|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
ما أصعب الغفران والمسامحة عندما يتعرض الإنسان للإساءة والإذلال والظلم
والقهر، خاصة عندما يكون الأمر من الصديق والقريب قبل العدو والغريب. فهذه هي
الطبيعة البشرية الضعيفة التي لا تتحمل الإهانة مما يؤدي إلى الجفاء والقطيعة
والعداء. فكثيراً ما نسمع المثل "الأسى ما بنتسى" ونعتقد بأن المسامحة
علامة ضعف وخنوع، والغفران تنازل عن الحق وانتهاك للكرامة.
ومع ذلك فإن تعليم هذا الأحد واضح صريح: "الحقد والغضب كلاهما رجس،
والرجل الخاطيء متمسك بهما، من انتقم يدركه الانتقام من لدن الرب.. اغفر لقريبك
ظلمه لك" لا بل أن الله يجعل من التسامح شرطاً أساسياً لقبول الصلاة وغفران
الخطايا ونيل النعم من لدنه: "أيحقد إنسان ثم يلتمس من الرب الشفاء، أم لا
يرحم إنساناً مثله ثم يستعفر عن خطاياه". هذا ما نقرأه في سفر يشوع بن سيراخ،
الذي يتوصل إلى النتيجة: "أذكر أواخرك واكفف عن العداوة... أذكر الوصايا ولا
تحقد على القريب"، لأن الحياة قصيرة ومن مات منفصلاً عن القريب وبعيداً عن
الله يفقد جزاء السماء.
أما الإنجيل فإنه يتابع التفكير في هذا الموضوع ويقدم السيد المسيح تعليماً
رائعاً مجيباً على سؤال بطرس: "يا رب، كم مرة يخطأ إليَّ أخي وأغفر له؟ أسبع
مرات؟" فقال له يسوع: "لا أقول لك سبع مرات بل سبعين مرة سبع
مرات". فقد كان بطرس يعتقد أنه مكثر في التسامح عندما يغفر سبع مرات وإذا
بيسوع يقول بأنه يجب أن يغفر له بلا حدود ولا نهاية لأن تعبير سبعين مرة سبع مرات
يشير إلى عدد الكمال في الكتاب المقدس أي" بلا عد ولا حساب".
ولكي يعزز السيد المسيح هذه الفكرة ويزرعها في القلوب يعطي مثل العبد الذي
يطلب العفو من دين كبير كان عليه لسيده ويحصل على ذلك لأنه سأل ذلك ولم يكن يقدر
على سداد الدين، ولكنه بالمقابل لم يرحم رفيقاً كان له عليه ديناً بسيطاً لا بل
ألقاه في السجن إلى أن يؤدي دينه، مما أغضب مولاه وعنفه قائلاً: "أيها العبد
الشرير، ذاك الدين كله أعفيتك منه، لأنك سألتني، أفما كان يجب عليك أنت أيضاً، أن
ترحم صاحبك كما رحمتك أنا". وغضب مولاه فدفعه إلى الجلادين حتى يؤدي له كل
دينه. ويصل يسوع إلى العبرة من هذا المثل الجميل: "فهكذا يفعل بكم أبي
السماوي، إن لم يغفر كل واحد منكم لأخيه من صميم قلبه".
ونرى في هذا المثل أن الله حنان رحيم ودود محب حليم ويغفر جميع أثامنا
ويشفينا من جميع أسقامنا، ومع ذلك فإنه يضع شرطاً لكي يغفر لنا خطايانا وهو أن
نغفر نحن لقريبنا، كما نصلي في صلاة أبانا الذي: "اغفر لنا خطايانا كما نحن
نغفر لمن أخطأ إلينا" لا بل يجب أن يكون ذلك "من صميم قلبنا" أي عن
صدق ودون أي خداع.
