SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

قـراءة حالية لقصة الميلاد  الأحد 22/12/2002

 

ونحن على قاب يومين أو أدنى من عيد الميلاد تتوجه أنظار العالم إلى مغارة المهد وإلى مدينة بيت لحم، وخاصة في هذه السنة بالذات نظراً للظروف الصعبة التي تمر بها من إعادة احتلال وحصار واغلاق ومنع تجول وخنق لجميع أشكال الحياة من حركة وعمل ودراسة. وبالرغم من النداءات المتعاقبة من كافة سلطات العالم الروحية والدينية والمدنية بالانسحاب من المدينة وفتحها أمام المصلين واطلاق سراح أهلها أحراراً من بيوتهم، إلا أن الحكومة الإسرائيلية تتجاهل وتصم آذانها ولم تذعن لأحد حتى لقداسة البابا الذي طلب شخصياً من رئيس الدولة لدى زيارته مؤخراً في الفاتيكان.

 

وفي هذا الجو الغريب العجيب الذي ليس له مثيل في التاريخ، نستطيع أن نفهم أن السيد المسيح بالذات قد ولد في ظروف مشابهة من الإحتلال الروماني للديار الفلسطينية، لا بل فإنه ولد في بيت لحم بالذات لأن مريم ويوسف اضطرا الذهاب إليها بسبب الأمر الأمبراطوري الذي قضى باحصاء جميع سكان المعمورة. ويبدو أن حرية المرور والحركة والعبور كانت أسهل من أيامنا لذلك استطاعت العائلة المقدسة من الوصول إلى المدينة دون الانتظار عند الحواجز العسكرية أو العودة منها بسبب الحصار والاغلاق ومنع التجول. فلو أن ولادة السيد المسيح حدثت في أيامنا لوضعت مريم طفلها على "الحاجر" هذا إذا استطاعت الوصول من الناصرة إلى بيت لحم. فهذا الأمر مستحيل الآن دون تنسيق أمني مسبق وحصول على تصريح من الحاكم العسكري.

 

ويمكننا أن نفهم أيضاً بأن ظروف ذلك الزمان كانت أسهل على الرعاة اذ تمكنوا من الوصول إلى بيت لحم من بيت ساحور حيث سجدوا للطفل المقمط في المذود وقدموا له الهدايا ورجعوا فرحين وأخذوا يخبرون بما سمعوا ورأوا. إن هذا صعب إن لم يكن مستحيلاً في أيامنا بسبب منع التجول المفروض على كل منطقة بيت لحم. أذكر جيداً بأن أهل بيت ساحور في الانتفاضة الأولى ولدى حصار المدينة أيام العصيان عن دفع الضرائب، طبعوا كرت معايدة ظريف، يشاهد فيه الرعاة ينتظرون على حاجز عسكري مكتوب عليه "ممنوع المرور" ولسان حال الرعاة يقول "نعتذر يا يسوع بأننا لن نزورك هذه السنة لأن الجنود يمنعوننا من ذلك".

 

إن الأمر سيكون أكثر تعقيداً على المجوس الذين أتوا من بلاد المشرق، كما يقول التقليد المقدس، بعضهم أتى من بلاد فارس أو العراق أو الجزيرة العربية أو الحبشة أو شمال أفريقيا. فهؤلاء المجوس وصلوا إلى أورشليم وسألوا أين ولد الطفل الملك الذي رأوا نجمه طالعاً في المشرق، ولم يحتاجوا إلى جوازات سفر ولا تأشيرات دخول للحدود الأردنية أو الإسرائيلية أو المصرية، أما اليوم فإن ذلك شبه مستحيل والمنطقة مقسمة أثلاثاً وأرباعاً وأخماساً وأسداس، والأسلاك الشائكة تمزق أوصال البلاد وتفرق بين العباد. النتيجة الحتمية إلغاء هذا الفصل من قصة الميلاد والاستغناء عن الهدايا الثمينة التي قدموها للطفل يسوع، الذهب واللبان والمر. فيا أيها الملوك المجوس لا تبرحوا بلادكم ولا تتجشموا عناء السفر فالحدود مقفلة والطريق ممنوعة والمرور مستحيل.

 

أما عن هيرودس فحدث ولا حرج، فإنه ما زال يسرح ويمرح، بأسماء مختلفة وأشكال متعددة، فلم يتعرض لبطشه الأطفال فقط بل الرجال والنساء والشبان والزرع والضرع والبيوت المؤسسات، فإنه يصول ويجول يزرع في الأرض فساداً ويحرق الأخضر واليابس، ويغتال البهجة والفرحة والابتسامة والضحكة ويزرع الدموع ليس فقط على وجه راحيل التي تبكي بنيها وتأبى أن تتعزى، بل على وجوه أمهات وآباء فقدوا أعزاء لهم في طول البلاد وعرضها. لا بل أن راحيل المذكورة في أنجيل الميلاد أصبحت اليوم حجر عثرة لا بل خنجراً في خاصرة بيت لحم فقبرها المزروع على قارعة الطريق المؤدية من القدس إلى الخليل وسط بيت لحم أصبح ثكنة عسكرية وقلعة حصينة، ولا ترتاح حتى في قبرها الذي بدلاً من أن يكون مكاناً للصلاة والعبادة أصبح مكاناً للخصام والظلم.

