SUNDAY ARTICLE

حــديـــث

الأحــــــد

 

A weekly article published in Al-Quds Newspaper

مقال أسبوعي ينشر في جريدة القدس المقدسية

 

معمودية الماء أم معمودية الدم!  الأحد 11/1/2003

 

يحتفل المسيحيون الذين يسيرون بحسب التقويم الغربي بعيد عماد السيد المسيح. وهذا العيد يعتبر نقطة الانطلاق في رسالته العلنية بعد قضائه ثلاثين سنة في حياة الناصرة الخفية. وتتلخص هذه الخطوة باعتماده في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان. ولهذا العيد معان كثيرة مهمة نود أن نبرزها في هذا الحديث ونقرأها على ضوء واقعنا الحالي.

 

كان السيد المسيح يعيش في الناصرة مع يوسف النجار ومريم العذراء، ويقول الإنجيل بعد حادثة ضياعه في الهيكل عن عمر اثنتي عشر سنة، بأنه "عاد معهما إلى الناصرة، وكان طائعاً لهما في كل شيء" ويضيف بأنه "كان ينمو ويترعرع في الحكمة والنعمة والقامة أمام الله والناس". هذا كل ما لدينا عن حياة السيد المسيح بعد ميلاده وهروبه إلى مصر وعودته إلى الناصرة وقبل افتتاح رسالته العلنية التي دامت ثلاث سنوات.

 

وإذا بنا نراه يظهر مجدداً إلى الشاشة عن عمر ثلاثين سنة، وما ذلك إلا لأن المعلمين اليهود كان لا يحق لهم الشروع بالتعليم العلني إلا عند بلوغهم سن البلوغ القانونية هذه، وبعد أن يكونوا قد تتلمذوا على معلمين في الكتاب المقدس وواظبوا على حفظ الشريعة وحضور الصلوات في المجامع كل سبت. كما أن هذه الفترة التحضيرية ضرورية جداً لكي يباشر رسالته العلنية العظيمة، فرأى بأن يدشنها بطريقة رسمية واحتفالية بعد أن مهد له يوحنا المعمدان الطريق، إذا قال عنه "يأتي بعدي من هو أعظم مني، ولست أهلاً لأن أنحني وأفك رباط حذائه". وكان يقول عنه أيضاً: "أنا عمدتكم بالماء، وأما هو فيعمدكم بالروح القدس والنار".

 

وهنا بالذات ظهر يسوع وجاء من ناصرة الجليل ليعتمد على يد يوحنا في نهر الأردن، فمانعه الأخير لأنه رأى بأنه هو المحتاج إلى الاعتماد عن يده، فكيف يأتي ويطلب المعمودية منه؟ ولكن السيد المسيح يصر بقوله: "ينبغي لنا أن نتم كل بر" وفيما هو يعمده، تفتحت أبواب السماء، وحل عليه روح الله، على هيئة حمامة، وجاءت شهادة السماء على الفور إذ سمع صوت يقول: "أنت ابني الحبيب عنك رضيت". فكانت إعلاناً رسمياً من الآب للإبن، وتصديقاً لرسالته، وتنصيباً له في مقامه، وتقليداً له لسلطانه، وتكريساً علنياً لذاته القدوسة. وكان عماده بداية عهده وفاتحة رسالته، ونقطة انطلاقه.

 

ويتساءل الكثيرون لماذا اعتمد السيد المسيح على يد يوحنا المعمدان الذي كان يدعو إلى التوبة ويعمد معمودية لغفران الخطايا، خاصة وأن المسيح تجرأ مراراً وقال "من منكم يستطيع أن يثبت عليَّ خطيئة واحدة" فهو الذي "صار شبيهاً في كل شيء ما عدا الخطيئة"؟. والجواب على هذا الاعتراض هو أن السيد المسيح اعتمد، لا طلباً منه لتوبة عن خطايا ولا سعياً منه وراء مغفرة ذنوب، ولا لحاجة في النفس إلى ما يسعى إليه الخاطئون. ذلك لأن السيد المسيح هو ابن الله وابن البشر وهو البريء من كل خطيئة والبعيد عن كل شر. وهو الذي يغفر للناس الخطايا والذنوب. وهو الذي يعيد إلىالنفس براءتها الأولية وصفاءها القديم. إنما اعتمد يسوع من أجل أن يتم كل بر، ومن أجل أن يكون في كل شيء قدوة صالحة للذين سيؤمنون، ولكي تكون المعمودية التي أمر بها المدخل الوحيد إلى ملكوته والشرط الوحيد بكنيسته، وهو القائل: "إن لم يولد أحد من الماء والروح القدس فلن يدخل ملكوت الله". فالمعمودية هي المدخل إلى الحياة المسيحية والعلامة الحسية والخارجية الرسمية التي لا تمحى ولا تتكرر التي بها يولد المؤمن لحياة الإيمان الجديدة.