صحيح أن هذه التعاليم جميلة، وصحيح أنها صعبة لأنها مثالية تصطدم بالواقع
في عالم تتقاذفه أمواج العنف والانتقام ويزخر بالشر والظلم والقتل، فكيف يمكن أن
نغفر لعدونا، وأن نسامح من ينتزع منا حقنا؟ كيف يمكن أن نصافح صديقنا الذي طعننا
في ظهرنا وقريبنا الذي يتحدث علينا بالسوء ويشوه سمعتنا؟ أليس ضعفاً أن نسامح
مراراً وتكراراً عندما لا يرتدع الخصم لا بل يزيد من عناده وطغيانه؟ وكيف نحافظ
على كرامتنا أمام الناس إذا تهاوننا في المطالبة بحقوقنا من القوي المتجبر؟
للإجابة على هذه الأسئلة المشروعة والواقعية لأنها تنبع من خبرة حياتنا
اليومية، لا بد من أخذ الملاحظات التالية بعين الاعتبار:
-
لا
شك أن المسامحة والغفران تتطلب تواضعاً وتنازلاً ولكنها تتطلب أيضاً شجاعة وقوة
كما يقول المثل "العفو عند المقدرة" فالضعيف لا حول له ولا قوة يضطر
أحياناً كثيرة إلى التنازل عن حقه أما القوي الذي يغفر رغم أنه ليس مضطراً إلى ذلك
أحياناً فإنه يعبر عن الرجولة والشهامة.
-
ليس
الغفران علامة ضعف بل قوة ولا يعني التنازل عن الحقوق بل المطالبة بها بقوة مع
الحفاظ على الصفاء القلب ونقاء الذهن من الحقد والتخلي عن الرغبة في الانتقام مما
يفقدنا التوازن من جهة لا بل ينزلنا إلى مرتبة الخصم الذي زرع الشر.
-
إن
الاصرار على الخصام والانتقام لا يحل المشكلة لا بل يزيدها تعقيداً، بحكم مرور
الوقت، وتدخل الكثير من الناس وتراكم القيل والقال. فأقصر طريق لانهاء الإشكال هو
الجلوس وجهاً لوجهاً والمصارحة للوصول إلى المصالحة إذا كان إلى ذلك سبيلاً.
-
يعتقد
المرء أنه إذا لم يغفر لخصمه فإنه يعاقبه أو يسبب له الضرر، وفي الواقع أن
"السحر ينقلب على الساحر" فالحقد يولد الرغبة في الانتقام مما يخلق
مرارة في القلب وهماً وغماً في النفس مما يقود إلى القلق والأرق فينغص علينا
الحياة لدرجة أن الكثيرين يفقدون الشهية للطعام أو الرغبة في النوم بسبب كثرة
التفكير، لا بل يتفكرون بالسؤ وهم على أسرتهم ويخططون لكيل الصاع بصاعين عندما
تسنح الفرصة بذلك.
-
وفي
حالتنا الحالية، فإن خوفي أن ما يحدث من عنف وقتل ودمار سيعمق الحقد والكراهية
وسيولد الرغبة في الانتقام وسيترك آثاراً بالغة لمدة طويلة سيصعب التخلص منها في
نفوس الكثيرين وخاصة الأطفال، فإن الدمار في الممتلكات والبيوت يمكن أن يعوض أو
يصلح أما الدمار في النفوس والقلوب فإنه يحتاج علاجه وإصلاحه إلى وقت طويل.
-
فالغفران
والتسامح ليس حاجة روحية ودينية فقط بل هما حاجة إنسانية وسياسية أيضاً بدونهما
يصعب التوصل إلى حلول للنزاعات والمشاكل التي يواجها الفرد مع قريبه أو جاره،
والدول مع جيرانها وبالخصوص أعدائها، فخير علاج للنزاع نزع فتيله وهو الحقد والغضب
والرغبة في الانتقام، والسعي إلى الحوار والمصالحة والسلام، فخير أن يحل الإشكال
قبل أن "تقع الفأس في الراس" ويحدث ما لا يحمد عقباه.
"هذا كلام صعب من يطيق سماعه" قد يقول الكثيرون، ولكن الخبرة
تقول والتاريخ يعلم بأن "الصلح هو سيد الأحكام" وأن "العفو عند
المقدرة" لا بل علامة على المقدرة... وإلا سنظل نعيش في دوامة العنف طبقاً
لشريعة الغاب.