 

وخوفي أن تتكرر مأساة هرب الطفل مع مريم ويوسف إلى مصر، فإن الملاك الذي ظهر ليوسف في الحلم قائلاً له: "خذ الطفل وأمه وأهرب بهما إلى مصر لأن هيرودس يطلب نفس الصبي" وعندها بدأت رحلة التشرد التي دامت سنوات إلى أن مات هيرودس فعادت العائلة المقدسة سالمة غانمة إلى الناصرة حيث عاشت بثبات ونبات. ولكنه اليوم لن يستطيع الإفلات من قبضة جنود هيرودس الذين يرابطون على أبواب كنيسة المهد، وقد يوقفونه على الحواجز العسكرية التي تحيط بالمدينة وتخنقها من كل الجهات، وإذا تم القبض عليه فإنه قد يتعرض للقتل أو السجن أو الإبعاد.  فإن هذه المأساة حدثت مراراً وتكراراً معنا ومع غيرنا أيام النكبة والنكسة والانتفاضة وأرجو أن لا تتكرر إذا حدثت الضربة على العراق إذ أن طبول الحرب تقرع من بلاد العم سام. لقد كان يسوع لاجئاً في أرض غريبة والكثير منا اختبر مثل ذلك منذ عقود عديدة ويتوق إلى العودة القريبة. سبحان الله، فإن التاريخ يعيد نفسه، والإنسان لا يتعلم من دروسه وعبره ويقع في نفس الأخطاء ويرتكب ذات الآثام.  

يبدو أن رواية الميلاد الحالية قاتمة متشائمة ولكنها حقيقية وواقعية، ولا يمكننا أن نضحك على أنفسنا، أو نغطي الحقيقة بكلمة عذبة، فشمس الظهيرة لا تخفى وراء الغربال، بل تستطع بحرها وتبهر العيون بنورها الوهاج. ومع ذلك نقول وبأعلى صوتنا بأن الكلمة الأخيرة لم تقل بعد ولن تكون لخفافيش الظلم والظلام، فالتاريخ يعلمنا بأن الاحتلال الروماني اندثر وزال، وأن هيرودس وبيلاطس ونيرون وغيرهم من الطغاة قد أصبحت عظامهم مكاحل في مقابر التاريخ، وأن من سار على دربهم ونهج نهجهم مصيره الاضمحلال، قصر الزمان أم طال. فالكلمة الفصل هي للحق والحقيقة، للعدل والحرية، للخير والجمال، وما عدا ذلك فإن ومآله الزوال. وسيبقى طفل المغارة هو صاحب العيد، وسيبقى نائماً ناعماً هانئاً في حضن أمه مريم، وسيبقى القديس يوسف حارسه الأمين، وسيزوره الرعاة والمجوس من بيت ساحور وبيت جالا والقدس ورام الله والناصرة وعمان وبغداد وباريس ومن كل بقاع الأرض من الجهات الأربع، وستبقى بيت لحم رمزاً وعنواناً لميلاد أمير السلام وستبقى سماء بيت ساحور مسرحاً لنيشد الملائكة "المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام".

فها البشرى القديمة الجديدة المتجددة تأتينا من أشعيا النبي: "الشعب السالك في الظلمة، أبصر نوراً عظيماً، الجالسون في بقعة الموت وظلاله، أشرق عليهم نور، كثرت الأمة وفرت لها الفرح. يفرحون أمامك كالفرح في الحصاد، لأن نير مشقتها وعصا كتفها وقضيب مسخرها، قد كسرتها.. إذ كل سلاح متسلح في الوغى، وكل ثوب ملطخ بالدماء، يصير ضراماً ووقوداً للنار... لأنه قد ولد لنا ولد، أعطي لنا ابن، فصارت الرئاسة على كتفه، ودعي اسمه، مشيراً عجيباً، إلهاً جباراً، أبا الأبد، رئيس السلام. لنمو الرئاسة ولسلام لا انقضاء له من الآن وإلى الأبد". (أشعيا 9:2-7)

هذا هو أملنا ورجاؤنا، هذا هو نداؤنا ودعاؤنا: "يا أمير السلام امنح بلادنا السلام" وهذه هي الصلاة والصرخة التي أسمعها كل يوم في كل مكان من كل إنسان ألتقيه، ففي التساعية الميلادية التي تحضر لعيد الميلاد طلبت من أبناء رعيتي أن يكتبوا صلواتهم وطلباتهم ونياتهم على قصاصة ورق على شكل حمامة وقد علقنا "حمائم السلام" في سماء كنيسة الرعية، وقد لاحظت بأن كل صلاة من الصلوات الخمسمائة التي كتبت وعلقت كانت تحتوي على كلمة السلام، وهذا دليل على الشوق والتوق والظمأ والانتظار والرغبة الحارة والحارقة في نفس كل واحد منا بأن أعظم نعمة يمكن أن يمنحنا إياها الله في عيد الميلاد هذا ومع السنة الجديدة هي نعمة السلام بين الأنام في أرض السلام. فيا أمير السلام أمطر علينا سلام وأمنح بلادك السلام. ونقولها مع صوت ماجدة الرومي الرخيم: "يا نبع المحبة وحدك ساكن قلبي، لا تتخلى عنا عينك ع وطننا بالأيام الصعبة".

 

                                                        الأب رائــد عــوض أبــو سـاحلية