|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
الخصب اليوم للكلمة الفعـل الأحد 29/9/2002
"لا قيمة للكلام بل للأعمال، ولا يكفي أن ندعي
الإيمان إن لم نحيا بحسب مقتضيات هذا الإيمان". لأن الكلام يطيره الريح أما
الأعمال فتبقى آثارها للعيان وتأتي بالثمار الحسان. هذا ما نتعلمه من إنجيل هذا
الأحد: فالسيد المسيح يعطي مثل الرجل وابنيه: فقد دنا من الأول وقال له: "يا
بني، إذهب اليوم واعمل في الكرم". فأجابه: "لا أريد". ولكنه ندم
بعد ذلك فذهب. أما الثاني فأجاب: "ها إني ذاهب، يا سيد!" ولكنه لم
يذهب".
فعندما سأل يسوع: "فأيهما عمل بمشيئة
أبيه؟" فقالوا: "الأول"، وطبق يسوع المثل على يهود عصره معلقاً:
"الحق أقول لكم: إن العشارين والبغايا يتقدمونكم إلى ملكوت الله. فقد جاءكم
يوحنا سالكاً طريق البر، فلم تؤمنوا به، وأما العشارون والبغايا فآمنوا به. وأنتم
رأيتم ذلك، فلم تندموا آخر الأمر فتؤمنوا به". وهذا هو التفسير الأول لهذا المثل
الإنجيلي: أن السيد المسيح جاء من اليهود وجاء لليهود أولا، ولكن رسالته شاملة
عالمية لا تنحصر على أمة محددة أو شعب معين ولا تنحصر بحدود المكان والزمان بل
موجهة لكل إنسان في كل مكان وكل زمان. وما حدث أن الشعب الذي كان ينتظر المسيح
المخلص منذ أجيال لم يتعرف عليه لا بل رفضه، بينما قبله الآخرون حتى العشارون
والخاطئون والوثنيون، لذلك نراه يعاتبهم ويشبههم بالإبن الأول الذي يظهر طاعته
لوالده بالكلام فقط لا بالأعمال.
أما التفسير الروحي لهذا الإنجيل فيدور حول قضية
قديمة حديثة وهي مسألة "الإيمان والأعمال" أي ضرورة ترجمة الإيمان
بأعمال الخير والاحسان ومطابقة سلوك الإنسان وحياته مع ما يؤمن به من معتقدات عادة
تدعو إلى المحبة والخير والمساواة والأخوة والعدل والسلام. وقد ارتبط هذا الموضوع
بسؤال: "هل يكفي الإيمان للخلاص دون الأعمال؟" وبطبيعة الحال فإن الجواب
المنطقي والواضح هو ضرورة اقتران الأمرين لا بل اندماجهما معاً فلا بدَّ للمؤمن أن
يثمر أعمال محبة إذا كان مؤمناً حقيقياً، كما يقول القديس يوحنا: "لا تكن
محبتنا بالكلام أو باللسان، بل بالعمل والحق".
إن هذا الموضوع هو من المواضيع الرئيسية التي عالجها
القديس يعقوب في رسالته إذ قال: "ماذا ينفع، يا أخوتي، أن يقول أحد أنه يؤمن،
إن لم يعمل؟ أبوسع الإيمان أن يخلصه؟ فإن كان فيكم أخ عريان أو أخت عريانة ينقصهما
قوت يومهما، وقال لهما: "إذهبا بسلام فاستدفئا واشبعا". ولم تعطوهما ما
يحتاج إليه الجسد، فماذا ينفع قولكم؟ وكذلك الإيمان، فإن لم يقترن بالأعمال كان
ميتاً في حد ذاته". ويتوصل إلى النتيجة القاطعة: "إن الإيمان من غير
أعمال شيء عقيم.. وأن الإنسان يبرر بالأعمال لا بالإيمان وحده... فكما أن الجسد
بلا روح ميت فكذلك الإيمان بلا أعمال ميت".
وبالعودة إلى إنجيل اليوم، أرى أيضاً بأن الإبن الأول
هو الذي عمل بمشيئة أبيه لأنه رفض في البداية ولكنه ذهب إلى الكرم وعمل في
النهاية، ولكن يمكننا الوصول إلى حل أفضل بالقول: إن الأفضل ليس الأول أو الثاني
بل الثالث، أي من يقول نعم أي يؤمن ويذهب إلى الكرم أي يعمل، وبالتالي يتطابق ما
قاله مع ما فعله، ويثمر إيمانه بأعماله.
