|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
العــدل
أســاس الحُــكـم الأحد
24/11/2002
في نهاية السنة الليتورجية، يحتفل المسيحيون بحسب الطقس اللاتيني، بعيد
المسيح الملك، ملك الكون وسيد التاريخ، ملك الحياة والموت، ملك يوم الدين. ونصوص
القراءات في هذا العيد الإحتفالي، تضفي على هذا العيد جمالاً ورونقا، وتعطي
المعاني الحقيقية للملك والحكم، وهي الأمور التي يحتاج إليها عالمنا بشكل خصوصي في
هذه الأيام، ونحن نرى حكامنا يقودون العالم إلى حافة الهاوية في سياسات مبنية على
المصالح التي لا تعرف القيم الأخلاقية ولا الدينية.
ففي القراءة الأولى من سفر حزقيال النبي، نجد المسيح راعياً منشغلاً بخرافه
يضمد جراحها إذا جرحت، ويداويها إذا مرضت، ويسعى وراءها إذا ضاعت: "هاءنذا
أنشد غنمي وأفتقدها أنا، كما يفتقد الراعي قطيعه، يوم يكون في وسط غنمه المنتشرة..
وأنقذها من جميع المواضع التي شتتت فيها يوم الغمام والضباب. أنا أرعى غنمي وأنا
أربضها، يقول السيد الرب، فأتطلب المفقودة، وأرد الشاردة وأجبر المكسورة وأقوي
الضعيفة، وأحفظ السمينة والقوية، وأرعاها بعدل". إنه لنص جميع رائع، ويا ليت
رعاتنا وحكامنا ورؤساءنا وملوكنا يقرأونه ليروا أن واجبهم الأول هو الرعاية
والخدمة والعناية وليس التسلط والتحكم والظلم.
ونجد كل هذه الصفات في السيد المسيح أيضاً الذي ما انفك من استعمال هذه
اللغة البسيطة التي تنبع من حياة الفلاحين والرعاة والصيادين، فهو يقول عن نفسه:
"أنا الراعي الصالح، والراعي الصالح يبذل نفسه في سبيل الخراف... أعرف خرافي
وخرافي تعرفني وتصغي إلى صوتي وتتبعني" فالراعي الصالح هو "من يدخل من
الباب، فهو راعي الخراف، له يفتح البواب، والخراف تصغي إلى صوته، يدعو خرافه كل
واحد منها باسمه، ويخرجها، فإذا أخرج خرافه جميعاً سار قدامها وهي تتبعه لأنها
تعرف صوته، أما الغريب فلا تتبعه بل تهرب منه لأنها لا تعرف صوت الغرباء".
وهذا دليل آخر على ضرورة ارتباط الراعي بالرعية ومعرفته لها وعيشه بينها وقيادته
لها بحيث يكون في الطليعة وليس في قصره الفاخر أو برجه العاجي.
وفي القراءة الثانية من رسالة القديس بولس إلى أهل كورنتس، نجد السيد
المسيح ملكاً يحطم كل قوة ويبيد كل سلطان ويقيم كل شيء معه بقيامته ويدخل الذين
تبعوه إلى حياة لن يكون للموت عليها من سلطان. وقد استحق السيد المسيح هذه الألقاب
لأنه كسر شوكة الموت وانتصر عليه بقيامته المجيدة وأخضع جميع أعدائه تحت قدميه حتى
ابليس. ولكنه مع ذلك "يخضع الإبن نفسه لذاك الذي أخضع له كل شيء ليكون الله
كل شيء في كل شيء". وهذه هي مشكلة من يمسكون بزمام الحكم: أنهم يقيمون أنفسهم
فوق البشر جميعاً، وكثيراً ما يحلمون بالسيطرة ليس فقط على الأرض بل على السماء،
فهم يحكمون ويرسمون وكأنهم ظل الله على الأرض إن لم يكن، كما يعتقد الكثير منهم،
ألهة وليس بشراً، ولا يدرون أنهم من تراب وإلى التراب سيعودون، وأن سلطانهم مهما
بلغ من الظلم والبطش سوف يزول، فالموت لا يفرق بين غني أو فقير، بين رئيس أو
مرؤوس، ولن يفلت أحد من قبضته، الجميع سواسية أمامه "فالمكتوب ما منه
مهروب".
أما في الإنجيل المقدس، فإن المسيح هو ملك يوم الدين، له من السلطان ما
يرهب الجميع، كما له من الحب والرقة والحنو ما يحتوي الجميع. لكن سلطانه ليس ظالماً
وحبه ليس ضعيفاً. إنه بقوته وحبه واهب الحياة التي لا تزول ومدمر الموت إلى غير
رجعة. ولسوف يعود، عندما يأمر بنهاية الوجود عند نهاية الأزمنة، دياناً للعالمين،
وعندها ستحتشد لدى عرشه المجيد كل الأمم، ولسوف يدين الناس أجمعين على الحب
والرحمة والغفران في حساب دقيق.
