|
SUNDAY ARTICLE |
|
حــديـــث الأحــــــد |
|
A weekly article published in Al-Quds Newspaper |
مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية |
دعــوة إلـى الفــرح الأحد
15/12/2002
لا يوجد مكان للحزن الذي يؤدي إلى اليأس في حياة
المؤمن. ولكن هذا مستحيل في الوقت الحاضر مع كل ما يحيط بنا من هم وغم. فكل شيء
يقودنا إلى القلق والاحباط. فالمرء يتعرض إلى ضغوطات نفسية ومعنوية ومادية تهد
الحيل وتزعزع الجبال. فلا شيء يدعو إلى الفرح والانبساط حتى مع اقتراب الأعياد
الميلادية التي من طبيعتها البهجة والسرور، لأنها احتفالات تشرح الصدر وتفرح القلب
وتسر البال.
فالكنيسة تدعو المؤمنين في الأحد الثالث من زمن
المجيء إلى الفرح، لا بل تدعو هذا الأحد "أحد الفرح" لاقتراب ساعة
الخلاص بميلاد السيد المسيح. لهذا نرى قراءات هذا الأحد تدور حول هذا الموضوع
وتركز عليه: فها النبي أشعيا يستعين بصورة حفل الزواج ليدل على فرح من يطالهم
الخلاص. فالمسيح هو العريس الذي حقق العهد والمكلل بالظفر والمجد ومعه عروسته التي
هي الكنيسة "إني أسر سروراً بالرب، وتبتهج نفسي في إلهي، لأنه ألبسني ثياب
الخلاص وشملني برداء البر، كالعروس الذي يتعصب بالتاج، وكالعروس التي تتحلى
بزينتها". إنها صورة جميلة للفرح الحقيقي النابع من الخلاص الآتي من الرب.
كما أن النبي اشعيا يبشر بعهد الخلاص هذا عن طريق
علامات ملموسة محسوسة تتحقق في السيد المسيح "إن روح السيد الرب عليَّ، لأن
الرب مسحني لأبشر المساكين، وأرسلني لأجبر المنكسري القلوب، وأنادي بعتق للمسبيين،
وبتخلية للمأسورين، لأنادي بسنة الرب المقبولة". لقد تحققت هذه البشرى في حياة المسيح ولكننا نرى بأننا اليوم
أحوج من قبل إلى أن تتحقق من جديد لنا نحن الشعب الرازح تحت نير الاحتلال: إننا
بحاجة إلى تحرير من جميع أشكال العبودية. تعال ايها المخلص وخلصنا!
ونجد مثل هذه الابتهاج في المزمور الذي يردد نشيد
السيدة مريم العذراء التي تفيض فرحا "تعظم نفسي الرب وتبتهج روحي بالله مخلصي
لأنه عطف على أمته المتواضعة". إنها تفرح بالرب لأن "رحمته من جيل إلى
جيل للذين يتقونه فإنه يرفع المتواضعين ويحط المتكبرين عن العروش كما أنه يشبع
الجياع من الخيرات والأغنياء يصرفهم فارغين". إن بشرى الفرح هذه تدل على أن
الرب سيرحمنا عندما نتواضع أمام عينيه ونمثل بين يديه بقلوب واثقة مطمئنة، فلا
يمكن أن يهملنا ويرفض طلباتنا كما أنه لا يمكن أن يرضى بأن يدوم الحال كما هو الآن
لأنه لا يقبل بالظلم فسيحط ويرفع ويشبع ويروي ويرحم.
أما الدعوة الملحة إلى الفرح فنجدها في قراءة القديس
بولس الأولى إلى أهل تسالونيقي "أيها الإخوة، إفرحوا دائماً. صلوا ولا تملوا.
احمدوا الرب على كل حال: فتلك مشيئة الله لكم في المسيح يسوع" وفي هذا الكلام
القليل دليل كبير على أن مشيئة الله لنا هي أن نفرح دائماً ونصلي بلا ملل ونحمد
على كل حال مهما كانت الأحوال، وكأن هذا الكلام موجه لكل واحد منا يمر بظروف صعبة
قاهرة تزعزع إيمانه بالله وتضعف ثقته بنفسه وتفقده الأمل بمستقبل أفضل.
