SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

العــدل والـرحـمــة     الأحد 22/9/2002  

 

العدل هو أن تعطي لكي ذي حق حقه وتنصف المظلوم وتدافع عن البريء والضعيف، وفي كل هذا استخدام للغة العقل والمنطق دون محاباة للوجوه أو خوف أو وجل من قوي متجبر أو ظالم متكبر بحيث يعلو صوت الحق ولا يعلو علية صوت آخر.

 

ونجد أنفسنا في إنجيل هذا الأحد أمام السيد المسيح الذي يستخدم لغة الرحمة ضمن منطق "القلب الذي له منطق لا يفهمه العقل" على حسب قول بسكال، وبتعبير أشعيا النبي "إن أفكاري ليست أفكاركم ولا طرقي طرقكم".

 

فإن الإنجيل يذكر مثل رب بيت يستأجر عملة لكرمه ويتفق معهم على دينار في اليوم، ويعطي عمال ساعة الفجر والتاسعة والظهيرة والثالثة بعد الظهر وحتى الخامسة نفس الأجرة عند المساء، مبتدئاً بالآخرين منتهياً بالأولين، قالباً بذلك الموازين جاعلاً من الآخرين أولين ومن الأولين آخرين. وعند تذمر العمال الذين عملوا النهار كله محتملين ثقل وحره، أجابهم: "يا صديقي، ما ظلمتك، ألم تتفق معي على دينار؟ خذ مالك وانصرف. فهذا الذي أتى آخراً أريد أن أعطيه مثلك: ألا يجوز لي أن أتصرف بمالي كما أشاء؟ أم عينك حسود لأني كريم؟".

 

قد يبدو للوهلة الأولى بأن هذا السيد ظالم وغير عادل في دفع أجرة العمال إذ أنه ساوى الذين عملوا ساعة واحدة بالذين عملوا النهار كله، ولكنه في الحقيقة كان يريد أن يعلمنا درساً في الكرم والرحمة والعدالة الاجتماعية: فقد أعطى العمال الأولين الدينار الذي يستحقونه كما اتفق معهم، ولكنه بنفس الوقت، أشفق على الآخرين وأراد أن يعاملهم كالأولين لأنهم أيضاً كانوا يريدون العمل وينتظرون أن يستأجرهم أحدٌ، ولو أنه لم يستأجرهم هذا السيد في نهاية النهار لظلوا بلا دخل في ذلك اليوم، ولو أنه أعطاهم عُشر الدينار لما كفاهم في إعالة أسرهم. وبهذا نرى بأنه كان رحيماً كريماً عادلاً، ويا ليت أصحاب العمل اليوم يحذون حذوه ويعاملوا العمال بهذه الطريقة.

 

هذا هو التفسير الأولي لهذا المثل، ولكن هناك تفسير آخر روحي لاهوتي: فالسيد يرمز إلى الرب الذي يريد أن جميع الناس يخلصوا وإلى معرفة الحق يقبلوا، فهو يعطي الفرصة لجميع البشر أن يرتدوا عن خطاياهم ويغيروا سلوكهم وحياتهم ويؤمنوا بالله ويعدهم بالخلاص الأبدي. كما أن الذين آمنوا أولاً رمز لليهود الذين جاءهم الأنبياء والنبوءات والمواعيد ولكنهم لم يعرفوا السيد المسيح ولم يقبلوه بل تذمروا عليه وفي النهاية حكموا عليه بالصلب وقتلوه، أما العمال الآخرين فهم كل من يقبل السيد المسيح معلماً ومخلصاً ورسولاً ويؤمن بالله الواحد الأحد، وبذلك يدخل في كرمه ويعمل معه فينال الخلاص.

 

حتى عمال الساعة الأخيرة لديهم الفرصة ولو في اللحظة الأخيرة من حياتهم، فإذا آمنوا فإنهم يخلصون أيضاً. طبعاً إن هذه المعادلة لا تعني اللف والدوران مع الله أو التحايل عليه بمعنى تأجيل الإيمان أو تأخير الارتداد وتغير الحياة إلى اللحظة الأخيرة، بحيث يقول المرء في نفسه: لنأكل ونتنعم ونتوب قبل أن نموت، وكأنه يعرف متى تأتي ساعة الموت! إن هذه دعوة صريحة واضحة من الرب: "إذهب إلى كرمي وأعمل به" وكما يقول أشعيا النبي في القراءة الأولى: "إلتمسوا الرب ما دام يوجد، أدعوه ما دام قريباً. ليترك المنافق طريقه، والأثيم أفكاره، وليتب إلى الرب فيرحمه، وإلى إلهنا فإنه يكثر العفو".

