|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
إن ما كتب عن السيد المسيح لا يمكن أن يحصى ولا يحصر ولا يعد، ولكن إذا
أردنا أن نتعرف عليه عن قرب فعلينا أن نذهب إلى رأس النبع، أي إلى الإنجيل المقدس
الذي يعطينا الخبر اليقين والجواب القويم.
فالسيد المسيح في إنجيل هذا الأحد يطرح هذا السؤال على تلاميذه: "من
ابن الإنسان في قول الناس؟" وكان جواب التلاميذ الذي يعبر عن آراء الناس فيه:
"بعضهم يقول: هو يوحنا المعمدان، وبعضهم يقول: هو إيليا، وغيرهم يقول: هو
إرميا أو أحد الأنبياء". وهذا دليل على حيرة الناس حول شخصيته، لذلك أراد أن
يتوصل التلاميذ إلى الجواب اليقين، فأعاد السؤال بصيغة مباشرة: "ومن أنا في
قولكم أنتم؟" وهنا أجاب بطرس بسرعة وحماس: "أنت المسيح ابن الله
الحي".
عندها هنأ السيد المسيح بطرس على هذا الجواب وقلده مسؤولية قيادة الكنيسة
بقوله: "أنت الصخر (وهذا معنىاسم بطرس باليونانية) وعلى هذا الصخر سأبني
كنيستي، فلن يقوى عليها سلطان الموت" وأعطاه صلاحيات الحل والربط. وبالفعل ما
زال البابوات خلفاء بطرس الرسول يقودون سفينة الكنيسة في بحر العالم عبر التاريخ
إلى يومنا هذا.
إن جواب التلاميذ يدل على انتظار الشعب اليهودي للسيد المسيح الموعود به في
العهد القديم بعد سقطة آدم وحواء إذ قال لله لحواء: "سيخرج من نسلك من يسحق
رأس الحية" فجاء السيد المسيح من نسل حواء الجديدة السيدة العذراء، فكما
أدخلت حواء الأولى البشرية في الخطيئة بعصيانها لله، جلبت حواء الجديدة الخلاص
للبشرية بطاعتها لله وولادتها للمخلص (وهذا معنى إسم يسوع في العبرية) لهذا كان
يسوع يلقب "بابن الإنسان" لأنه ولد من إمرأة، ولكنه مولود لرسالة معينة
وهي أن يخلص العالم من الخطيئة، لذلك فإنه "ابن العلي يدعى" فهو مولود
بقوة الروح القدس. لذلك وبحسب إيماننا المسيحي، فإننا لا نؤمن بالسيد المسيح على
أنه نبي من الأنبياء ولكن نذهب إلى العمق مع بطرس ونعترف به "المسيح ابن الله
الحي".
إن الشعب اليهودي كان يرزح تحت الاحتلال الروماني في ذلك الوقت، لذلك كان
ينتظر مخلصاً سياسياً وعسكرياً يخلصهم من نير الاحتلال، وعندما جاء السيد المسيح
بهذه البساطة يبشر بالمحبة والتسامح ويتجول بين القرى والمدن يدعو الناس إلى
التوبة ويبشر بملكوت السموات بدلاً من امتشاق السيف وتأسيس الجيوش الجرارة لمقاومة
الغزاة، فإنهم ابتعدوا عنه لا بل حرضوا ضده وأسلموه للمحاكمة على يد الرومان
موجهين له تهمة سياسية ودينية: سياسية لأنه يدعي بأنه ملك اليهود، ودينية لأنه
يدعي بأنه ابن الله. ونعرف بقية الحكاية، فحصل ما حصل، وبقي اليهود إلى يومنا هذا
ينتظرون مجيء المسيح لتأسيس مملكة إسرائيل بدلاً من ملكوت الله. وهنا تنطبق الآية
الكريمة من إنجيل يوحنا: "جاء إلى بيته فما قبله أهل بيته، أما الذين قبلوه،
وهم الذين يؤمنون باسمه، فقد مكنهم بأن يصيروا أبنا الله، ليس من رغبة لحم أو دم
ولا من رغبة رجل بل لأن الله ولدهم".
