SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

السلام في الأرض       الأحد 29/12/2002

أصدر قداسة البابا يوحنا بولس الثاني رسالته السنوية بمناسبة اليوم العالمي للسلام الذي يصادف الأول من كانون الثاني، فمن عادته أن يرسل مثل هذه الرسالة إلى قادة وحكام وشعوب العالم في مطلع كل عام، لكي يذكرهم بواجب السعي إلى السلام في عالم منقسم يغص بالنزاعات ويعوم في الفوضى تحت ذريعة محاربة الإرهاب. وجاءت هذه السنة احتفالاً بالذكرى الأربعين لرسالة سلفه يوحنا الثالث والعشرون، التي نشرت في 11 نيسان 1963 بعنوان "السلام في الأرض" ذلك السلام في الأرض الذي يتوق إليه كل إنسان، والذي لا يمكن أن يتحقق إلا باحترم النظام الذي وضعه الله في الكون". 

وقد بدأ قداسته بالتذكير "بأركان السلام الأربعة" التي وردت في الرسالة:  "إن البابا يوحنا الثالث والعشرين لم يوافق مع الذين كانوا يدعون بأن السلام مستحيل، ولكنه بين الشروط الأساسية لصنع السلام التي يمكن أن نسميها "أعمدة السلام الأربعة": الحقيقة، العدالة، المحبة والحرية: إن الحقيقة تبني السلام إذا اعترف كل فرد بحقوقه بل أيضاً بواجباته تجاه الآخرين. إن العدالة تبني السلام إذا احترم كل واحد حقوق الآخرين وقام بواجباته نحوهم. إن المحبة تبني السلام إذا شعر الناس بحاجات غيرهم وكأنها حاجاتهم وشاركوهم بما يملكون خاصة بقيم العقل والروح. إن الحرية ستبني السلام إذا تصرف الناس بموجب العقل في استخدام الوسائل التي تؤدي إلأى تلك الغاية وتحملوا المسؤولية عن أعمالهم".

كان يوحنا الثالث والعشرون يرى بأن البشرية دخلت مرحلة جديدة من الوعي بالحقوق الأساسية للإنسان، بعد انتهاء الاستعمار وولادة الدول المستقلة والمطالبة بحقوق العمال ودخول النساء في معترك الحياة العامة انطلاقاً من "القناعة بالمساواة بين الناس بسبب كرامتهم الطبيعية" فقد جاهر بأهمية الدفاع عن تنمية هذه الحقوق الأساسية للإنسان التي يجب أن يتمتع بها في المجتمع والدولة بسبب إنسانيته "أي مجتمع بشري، إذا كان منظماً ومنتجاً، يجب أن يقوم على أساس متين، بأن كل فرد هو إنسان له حقوق وعليه واجبات ويتمتع بالعقل والذكاء والإرادة الحرة. وبما أن هذه الحقوق وهذه الواجبات عالمية ولا يمكن انتهاكها، فلا يمكن التخلي عنها لأي سبب من الأسباب". لذلك فقد شجع تشكيل هيئة تدافع عن الخير العام مثل الأمم المتحدة وحدد هدفها "الاعتراف والاحترام والحفاظ والتنمية لحقوق الإنسان الأساسية"،  كما رحب كذلك بالإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عنها عام 1948 الذي اعتبره الأساس الأخلاقي لتطور العالم وجنوحه نحو الحوار والسلام بين الشعوب.

واقترح بتطبيق تعليم الكنيسة القديم حول السلام الذي يقوم على "الهدوء في النظام" خاصة وأن هناك فوضى عارمة في العالم، فسؤال المطروح هو: ما هو النظام الذي يجب أن يحل مكان الفوضى الحالية، لكي يعيش الناس بحرية وعدالة وأمان؟ وبما أن هناك محاولات عديدة لوضع نظام في جميع مناحي الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية، فالسؤال المطروح هو: ما هي المبادي التي يجب أن يقوم عليها هذا النظام الجديد في العالم؟ إن مسألة السلام لا يمكن فصلها عن مسألة كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية. وأن العمل معاً لبناء منظمة عالمية للعائلة البشرية قادرة على بناء السلام ونشر التناغم بين الشعوب والعمل تطوره الشامل. ولكن البابا يحذر من أي سوء فهم، فإنه لا يتحدث عن قوة عظمى عالمية تتفرد بإدارة شؤون العالم، بل تعزيز الرغبة الموجودة في المشاركة في ممارسة السلطة السياسية والتركيز على الشفافية والمحاسبة لكل مناحي الحياة العامة.

وبما أن العديدن لا يثقون بعالم السياسة الذي يقوم على المصالح ويخلو من الأخلاقية، فإن دعو البابا يوحنا الثالث والعشرون ما زالت حالية وهي تقوم على قدرة الإنسان على الخيار الأخلاقي، فلا يمكن لأي عمل إنساني أن يقوم خارج إطار الحكم الأخلاقي. وحتى السياسة فهي عمل إنساني، لذلك فإنها تندرج تحت هذه المظلة أيضاً.

