|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
الحيـاة
مسيرة إلى العيـد الأحد 10/11/2002
يعتقد البعض أن الحياة هي وليمة أو عيداً، ولا يدرون أنها مسيرة إلى العيد،
وكثيرون يتخذون من الحياة عيداً فيأكلون ويشربون، وهنا تنتهي الأمور، ولا يعلمون
بأنها جسر للعبور من الدنيا إلى الآخرة، ولا ينبغي أن تقام على هذا الجسر البيوت.
لذلك فعلينا أن نرى في الحياة الدنيا مدخلاً إلى الحياة الأخرى وأن نستعد لدخول
الحياة الأخرى بكل ما أوتينا من طاقات.
تساعدنا قراءات هذا الأحد إلى فهم هذه الحقائق الإيمانية المهمة، إذ أن
الإنجيل يعطينا مثل العذارى العشر اللواتي أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس، خمس
منهن جاهلات، وخمس عاقلات، فأخذت الجاهلات مصابيحهن ولم يأخذن معهن زيتاً وأما
العاقلات فأخذن مع مصابيحهن زيتاً في آنية. ولما أبطأ العريس نعسن جميعاً ونمن،
وعندما جاء العريس بعد منتصف الليل لم تجد الجاهلات زيتاً لمصابيحهن التي انطفأت فذهبن
ليشترين زيتاً من الباعة، وبينما هن ذاهبات وصل العريس فدخلت معه المستعدات إلى
ردهة العرس وأغلق الباب، ولما وصلن لم يفتح لهن وسمعن صوتاً يقول: "الحق أقول
لكن إني لا أعرفكن". وينتهي الإنجيل بتوصية واضحة: "فاسهروا اذن لأنكم
لا تعلمون لاليوم ولا الساعة".
إن التفسير الأولي لهذا الإنجيل بسيط، فهذه العذارى تمثل كل الناس المدعوين
إلى الخلاص، والعرس هو الملكوت السماوي، والعريس هو السيد المسيح، والمصابيح هي
الإيمان أما الزيت فهو الرجاء أما الشعلة فهي المحبة والأعمال الصالحة، وبالتالي
فإن الإيمان لوحده لا يكفي إن لم يكن عاملاً بالمحبة كما أن المصباح لا يمكن أن
يضيء بدون الزيت. أما قضية السهر والانتظار والاستعداد فهي تدل على أن الإنسان لا
يعرف متى يأتي العريس ومتى تنتهي حياته ومتى يجب أن يمثل في حضرة الله وبالتالي
فإنه يجب أن يكون متأهباً لأن ساعة الموت تأتي مثل اللص السارق.
أما تطبيق هذا المثل على حياتنا فبسيط أيضاً، فإن الكثيرين منا يعتقدون بأن
الحياة هي فقط أكل وشرب ويقولون: "لنأكل ونتنعم فغداً نموت" وبذلك لا
يحسبون حساباً للحياة الأخرى لا بل أنها خارجة عن حساباتهم، فما أشقاهم لأنهم
يعتبرون بأن الموت هو النقطة الأخيرة وللموت كلمة الفصل وبالتالي فلا فرق بينهم
وبين الكائنات الحية الأخرى التي تموت وتفنى. أما نحن في إيماننا المسيحي فإننا
نؤمن بأن الحياة مهما طالت فهي قصيرة وأن ليس للموت الكلمة الأخيرة فمهما كانت
كأسه مريرة فللمجد والقيامة والخلود الكلمة الأخيرة في نهاية المسيرة. وهذا واضح
من كلمات القديس بولس الذي يكتب في رسالة اليوم: "أيها الأخوة لا نريد أن
تجهلوا مصير الأموات، لئلا تحزنوا كسائر الناس الذين لا رجاء لهم. فأما ونحن نؤمن
بأن يسوع قد مات ثم قام، فكذلك سينقل الله إليه مع يسوع، أولئك الذين ماتوا في
المسيح".
فإن الإنسان يشتاق إلى الله وينتظر بفارغ الصبر اللقاء به، كما يقول
المزمور: "اللهم أنت إلهي، إياك التمست سحراً، إليك ظمئت نفسي وإليك اشتاق
جسدي". وكما تقول القراءة الأولى: "إن الحكمة ذات بهاء ونضرة لا تذبلـ
ومشاهدتها متيسرة للذين يحبونها، ووجدانها سهل على الذين يلتمسونها، فهي تسبق
فتتجلى للذين يبتغونها، ومن ابتكر في طلبها لا يتعب لأنه يجدها جالسة عند
أبوابه". إذن فالحياة مسيرة نحو هدف معين محدد هو الله، وما أيامه على الأرض
إلا محطات في هذه الرحلة الطويلة.
وكل هذا الكلام يطابق التعليم المسيحي الأصيل الذي يجيب على السؤال: لماذا
خلقنا الله بالجواب: "خلقنا الله لنعرفه ونحبه ونخدمه ونلتقي به في السعادة
الأبدية". وبالتالي فإننا ما زلنا في هذا الجسد نظل في دار غربة عن الله، وأن
هذا الوطن هو أشبه بالخيمة، ومثل البدوي الذي يهدم خيمته ويرحل إلى مكان آخر بحثاً
عن الماء والكلأ، فكذلك فإننا ننتظر بفارغ الصبر مجيء الرب والتحاقنا به إلى دار
المجد والخلود.