إن هذا يذكرني بكلمات جبران خليل جبران في قصيدة
"المواكب" الشهيرة: "أعطني الناي وغني، وانسَ ما قلتُ وقلتَ، إنما
النطق هباء فأفدني ما فعلتَ". أي أن الكلام قد يذهب أدراج الرياح أم الأفعال
فتبقى. كما أن أمثالنا العربية مليئة بمثل هذه الحكمة، "فالرجل يرتبط من
لسانه" أي من كلامه فإذا وعد فعليه أن يوفي لأن "وعد الحر دين
عليه" كما أن الثرثار كالجاروشة التي تطحن الماء أي دون انتاج، أي كثير
الكلام وقليل الأفعال، والكلمة في مكانها تساوي رطلاً أي لها قيمتها وثقلها
وأهميتها، ولكل مقام مقال، أي يجب وزن الكلام بحيث يقال الكلام المناسب في المكان
المناسب، فخير الكلام ما قل ودل.
أما في أيامنا هذه: فإننا نعيش في عالم متضخم بالفوضى
والضجيج والكلام المكتوب والمسموع لدرجة التخمة، ولكننا نرى بأن كل هذا مجرد
"كلمات" على حد غناء ماجدة الرومي. فكم نسمع من عبارات الشجب والاستنكار
والإدانة والمطالبة، وكم نرى الرؤساء والقادة في الؤتمرات والمفاوضات، وكم من
اتفاقيات ومعاهدات وقعت في المحافل الدولية، لا بل حتى الشرعة الدولية لحقوق
الإنسان، وحقوق الطفل، وحقول العمال وحقوق المرأة، أصبحت حبراً على ورق، تنتهكها
الدول التي وقعت عليها والتي تدعي بمحاربة الارهاب والدفاع عن حقوق الإنسان! وكم
من القرارات التي صدرت عن الأمم المتحدة ومجلس الأمن ولم ينفذ منها أي قرار ضد دولة
إسرائيل بل نفذت كل القرارات ضد الدول العربية وعلى رأسها العراق.
أما من الناحية الروحية فإن الأمر شبيه أيضاً، إذ
نقرأ في القراءة الأولى: "إذا ارتد البار عن بره، وصنع الإثم ومات فيه، فإنه
بإثمه الذي صنعه يموت" والعكس صحيح أيضاً: "إذا تاب المنافق عن نفاقه
الذي صنعه، وأجرى الحكم والعدل، فإنه يحيي نفسه، إذ أنه قد رأى وتاب عن جميع
معاصيه التي صنعها، يحيا حياة ولا يموت" وهذا دليل إضافي على أن الله يحاسب
الإنسان على أعماله خيراً كانت أم شراً، وليس فقط على نواياه وإيمانه، فقد يكون
الإنسان مؤمناً ويتظاهر بالبر والصلاح، ولكنه في معاملته مع الناس يظلم ويتكبر
ويتجبر، فإن لا فائدة من إيمانه وبره وصلاحه، فكل إيمانه لن يشفع له في يوم الحساب
حيث العقاب والثواب، فإننا سندان على المحبة.
ونرى الأمر ذاته في القراءة الثانية إذ يناشد بولس
الرسول المؤمنين بقوله: "أتموا سروري، بأن تكونوا على رأي واحد ومحبة واحدة،
وقلب واحد وفكر واحد" ويترجم هذا الكلام بقوله: "لا تفعلوا شيئاً بدافع
المنافسة أو العجب، بل على كل منكم، أن يتواضع ويعد غيره أفضل منه، ولا ينظرن أحدٌ
إلى ما له بل إلى ما لغيره". حقاً، هذا هو الإيمان الصحيح والمحبة الحقيقية،
فالمؤمن إنسان منسجم في حياته يعيش التناغم بين عقله وقلبه التكامل بين إيمانه
وأعماله.
لقد آن الأوان لترجمة كل كلمة نفكر بها، نؤمن بها أو
نقولها، إلى كلمات حية فعالة عملية. كما كتب صاحبي: "قبل أن تنطقوا بالكلمة،
اجعلوها تلد في دواخلكم وتكبر وتنضج وتثمر. الخصب اليوم للكلمة الفعل. كن فكان.
وإلا فاختموا شفاهكم إلى دهر الداهرين! أفهمتم؟".
الأب رائـد عـوض
أبو ساحلية