 

ونرى في حادثة العماد هذه تجلي الله بصورة ظاهرية، فصوت الأب يسمع، والروح القدس يظهر بشكل حمامة والإبن يعتمد في الماء. وهذا كمال اللاهوت والثالوث. فالله الآب يرسل الروح القدس على هيئة حمامة ويعلن رسمياً افتتاح رسالة الإبن ويرضى عليه، وكأني به يقول له "الله يرضى عليك يا إبني" كما تترضى الأم على إبنها المسافر للدراسة أو الذاهب إلى العمل أو العاقد العزم على القيام بمهمة صعبة جديدة. ونحن هنا أمام الابن الحبيب، الذي يقول عنه في سفر أشعيا النبي: "هوذا عبدي الذي أعضده، مختاري الذي سرت به نفسي: قد جعلت روحي عليه، فهو يبدي الحكم للأمم، لا يصيح ولا يجلب، ولا يسمع صوته في الشوارع. قصبة مرضوضة لا يكسر، وكتاناً مدخناً لا يطفيء، يبرز الحكم بحسب الحق". كما "أن الله مسحه بالروح القدس والقدرة، فمضى من مكان إلى آخر، يعمل الخير، ويبريء جميع الذين استولى عليهم إبليس، لأن الله كان معه" كما يقول القديس بطرس في أعمال الرسل. لذلك كان يحتاج إلى بركة الانطلاق في الرسالة.

 

لا شك بأن عماد السيد المسيح في نهر الأردن على يد يوحنا المعمدان قد دشن العهد الجديد وأصبح العلامة المحسوسة للانتماء للدين المسيحي والدخول في أحضان الكنيسة، كما أنه أصبح سراً من أسرار الكنيسة السبعة، لا بل أولها وفاتحتها. فالمسيح قد قدس بعماده المياه التي سنعتمد بها نحن، وفتح الباب أمام هذا السيل الجاري لا بل النهر الكبير الذي يغتسل فيه موكب المعتمدين منذ ألفي سنة. وفي رمز الماء هذا دلالة عظيمة على الحاجة الى الطهارة والنظافة والحياة والحيوية، فلا أحد يستطيع أن يعيش في الوحل ولا يمكن حتى للنبات أن يعيش دون ماء لأنه عماد الحياة. لذلك، فعندما نعتمد بالماء وبالروح القدس فإننا لا نتمم فريضة فقط بل نغتسل من خطيئتنا الأصلية التي ورثناها من أبوينا الأولين آدم وحواء، ونستمد القوة للسير في طرق الحياة الوعرة، ونرتوي من نبع الحياة المتدفق من جنب السيد المسيح المطعون بالحربة علىالصليب، بكلمة أخرى نستمد الحياة والخلاص. ومن هنا الارتباط الوثيق بين المعمودية والفصح، إذ أن المعمودية هي موت عن الخطيئة وقيامة لحياة جديدة ملؤها النعمة والحق. فكان على السيد المسيح أن يعتمد معمودية الدم ببذل ذاته من أجل خلاص العالم.

 

وما نفع هذا الكلام الايماني اللاهوتي المعقد؟ وما علاقته بحياتنا نحن اليوم وهنا وفي هذه الأوضاع المأساوية التي نعيشها؟ أرى بأن العلاقة وثيقة، إذ أن عالمنا يغوص في وحلة الخطيئة ويغرق تحت لجة الشر، مهدد بنار الحرب ويرزح تحت وطأة الظلمة والظلم. والحاجة ملحة إلى معمودية بالماء والروح تبشر بغسل للانسان من أوحال خطاياه وترجع له روح المحبة والتسامح، لا بل الحاجة ملحة أيضاً إلى الروح القدس والنار، النار التي تحرق ما في العالم من شرور وتنير ما فيه من ظلمة فتتحول من نار إلى نور. ونحن في أرضنا المقدسة، أحوج الناس إلى هذا الموت عن كل ما هو ماض وإلى القيامة إلى كل ما هو جديد، قيامة إلى الحياة والحرية والاستقلال. ويبدو أننا نمر بمعمودية الدم ونكتوي بنار الاحتلال والظلم ويا ليتنا نعتمد بمعمودية الماء ونغتسل من الاحتلال ونقوم إلى نور فجر جديد في صباح الحرية والاستقلال. وهذه محاكاة لما حدث مع السيد المسيح بالذات، إذ أنه لم يقتبل معمودية الماء فحسب بل دفع دمه ثمناً لتحرير الانسانية من عبودية الخطيئة كما ندفع الآن دماء الشهداء ثمناً للتحرير وبذاراً للاستقلال.

 

الأب رائــد عــوض أبــو ســاحلية