيته وعمله، إذا لم
يرح بدنه وذهنه من جهة ولكن أيضا إذا لم يشحن روحه ونفسه بالهمة القوية والمعنوية
العالية والعزيمة الحازمة؟ إن هذا غير ممكن بدون الهدؤء والسكينة والصمت والصلاة،
فهي البطارية التي تشحن والدينمو الذي يحرك.
لأن الحياة صعبة شاقة قاسية كالبحر المتلاطم الأمواج الذي يتلاعب بسفينتنا
التي تصارع من أجل البقاء خوفاً من الغرق في هموم الدنيا. وهذا ما نراه في بقية
حكاية يسوع مع تلاميذه الذين ارسلهم في السفينة التي عندما ابتعدت عن البر كانت
الأمواج تلطمها لأن الريح كانت مخالفة فكادت تغرق. في تلك اللحظة جاء إليهم يسوع
ماشياً على البحر فاضطرب التلاميذ واستولى عليهم الخوف فصرخوا. المنظر مخيف: البحر
الهائج، السفينة تتلاطمها الأمواج وتكاد تغرق، الليل دامس، ورجل يمشي على البحر
وكأنه شبح. وهنا تأتي كلمات يسوع المهدئة: "ثقوا، أنا هو، لا تخافوا".
ولكي يتأكد التلاميذ بأنه المسيح وليس خيالاً طلب منه بطرس أن يأمره ليأتي نحوه
على الماء، ففعل ولكنه بعد أن مشى بعض الخطوات على البحر خاف من شدة الريح فأخذ
يغرق فصرخ: "يا رب، نجنيّ".
هنا يمد يسوع يده ويمسكه فينشله وينقذه ولكنه يعاتبه: "يا قليل
الإيمان، لماذا شككت". وبعد ذلك ركبا السفينة، فسكنت الريح. طبعاً هذه
الحادثة تختلف عن حادثة تسكين العاصفة عندما كان يسوع نائماً في السفينة وهبت
العاصفة، ولكننا نرى بوضوح أن ركوب المسيح في السفينة نتج عنه سكون الريح وهدوء
العاصفة. إن حضور الله يسكن رياح وعواصف العالم المضطرب!
وهنا الحاجة إلى هذه القوة الداخلية التي نسميها الإيمان التي تعطي القوة
للصمت والصلاة "لأن صلاة البار الحارة لها اقتدار عند الرب". وإلا يصبح
الصمت فراغاً والصلاة كلاماً فارغاً كالطحن في الهواء! الإيمان الثابت الراسخ
المتين هو خير سند وسط الصعاب والمحن.
يجب أن نصعد إلى قمة الجبل ونقضي وقتاً في
البرية لكي نقدر أن ننزل إلى الحياة اليومية ونواجهها بشجاعة بكل همومها ومتاعبها.
وليس من الضروري أن نذهب إلى جبل عالٍ أو نسافر إلى الصحراء البعيدة هرباً من
الحياة والعالم والناس، ولا من الضروري قضاء الليل بطوله في الصلاة، بل يكفي تخصيص
ربع أو نصف ساعة يومياً، كما يمكن أن نعيش "الصحراء في المدينة" وأن
نختبر الصمت المدوي في أعماق قلوبنا شريطة أن نجد الوقت لذلك ونكرسه للصمت
والصلاة، بكلمة واحدة: نخصصه لله بحيث يكون كل شيء، عندها فقط تسكن الريح وتهدأ
العاصفة! فما أحوجنا إلى الهدوء والسكينة والصمت والصلاة!
لذلك ندعوكم للاشتراك في حملة الصلاة من أجل
السلام التي دعا إليها بطاركة ورؤساء الكنائس المسيحية في القدس ابتداء من يوم
الأربعاء 14 آب ولغاية 28 آب والتي ستقام يومياً في تمام الساعة السادسة في كنائس
مختلفة في مدينة القدس وحبذا لو تقام في كنائس كل قرية ومدينة وفي أي مكان للعبادة
للديانات الأخرى في الأرض المقدسة!