إن هذه الأفكار الروحية واللاهوتية تدفعنا إلى النظر إلى الحياة الدنيا
بعين الإيمان والعيش فيها كدار فناء
مؤقتة نعبر منها إلى الدار الباقية. ولن أنسى أبداً في حياتي ذلك المنظر الغريب
عندما استدعيت في إحدى الليالي لتقديم مسحة المرضى لأحد المنازعين في بيته، فبعد
أن أعطيته المسحة وصليت عليه، جلسنا لشرب القهوة، فسألني أهله ماذا يوجد بعد هذه الحياة وماذا هناك بعد حفنة
التراب، فبدأت بالحديث عن الحياة الأخرى وقلت بأن الموت لا يخيفنا نحن المسيحيين
لأننا نؤمن بالقيامة والسعادة الأبدية في جوار الرب، وقلت بأن الموت هو عبور من
إلى: من الحياة الدنيا إلى الحياة الأخرى، وعندما كنت أنطق هذه الكلمات بالذات،
انتقل المريض إلى رحمته تعالى أمامنا، فقلت لهم: ألم أقل لكم بأن الموت هو عبور من
إلى؟ ولعله عبر جسر الحياة الطويل ووصل إلى دار المستقر!
والعبر من هذه الروحانية كثيرة أختصرها بالأفكار التالية:
1-
إن
الله يخلق الإنسان لهدف ورسالة وليس اعتباطاً، وعليه أن يحقق ذاته ويخدم مجتمعه
ويعبد ربه، وبالتالي فإن حياته يصبح لها معنى ولا تذهب سدى ولا تكون فقط أكلا
وشرباً ولعباً، بل مناسبة رائعة لا تتكرر وفرصة فريدة يجب اغتنامها في عمل الخير.
2- ما دمنا على هذه الحياة فإنه يجب أن نقوم
بواجبنا وعملنا خير قيام ونعيش الحياة بملئها دون تحفظ ولا تراجع ولا تقاعس، بل
نتقن العمل الذي نقوم به ونضع دم قلبنا فيه، طبقاً للمبدأ القائل: "إذا عملت
عملاً فاتقنه وأحسن القيام به".
3- يجب أن لا تنسينا دنيانا ديننا وآخرتنا لا بل
أن نذكر بأننا "تراب وإلى التراب سنعود"، وأن لله علينا حق، فنعرفه
ونحبه ونخدمه من كل قلوبنا لكي نستحق أن نلتقى به بعد موتنا، فبقدر ما نحيا به
وفيه يمكننا أن نكون معه، فبه نوجد ونحيا ونتحرك. ولنتعظ بكلمات علي بن أبي طالب:
"إعمل لدنياك وكأنك ستعيش أبداً واعمل لآخرتك وكأنك ستموت غداً"
4- علينا الاستعداد الجيد لآخرتنا في كل يوم من
أيام حياتنا لأننا لا نعرف يوم وساعة موتنا، بحيث نكون دائماً مستعدين للحظة
الحقيقة الحتمية بأن كل ما هو على الأرض زائل وأنه لا يبقى إلا وجه الله تعالى وما
دونه فان، فلا أحد يأخذ معه شيئاً على الإطلاق مهما كان غنياً أو مشهوراً.
وأنهي حديثي بهذه القصة الطريفة المعبرة: تحكي
رواية قديمة تسمى "كل إنسان" عن مواجهة الإنسان للموت. تقول الرواية: إن
الله يرسل الموت إلى كل إنسان ليقول له إن حياتك على الأرض قد انتهت، فيصاب
الإنسان بصدمة. وبعد أن يفيق الإنسان من الصدمة، يطلب من الموت أن يمهله بعض الوقت
ليطلب من أصدقائه: المال والشهرة والقوة أن يصاحبوه في رحلة الموت هذه. ويوافق
الموت. ولكن أصدقاء الإنسان كلهم: المال والشهرة والقوة يرفضون مرافقته. وفي
النهاية يوافق صديق واحد فقط أن يرافقه في رحلة الموت وهو الأعمال الصالحة. وهذه
القصة تؤكد على كلمات القديس بولس: "لأنه لا بد لنا جميعاً من أن يكشف أمرنا
أمام محكمة المسيح لينال كل واحد جزاء ما عمل وهو في الجسد، أخيراً كان أم
شراً".
الأسئلة التي تطرح نفسها بعد هذا الكلام: هل أنت مثل العذارى الحكيمات أم
العاقلات؟ هل مصباحك إيمانك مليئاً بزيت الرجاء ومشتعلاً بنار المحبة أم فارغاً
ومطفياً؟ وأخيراً، إذا جاءك الموت في هذه الليلة، فهل ستكون مستعداً للقاء الرب؟
ما هو الشيء الذي ستفتخر به أمامه؟ وما هو الشيء الذي ستخجل منه أمام الموت؟
الأب رائـد عـوض أبـو ساحلية