 

ونرجع إلى معادلة العدل والرحمة ونتوصل إلى النتيجة بأن الله رب الأرباب وسيد السادة وهو أعظم من الجميع ولا يمكن أن يُحد بما يظنه الإنسان عدلاً، إنه الشفوق الرحيم، وهذا ما يجعله جليلاً في كرمه وعطائه دون استحقاق منا. أما نحن معشر البشر الضعفاء المساكين فإننا نغوص في الطمع والجشع من جهة، وفي الأنانية وتفضيل المصلحة الذاتية على المصلحة العامة من جهة أخرى، بالإضافة إلى نزوع نحو الظلم للفقير والتجبر على الضعيف والاجحاف بحقوق من هم تحت إمرتنا، ولا نتوانى عن استغلال تعب العمال وعرقهم لآخر قطرة لكي نزداد غنى فيزدادوا فقراً، فما يهمنا هو مصالحنا وأموالنا وتجارتنا.

 

بكلمة واحدة إننا نبني ثروتنا بعرق غيرنا. وهذا ما نراه في عالمنا إذ أن قلة من البشر يتحكمون بثروات الأرض بينما ترزح الأغلبية الساحقة في الفقر المدقع، من هنا دعوة الكنيسة المتكررة إلى العدالة الاجتماعية، والعدالة في توزيع خيرات الأرض، واحترام حقوق العمال وعدم استغلال الأطفال والنساء، وتنمية الشعوب الفقيرة وإعفاء البلدان النامية من ديونها المتراكمة، والحد من هيمنة الدول الصناعية والغنية للموارد الطبيعية محولة العالم إلى سوق لمنتوجاتهم ضمن عقلية استهلاكية في عصر العولمة.

 

إن نظرة بسيطة لوضعنا الحالي تدلنا على أننا لسنا أفضل حالاً من هؤلاء العمال في مثل الإنجيل الذين يبحثون عن عمل ليأمنوا لقمة العيش لأولادهم وعائلاتهم، وكم نرى من العمال الذي ينتظرون منذ الفجر على قارعة الطريق علهم يجدون من يستأجرهم في ذلك النهار، فإذا عملوا أكلوا لقمتهم وإن لم يعملوا بات أولادهم على الخبز والماء. إن هذا الوضع يتفاقم يوماً بعد يوم، ونحتاج إلى مثل ذلك السيد الرحيم الذي يمر في شوارعنا ساعة بعد ساعة ليقول لعمالنا: "إذهب أنت أيضاً واعمل في كرمي" ويعطيهم في نهاية النهار أجرة كاملة.

 

وهذا يقودنا أخيراً إلى الحديث عن الحاجة الملحة لنظام ضمان إجتماعي يضارع أنظمة العمل في الدول المتقدمة بحيث يجد كل عامل فرصة عمل، ويجد العاطل عن العمل دخلاً يعيل عائلته بكرامة، ويحصل المتقاعد والمسن على راتب شيخوخة يحفظ كرامته في شيخوخته، ويتساوى الجميع في التأمين الصحي بحيث لا يبقى مريض دون علاج ولا يموت إنسان لأنه لا يستطيع أن يدفع للمستشفى أو للدواء.

 

نقولها وبصراحة، لو أننا صرفنا الأموال التي انهالت وتنهال علينا في إنشاء مثل هذا النظام الاجتماعي لما بقي فقير ومحتاج ومريض وعاطل عن العمل. وعندما نتوصل إلى السلام ونخلص من الاحتلال لن نرض بأقل من هذا وسنناضل من أجل تحقيقه لكي نلحق بالركب ونواكب دول العالم، فشعبنا يستحق أكثر من هذا.

                                                               

الأب رائـد عـوض أبـو ساحلية