ومن الرائع أن نعرف بأن الدستور الذي سيدان عليه الناس يوم الحشر هو دستور
المحبة، ولا شيء غير المحبة: "إذا جاء ابن الانسان في مجده، تواكبه جميع
الملائكة، يجلس على عرش مجده، وتحشر لديه جميع الأمم، فيفصل بعضهم عن بعض، كما
يفصل الراعي النعاج عن الجداء، فيقيم النعاج عن يمينه والجداء عن شماله.. ويقول
لأهل اليمين "تعالوا، يا من باركهم أبي، فرثوا الملكوت المعد لكم منذ إنشاء
العالم: لأني جعت فأطعمتموني، وعطشت فسقيتموني، وكنت غريباً فآويتموني، وعريانا
فكسوتموني، ومريضاً فعدتموني، وسجيناً فجئتم إلي". وعندما يسأله هؤلاء كيف
كان ذلك؟ يجيب: "الحق أقول لكم: كلما صنعتم شيئاً من ذلك لواحد من إخوتي
هؤلاء الصغار، فلي قد صنعتموه". أما أهل الشمال فيقول لهم: "إليكم عني
يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته" والسبب لأنهم لم يفعلوا
كما فعل أهل اليمين. فيذهب هؤلاء إلى العذاب الأبدي والأبرار إلى الحياة الأبدية.
يا لها من دينونة طريفة ومحاكمة ظريفة كلها بساطة: إن السيد المسيح الديان
العادل، لا يحاسبنا إلا على المحبة بعضنا لبعض ولكن الأساس هو العدل. فبالقدر الذي
نجد حكمه حنوناً على الأبرار نجده قاسياً على الأشرار، لأنه رحيم من جهة ولكنه
عادل من جهة أخرى. أما أحكامنا نحن البشر، فهي معقدة منحازة أحياناً وظالمة
عشوائية أحياناً أخرى، لأننا لا نعرف الرحمة ولا نحكم بالعدل والإنصاف. وللبرهنة
على ذلك، يكفي النظر حولنا، لنرى كم من المظالم تحدث كل يوم، فقد أصبح الحق أسير
القوة والباطل شعار المتجبر وقتل الأبرياء دفاعاً عن الذات وقهر الشعوب محاربة
للإرهاب وإخضاع الضعيف وظلم الفقير من أبجديات هذا العصر الذي يتبجح بحقوق الإنسان
والمساواة بين البشر في زمن الحضارة والمدنية والتقدم العلمي والتكنولوجي الذي
أصبح يخضع الإنسان للآلة ويجعل منه أداة إنتاج ووسيلة استهلاك.
أما عن حكامنا الأجلاء فحدث ولا حرج، فإن دستورهم مصالحهم الشخصة وهمهم الشاغل
كراسيهم، ومنهجهم قهر الشعوب وكتم الأنفاس، وطرقهم التفافية تقوم على اللف
والدوران والمنعطفات الحادة الصاعدة المتعرجة الوصولية التي تهدف إلى إلى الوصول
إلى قمة الهرم وهي كرسي الحكم في القلعة الحصينة والقصور الفاخرة والمكاتب الفارهة
حيت الأبراج العاجية التي تغوص بالخدم والحشم وما لذ وطاب من مأكل ومشرب. لا يحبون
إلا تحية "أهلاً سيدي" ويعشقون كلمة "أمرك سيدي" ورديفها
"سمعاً وطاعة" وإلا "فالعصا لمن عصى" لأنهم هناك
"ليُخدَموا لا ليَخدِموا" وليس مثل السيد المسيح الذي قال عن نفسه:
"إن إبن الإنسان لم يأتِ ليُخدَم بل ليَخدِم ويفتدي بنفسه جماعة الناس".
ما أحوجنا في هذه الأيام إلى ملوك ورؤساء وحكام يتمتعون بصفات السيد المسيح
الملك، الذي بالرغم من أنه ملك الملوك ورب الأرباب وسيد التاريخ، إلا أنه
"وضع نفسه وصار شبيهاً بنا في كل شيء ما عدا الخطيئة"؛ ما أحوجنا إليهم
رعاة يرعون الرعية بروح الخدمة والتضحية والعدل، عندها فقط يمكننا أن نقول:
"كلكم راعِ وكلكم مسؤول عن رعية" لأنه يتحقق الإلتحام والاتحاد بين
الراعي والرعية.
الأب
رائـد عـوض أبـو ساحلية