وعندما قامت دولة إسرائيل الحالية على أساسات أيدولوجية دينية وسياسية
وبالقوة العسكرية انقسم اليهود إلى قسمين: فمنهم من ينتظر مجيء السيد المسيح الذي
سيعيد بناء الهيكل ويعلن قيام مملكة إسرائيل، لذلك تحاول الجماعة المسماة
"بأمناء جبل الهيكل" بوضع حجر الأساس لمثل هذا الهيكل في ذكرى خرابه
السنوية. أما الجماعة الثانية، فهي من المتدينين المتشددين الذين يعتقدون أنه فقط
عندما يأتي المسيح تقام مملكة إسرائيل ويعتبرون دولة إسرائيل الحالية مؤسسة سياسية
لا غير لذلك فهم لا يعترفون بها لا بل يعارضونها ويؤيدون قيام دولة فلسطينية،
ومنهم الجماعة المسماة "ناتوري كارتا" أي "حراس المدينة" الذي
يعيشون في حي "مياشعاريم" ويرأسهم الحاخام "موشي هيرش".
أما بالنسبة للمسيحيين فإنهم يؤمنون بمجيء السيد المسيح الأول التاريخي
الذي تم في أرضنا قبل ألفي سنة، ويؤمنون أيضاً بمجيئه الثاني أو الأخروي في نهاية
الأزمنة ليدين الأحياء والأموات. ولكنهم ينقسمون إلى قسمين بالنسبة لموعد المجيء
الثاني، فبينما تؤمن كافة الكنائس المسيحية الرسمية بأن لا أحد يعرف متى يكون ذلك
لأنه قال "أما الوقت والساعة فلا أحد يعرفها ولا حتى الملائكة" فإنها
تترك ذلك بين يدي الله. أما الفئة الثانية وهم بعض المسيحيين الأصوليين وخاصة في
الولايات المتحدة الأمريكية فإنهم يحاولون استعجال هذاالمجيء، فمنهم من أعلن نبؤات
عن ذلك وكذبت كلها، ومنهم من كان يعتقد بأنه سياتي في عام الألفين ولم يحدث ذلك،
ومنهم من يؤيد قيام دولة إسرائيل ويستعجل بناء الهيكل لأنه يرى بأن ذلك سيسرع مجيء
المسيح الثاني.
نسوق هذه المعلومات بسرعة لأننا نعتقد بأن الأفكار الدينية تؤثر كثيراً على
حياتنا الحالية لا بل تعزف على أوتار حساسة جداً قد تؤدي إلى عقليات وتصرفات لا
تحمد عقباها، لذلك يجب الحذر منها لا بل فحصها وتنقيحها وتمييز الغث من السمين
خوفاً من الوقوع في المغالطات والمبالغات لا بل الوصول إلى الخرافات والهلوسات.
وخير ضمان في هذه الحالة الاستماع إلى رأي الكنيسة لأن بين يديها الحل والربط وهي
"عمود الحق وركنه" فقد قال السيد المسيح لبطرس: "وسأعطيك مفاتيح
ملكوت السموات. فما ربطته في الأرض ربط في السموات، وما حللته في الأرض حل في
السموات".
طبعاً إن كل هذا الأمور تدخل في إطار "الإيمان" أي القبول
والتصديق والثقة بأن ما كشفه الله لنا عن طريق الوحي الإلهي في الكتب المقدسة هو
حق وصادق، ومع كل ذلك نشعر بأن كلمات القديس بولس التي نقرأها اليوم في القراءة
الثانية صحيحة وتنطبق على قلة إيماننا أو بالأحرى عدم قدرتنا على فهم كل شيء
ومحدودية تفكيرنا: "ما أبعد غور غنى الله وحكمته وعلمه! وما أعسر إدراك
أحكامه وتبين طرقه! "فمن الذي عرف فكر الرب، أو من الذي كان له مشيراً؟ ومن
الذي تقدمه بالعطاء فيكافأ عليه؟" فكل شيء منه وبه وإليه. فله المجد أبد
الدهور. آمين". إن لسان حالنا أمام أسرار الله "يا رب إني أؤمن فزدني
إيماناً"!