والجديد في هذه الرسالة أن قداسة البابا يخصص فقرة كاملة عن الصراع في الشرق الأوسط إذ يقول بوضوح: "لا يوجد في أية بقعة من العالم حاجة أكثر وضوحاً لاستعمال السلطة السياسية بطريقة صحيحة، أكثر من الوضع المأساوي في الشرق الأوسط والأرض المقدسة. فيوم بعد يوم، وسنة بعد سنة، فإن نتائج الرفض المتبادل تظهر للعيان وتولد دائرة مستمرة من العنف والانتقام، مما جعلت كل جهد للحوار مستحيلاً. إن الأمر يزداد تعيقداً بسبب تضارب وتداخل المصالح بين أ‘ضاء الجماعة الدولية . لا يمكننا أن نتصور كيف يمكن التقدم نحو السلام إلى أن يتطور أسلوب من في أيديهم مقاليد الحكم في استعمال سلطلتهم لضمان رفاهية شعوبهم. إن الصراع الدامي الذي يهز يومياً الأرض المقدسة والذي يؤثر على النزاعات بين القوى التي ترسم مستقبل الشرق الأوسط، يدل بصورة واضحة إلى الحاجة لرجال ونساء مقتنعين بتطبيق سياسات مبنية على مباديء احترام الكرامة الإنسانية للانسان وحقوقه الأساسية. إن مثل هذه السياسات لها منافع لكل فرد في المنطقة أكثر من مضرات استمرار الصراع. يمكن الانطلاق من هذه الحقيقة المحررة أكثر من الدعاية، خاصة عندما تكون الدعاية تهدف إلى إباحة نوايا غير مقبولة".

هناك علاقة وثيقة بين السعي إلى السلام واحترام الحقيقة، بما في ذلك الأمانة في نقل المعلومات، المساواة في الأنظمة القانونية، الانفتاح على الديمقراطية التي تمنح المواطنين الحس بالأمان، حل الصراعات بالطرق السلمية، الرغبة في الحوار البناء، كل هذا يشكل وعوداً مبشرة بسلام دائم. كما أن القمم العالمية واللقاءات الدولية توفر الجو لمثل هذا السلام شريطة أن تحترم الاتفاقيات الموقعة دولياً  انطلاقاً من المبدأ الروماني القديم "المواثيق يجب أن تحترم" وخاصة تلك التي تدافع عن حقوق الضعفاء والفقراء، بما في ذلك الوعود المقطوعة لمساعدة الدول النامية للتخلص من الفقر لأن الألم الذي يسببه الفقر يعرض الثقة إلأى الزوال، مما يؤدي إلأى اليأس والاحباط. فإن الثقة في العلاقات الدولية قيمة أساسية.

كما أنه يدعو الجميع إلى بناء ثقافة السلام: إن السلام لا يقوم على الأنظمة ولكن على الشعوب، فإن بعضها ضروري وخاصة تلك القانونية والسياسية والإقتصادية، ولكنها تنبثق عادة من تراكم حكمة وخبرة الكثير من الرجال والنساء الذين قاموا بالعديد من مبادرات وعلامات السلام التي حفزت على الأمل في القلوب بدلاً من الاستسلام لليأس. إن علامات السلام تنبع عادة من حياة الشعوب التي تقوي السلام في قلوبها أولاً، إنها ممكنة عندما يقدر الشعب البعد الجماعي لحياتهم بحيث يتفهم معنى الأحداث ونتائجها على حياتهم الجماعية وعلى العالم. إن علامات السلام تخلق تقليداً وثقافة للسلام.

يلعب الدين دوراً حيوياً في تقوية علامات السلام وتعزيز الظسروف الضرورية للسلام. ويتم ذلك عندما يركز الدين على هدفه الأساسي: التركيز على الله الذي يدعو إلى الأخوة العالمية وينشر ثقافة التضامن البشري. كان يوم الصلاة من أجل السلام الذي دعيت إليه في أسيزي، والذي ضم ممثلي جميع الديانات، يرمي إلى هذا الهدف. فقد عبر عن هذه الرغبة العميقة لتنمية ونشر روحانية وثقافة السلام.

وقد أنهى قداسة البابا راسلته بقوله: "في بداية عام جديد في تاريخنا البشري، فإن الأمل الذي يملاء أعماق قلبي هو أن يزخر في قلب كل إنسان هذا الالتزام برسالة "السلام في العالم" التي دعى إليها البابا يوحنا الثالث والعشرون قبل أربعين عاماً بحيث تخلق علاقات جديدة بين بين أفراد المجتمع البشري بقيادة الحقيقة والمحبة والعدالة والحرية. وكان البابا يقصد العلاقات بين المواطنبين، بين المواطنين ودولتهم، بين الدول، وأخيراً بين الأفراد والعائلات والمؤسسات المحلية والدولية". 

دعى إلى الاحتفال بهذه الذكرى الأربعينية للرسالة البابوية وذلك بالقيام بمبادرات مسكونية ذات طابع ديني مشترك مع الديانات الأخرى بحيث تجمع بين من لديهم الرغبة العميقة "لكسر الحواجز التي تقسم بينهم، وتقوية عرى المحبة المتبادلة، وتعلم فهم الواحد للآخر والعفو عمن يخطيء أو يسيء".

                                                                   الأب رائــد عــوض أبـو ساحلية