إن الرسول يطالبنا أيضاً بالثبات التام بكلمات رائعة
"قدسكم إله السلام نفسه تقديساً تاماً، وحفظكم منزهين عن اللوم، سالمين روحاً
ونفساً وجسداً... إن الذي دعاكم صادق، ينجز وعده". أي أن آلام الأيام الحاضرة
يجب أن لا تقضي علينا أو تدمر معنوياتنا. وإن كانت ثقتنا بالحكام والقادة معدومة
فلا يجب أن نفقد الثقة بالله تعالى لأنه صادق وينجز وعده، فإنه سيسرع لنجدة ضعفنا
ويمنحنا السلام الحقيقي الذي نتوق إليه ويحرمنا منه العالم لأنه عالم الظلمات
والظلم.
إن كل هذا الكلام الجميل دعوة إلى الفرح الحقيقي
النابع من الداخل والمؤسس على صخرة الرب القوية الحصينة وليس على رمال الظروف
المتحركة والمتقلبة. إنها دعوة إلى الصفاء والنقاء والصدق في التعامل مع الناس
بقلوب صادقة لا غش فيها ولا تصنع. وهذا يذكرني بقصيدة جميلة بعنوان "أيام
زمان" للشاعر النيجيري جابرييل أوكارا ترجمها زميلي الأب رفيق خوري في كتابه
الجميل "بطاقات ابن البلد" حيث يرى الشاعر بأن الناس تغيروا لدرجة أنهم
لا يعرفون أن يضحكوا ضحكة بريئة صادقة ولا أن يبتسموا ابتسامة نقية جميلة.
تعالوا معي نتصفح تلك القصيدة لما فيها من عبرة
مفيدة:
أيام زمان يا بني، كان الناس يضحكون بقلوبهم ويضحكون
بأعينهم. أما اليوم، فيضحكون بأسنانهم، بينما تتفحص أعينهم الجليدية ظلي النحيف.
أيام زمان يا بني، كان الناس يتصافحون بود؛ ولكن ذلك كان أيام زمان. اليوم، مصافحة
الناس للناس باردة؛ يصافحونني بيمناهم، بينما تمتد يسراهم إلى جيوبي الفارغة.
"البيت بيتك".. "اجعلها بعودة".. هكذا يقولون. وعندما أعود،
أشعر أن البيت بيتي مرة.. مرتين.. لا ثالثة لهما، أذ أجد عندها، الأبواب مغلقة
بوجهي.
وهكذا، يا بني، تعلمت أشياء كثير: تعلمت أن ألبس
وجوهاً عديدة - كالثياب- وجهاً للبيت، ووجهاً للمكتب، وجهاً للشارع ووجهاً للضيف
ووجهاً للكوكتيل. وفي كل مرة أستعمل ابتسامة خاصة. تعلمت أيضاً أن أضحك بأسناني،
وأصافح دون قلب. تعلمت أن أقول: "إلى اللقاء"، وأنا أعني "إلى غير
عودة"؛ أن أقول: "أني مسرور برؤياك"، دون أن أكون مسروراً بالرؤيا؛
أن أقول: "فرصة سعيدة تعرفت بها عليك"، دون أن أكون سعيداً باللقاء.
ولكن صدقني يا بني صدقني، أريد أن أعود إلى أيام
زمان، عندما كنت مثلك. أريد أ ن أنسى كل ما تعلمت لأتعلم من جديد كيف أضحك، لأن
ضحكتي في المرآة، تبين أسناني فقط، الشبيهة بأسنان الحية. إضحك يا بني وابتسم،
لأتعلم منك كيف أضحك أنا وأبتسم، مثل أيام زمان، عندما كنت مثلك".
ونحن أيضاً نسمع مثل هذه الكلمات من كبار السن إذ
يرددون دائماً: "أيام زمان كانت أحلى، كان الناس أصدق وقلوبهم على بعض، كانت
الحياة بسيطة والمعيشة رخيصة والجميع مبسوط". وكأننا كلما تقدمنا في العلم
والتكنولوجيا، بدلاً من أن نحقق مزيداً من السعادة، نفقد الفرح ونقع في مزيد من
الهموم. إذا كان التقدم قد سلبنا الفرح فماذا ينفع الإنسان إذا ربح العالم كله
وخسر نفسه وفرحه وراحته؟ إننا نصر ونكرر ونصرخ وندعو من جديد إلى الفرح الحقيقي:
" إفرحو دائماً. صلوا ولا تملوا. احمدوا الرب على كل حال".
الأب
رائــد عــوض أبـو ساحلية