SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

هدف حياة السيد المسيح ورسالته    الأحد 1/9/2002

 

بعد أن كشف السيد المسيح عن هويته لتلاميذه، أراد أن يطلعهم على رسالته، فأنبأهم عن آلامه وصلبه وقيامته: "وبدأ يسوع من ذلك الحين يظهر لتلاميذه أنه يجب أن يذهب إلى أورشليم ويعاني آلاماً شديدة من الشيوخ وعظماء الكهنة والكتبة ويقتل ويقوم في اليوم الثالث". وهدف هذا الكشف هو تحضير التلاميذ لهذه المرحلة المهمة في حياته التي تشكل الهدف والقمة والغاية التي من أجلها تجسد وجاء إلى الأرض، فهدف "سر التجسد" هو "سر الفداء". ونفهم أيضاً بأنه كان يعرف مسبقاً ما سيحدث له لأنه لهذا أتي إلى العالم.

 

كان موقف التلاميذ أمام هذا الكشف هو الاستغراب لا بل الرفض لفكرة الألم والموت، لأنهم كانوا ينتظرون المسيح المخلص، بالمعنى السياسي للكلمة، الذي سيحررهم من الاحتلال الروماني ويقيم مملكة إسرائيل، لا بل أن بعضهم كان يحضر نفسه للمناصب الرفيعة في هذه المملكة. لذلك يمكن أن نفهم موقف بطرس المتحمس دائماً، فبعدما اعترف بالمسيح يرفض الآن بقوله: "حاشا لك يا رب! لن يصيبك هذا". وبعدما مدحه السيد المسيح وأثنى عليه وسلمه سلطة قيادة الكنيسة فإنه يزجره الآن بقوله: "إنسحب ورائي! يا شيطان، فأنت لي حجر عثرة، لأن أفكارك ليست أفكار الله، بل أفكار البشر".

 

قد يكون موقف بطرس هذا موقفاً عفوياً كرد فعل طبيعي لرفض الموت للمعلم الذي يحبه ويتبعه، أو ببساطة عدم فهم لما سيحدث لجهل لمخطط الله الخلاصي، لا بل إنه موقف معقول أمام الخطر الذي يهدد مستقبل مشروع يعمل الإنسان على تحقيقه، فعندما يشعر بأن كل طموحاته ستنهار يحاول أن يمنع ذلك مسبقاً. ولكن إصرار السيد المسيح يعبر أيضاً عن وضوح في الرؤية والهدف، لا بل عن قناعة داخيلة ويقين بأن إرادة الله له أن يعمل بمشيئة الله لا بمشيئته.

 

لا بل اننا نراه يدعو التلاميذ إلى التشبه به والاقتداء بحياته ويضع حمل الصليب شرطاً أساسياً لاتباعه والتتلمذ له: "من أراد أن يتبعني، فليزهد في نفسه ويحمل صليبه ويتبعني، لأن الذي يريد أن يخلص حياته يفقدها، وأما الذي يفقد حياته في سبيلي فإنه يجدها، ماذا ينفغ الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ وماذا يعطى الإنسان بدلاً لنفسه". إن هذا البعد يعبر عن الجذرية في الاختيار، إذ يضحي الإنسان بكل شيء، الغالي والنفيس، من أجل الرسالة التي يحملها في الحياة، لأنه "ما من حب أعظم من حب من يبذل نفسه في سبيل أحبائه".

 

من هنا يمكننا أن نفهم موقف السيد المسيح، فهو يعلم ويعمل، أي أنه لا يكتفي بالتعليم والكلام الجميل بل يطبق كل ذلك في حياته ويعطي من ذاته قدوة حسنة لتلاميذه "فإذا كنت أنا المعلم والرب صنعت ذلك فافعلوا أنتم أيضاً كذلك". فعندما علم عن محبة الأعداء غفر لأعدائه وهو على الصليب: "يا أبتي، أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ما يفعلون"، وعندما علم عن الألم والصلب والموت، تألم وصلب ومات هو أيضاً بأيدي البشرـ أي أنه ضحى بنفسه في سبيل أحبائه، تماماً مثل الأم المستعدة للموت لانقاذ حياة أبنائها.

 

وفي أيامنا هذه الحافلة بالألم والصليب والموت، يصرخ المرء: لماذا كل هذا يا رب؟ ويتعجب الجميع من فائدة كل ما يحدث! ويرفض الكل الألم والمرض والموت ويحاول جاهداً الهروب إذا أمكنه ذلك. وهذا طبيعي، لأن الإنسان يحب الحياة، ويريد أن يكون سعيداً، ويفضل السهولة ويسعى للراحة. وإذا نظر المرء إلى كل ما يحدث بعيون بشرية فقط سيرى بأن الواقع ظلم كبير لا بل عبثي، وقد يشعر بأنه يتعرض لعقاب قاسٍ يقصم الظهر لا يطاق بشرياً. أما إذا نظرنا بعيون الإيمان، فإننا قد نجد بعض الحلول لهذه الألغاز غير المفهومة، ونرى بريقاً من الأمل وسط ظلمة الألم، ونشحن بالقوة لتحمل المزيد إذا اقتضى الأمر لأننا نؤمن بأن الألم والموت ولو أن كأسها  مرة مريره فإنها ليست نهاية المسيرة بل للمجد والخلود الكلمة الأخيرة.

 

إن تاريخ الشعوب يدلنا للأسف الشديد بأن الحرية لم تكن يوماً ما إلا ثمرة الألم والعرق والدماء، ويا ليت الأمر كان غير ذلك: فإن ولادة الكنيسة مثلاً كانت عسيرة جداً إذ تحمل المسيحييون ثلاثة قرون من الاضطهادات الدموية وقدموا ملايين من الشهداء لكي تخرج إلى النور من السراديب هذه الديانة التي زرعت بالمحبة والتضحية وآلام السيد المسيح وأتباعه عبر التاريخ. وكأن الإنسان لم يتعلم بعد الدرس بأن النصر في نهاية المطاف سيكون حتماً للحق والعدالة!

 

إننا نرى بوضوح بأن "سر الصليب" الذي يتكلم عنه السيد المسيح في إنجيل اليوم ليس بعيداً عنا وعن حياتنا، لا بل في صميمها بالذات. لذلك فهو علامة ودعوة ورسالة: علامة للحب، ودعوة للتضحية ورسالة بأن الألم ليس عقيماً بل يأتي بالثمر. إننا على يقين بأن آلام الأيام الحاضرة حبلى بثمار الحرية إن شاء الله!

 

                                                          الأب رائـــد عـوض أبو ساحلية