كلمة ترحيب
بنيافة الكاردينال
روجيه اتشجاراي
المبعوث
البابوي الخاص
الأحد 5 أيار
2002
نيافة الكاردينال الموقر
يسرنا
أن نرحب بكم في هذا الصباح، في ثاني بعثة سلام لكم إلى المدينة المقدسة، كمبعوث
خاص لقداسة الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني. كانت بعثتكم الأولى في شهر
كانون الثاني عام 2001، بعد أشهر قليلة بعد بداية الانتفاضة الثانية. نحن نعلم
الاهتمام البالغ الذي يوليه قداسة البابا يوحنا بولس الثاني لهذه الأرض المقدسة
بجميع سكانها. ولقد عبر مرارا وتكرارا عن مواقفه بكلام واضح وصريح، من أجل وضع حد
لكل ظلم وعنف، ومن أجل احترام قداسة هذه الأرض وكرامة كل إنسان فيها. وفي هذه
الأيام، منذ أن بدأت الشدة الكبرى التي ما زلنا نعاني منها، منذ يوم الجمعة
العظيمة في الاسبوع المقدس يوم 29 آذار، وحتى اليوم ما زال يكرر نداءاته الملحة
للعودة إلى سبل العدل وإلى إقرار حقوق الشعب الفلسطيني كأساس لأمن الشعب
الإسرائيلي. وها هو اليوم يتوج نداءاته بإرسالكم شخصيا إلينا.
في
أيام الموت هذه التي مرت بها المدن والقرى الفلسطينية وما زالت، وفي أيام الحصار
المضروب على كنيسة المهد الجليلة، نريد أن نعبر عن شكرنا، لكل ما قال، ولكل ما عمل
لدى سلطات هذا العالم، لكي يضع حدا لمأساة هذه الأرض ولمأساة كنيسة المهد، رمز
إيماننا وإيمان العالم المسيحي. وإنا نشكره لأنه أرسلكم إلينا. لأنه بسبب حضوركم،
وبسبب اهتمام قداسته ومساعيه أخذت ساعات الفرج تقترب.
ومع ذلك فإن جميع مؤمنينا لم يسمعوا صوته ولا أحسوا بعمله الصامت والدؤوب.
ولكنهم سيسمعون ويرون في الساعات القليلة إن شاء الله، ولو بعد طول المحنة. صحيح
أن محنة الحصار المضروب على الكنيسة منذ خمسة أسابيع، أي المدة الكاملة بين
العيدين، بين ذكرى القيامة في 31 آذار والذكرى نفسها اليوم الأحد 5 أيار، كان ضربة
موجعة وإذلالا فرض على جميع كنائسنا ومشاعرنا المسيحية كما وعلى العالم المسيحي
بأسره، لما لبيت لحم مدينة المهد من مكانة في مشاعرنا وفي مشاعر العالم المسيحي.
كلا لم يكن من الضروري نقل الحرب إلى قلب كنيسة المهد وضرب الحصار مدة خمسة أسابيع
عليها وعلى المؤمنين حتى آخر أيام العيد، وعلى سكان المنطقة بأكملها، نحو 140 ألف
نسمة. كلا لم يكن من الضروري فرض هذه المهانة على كنائسنا وعلى العالم المسيحي.
ولكن ها أنتم اليوم بيننا تحملون إلينا محبة أبينا البابا يوحنا بولس الثاني وثمرة
جهوده المباركة أي التحرير الوشيك لكنيسة المهد ولمشاعرنا. فالحمد لله، وتباربكتم
أنتم الآتين باسم الرب.
ولكن متى انتهت الحرب، وعادت السكينة إلى النفوس، وعادت الكرامة البشرية
لكل من أُذِلوا، إلى كل من عادوا إلى أنقاض بيوتهم أو أنقاض ضمائرهم، ومتى عاد الجنود
الإسرائيليون إلى عائلاتهم وإلى كرامتهم البشرية، وقد تحرروا من أوامر القتل
والإذلال لإخوتهم الفلسطينيين، بعد ذلك كله لا بد من بداية جديدة في سبيل بناء
السلام والعودة بهذه الأرض إلى قداستها. ولهذا لا بد من رؤية سر الله فيها. لا بد
من أن يتساءل المؤمنون، كل المؤمنين، يهودا ومسيحيين ومسلمين، بأي إله يؤمنون.
لأنه إن كان الإله الذي نؤمن به هو الإله الواحد الأحد نفسه، إن كان إيماننا بالله
إيمانا بقداسته ومحبته وتكريمه للإنسان، وليس محض تقاليد خارجية وعبادات مكررة،
إيماننا يدفعنا إذًا إلى الالتقاء في الكرامة نفسها أمام خالقنا وإلهنا، وفي
الرؤية نفسها لما هو ظلم ولما هو عدل، ومن ثم نلتقي فلا نسمح بأي شكل من الأشكال
بأن نستمر في الاقتتال أو أن نبرر قتل القاتلين.
ونحن الكنائس، كنائس القدس أيضا، يجب أن نتساءل من جديد في ما هو دورنا
الحقيقي: أبُناةٌ نحن للمستقبل أم حراس للماضي؟ أمُربّون نحن لمؤمنين متجسدين في
جميع متطلبات واقعنا البشري، بما فيها هذه المواجهة القتالة بين الشعبين، أم نحن
أيضا محافظون على طقوس وعبادات مفرغة من الإنسانية الحقيقية، ومن واقعها السياسي
والاجتماعي، في فراغ يعصف بمؤءمنينا فيحملهم من دون مقاومة إلى بلاد المهاجر
المختلفة.
إن حضوركم بيننا هوحضور قداسة أبينا، يعيد إلينا الشجاعة وبثبتنا في
إيماننا وفي أرضنا. ويؤكد لنا أخُوَّةَ مسيحيي العالم، ويذكرنا في الوقت نفسه
بواجباتنا تجاه إيماننا وجميع إخوتنا في هذه الأرض، إخوتنا المسلمين الذين نحن
وإياهم شعب واحد، ويهودا ما زلنا وإياهم في بحث شاق عن العدل وعن المستقبل.
معكم نقدم الذبيحة في هذا الصباح أمام الإله العلي القدير، ونسأله أن يمنحنا ويمنح القيادات
السياسية في هذا العالم حكمة ونورا وقوة لكي يروا سر هذه الأرض ويتمموا مشيئته
فيها.