عظة أحد الشعانين في رام الله

28/4/2002

احتفل غبطة البطريرك ميشيل صباح بأحد الشعانين في رعية رام الله للاتين، وجاءت هذه الزيارة التضامنية بعد رفع الحصار عن المدينة لتفقد أحوال الرعية ومع بداية الأسبوع المقدس الذي سينتهي بالاحتفال بعيد الفصح المجيد بحسب التقليد الشرقي، وقد ألقى أثناء الاحتفال عظة بليغة بالمعاني الروحية التي تقرأ الأحداث التي يمر بها شعبنا على ضوء الإنجيل في ظل الصليب وفي وحي القيامة:

 

1      تحية لكم أيها الإخوة والحمد لله على سلامتكم. مررتم ومررنا معا في محنة وأهوال شديدة، وما زالت الشدة قائمة. فرض عليكم الرعب والموت مدة أسابيع طويلة، وما زلتم حتى اليوم تحت الحصار. والرئيس عرفات معكم ومع شعبه أيضا تحت حصار أشد وأقسى. الحمد لله على سلامة كل من بقي، ورحم الله كل من قضى، والفرج والقوة من الله لمن بقي في مواجهة مظاهر لا إنسانية قضى فيها الإنسان على إنسانيته في تقتيل وإذلال أخيه الإنسان. كانت حربا فقد فيها الجندي الإسرائيلي أو أُمِرَ بأن يتخلى فيها عن إنسانيته ليتقن مهمة القتل والإذلال لأخيه الإنسان الفلسطيني.

عليكم فرض الحصار، وعلى كافة المدن والقرى الفلسطينية فرض الحصار والإذلال والموت معا. زرت مخيم جنين يوم الخميس الماضي ورأيت الدمار والبيوت ردمت على رؤؤس أهلها. وأهم من ذلك، رأيت العزيمة والإصرار في أهل المخيم يسكنون أنقاض منازلهم، لا يبرحونها. وبيت لحم، كلنا، والعالم كله معنا، أنظاره مشدودة إليها وإلى كنيسة المهد المحاصرة منذ أربعة أسابيع.

 

2      وها نحن اليوم نجتمع أمام الله في يوم الشعانين، فاتحة الأسبوع المقدس، أسبوع الفداء والقيامة المجيدة، نضع سر قسوة الإنسان ومقدرته على فقدان إنسانيته أمام سر الله ومقدرته على التخلي عن لاهوته.

استمعنا في القراءة الثانية إلى القديس بولس في رسالته إلى أهل فيلبي يقول: "إن المسيح مع أنه في صورة الله لم يعد مساواته لله غنيمة بل تجرد من ذاته متخذا صورة العبد..."، تخلى هو عن لاهوته، ولكن ليفدي الإنسان، وليصالحه مع الله ومع أخيه الإنسان.

وأما مقدرة المقاتلين في أرضنا على التخلي عن إنسانيتهم فليست للخلاص والفداء، بل لقتل الخصم. نعم، كانت طرق الحرية عبر التاريخ مضرجة بالدماء، وما زالت كذلك على يد الأقوياء في هذا العالم، ثم يعجبون كيف يسلك الضعاف الطريق نفسها.

       

3      ويقف المسيحي أمام هذه المأساة ليقول ماذا؟

سمعنا من قال: خذلنا العالم المسيحي فهذه كنيسة المهد، رمز العالم المسيحي، تحاصر وتذل ويمنع المؤمنون عن الصلاة فيها والعالم المسيحي صامت. في الواقع العالم المسيحي لم يصمت، بل ضميره في تأجج يومي، ورسائل التضامن تنهال يوميا علينا، والاتصالات لدى السفارات الإسرائيلية والقيادات السياسية متواترة. والقيادات الدينية الكاثوليكية والبروتستانتية والأورثوذكسية كلها رفعت صوتها، وشجبت واستصرخت وناشدت، ولكنها تكسرت عند ضمير رجل تبين أن لا سلطة سياسية ولا قوة في العالم تقدر أن تؤثر فيه. ومن ثم العالم والمسيحيون في العالم لم يصمتوا وكذلك القيادات السياسية، ولكنهم عاجزون عن أي عمل حاسم.

وقد يقول المسيحي أيضا: هذه حياة لا تطاق فأنا مهاجر. أنت حر. ولكن راجع نفسك قليلا. أوحدك تعرضت للموت وللرعب؟ أليس جميع سكان هذه الأرض تعرضوا للمحنة نفسها؟ ولماذا لا تشارك في الموت حتى تشارك في الحياة في ما بعد؟ ثم إن دعوتك هي أن تشهد للمسيح هنا، في هذا البلد العربي والمسلم والمسيحي، والذي هو في وضع صراع مع الشعب الإسرائيلي.

يقول المسيحي: كفى. وكلنا والعالم معنا يقول كفى. ليست هذه حربا، بل هجوما على الإنسان. هذا الحصار وهذا الإذلال لا يتطلبه أي أمن إسرائيلي، بل هو ثمرة رغبة في الانتقام والإذلال ولا يثمر إلا انعدام الأمن.

 

4      كل ذلك يقال. ويفهم كل واحد منا أن كل ذلك يقال. ولكن المسيحي إذا ما وضع هذه الأحداث كلها أمام ربه، قد يقول غير ذلك أيضا.

يقول المسيحي جاثيا أمام ربه: في هذه الأ رض أظهرت اللهم سر حبك للبشرية. في هذه الأرض أردتني أن اكمل هذه الشهادة. في هذه الأض أردت أن تكون حياتي صليبا يكمل صليبك وآلامك، كما قال بولس الرسول: "إني أكمل في جسدي ما ينقص لآلام ربي وإلهي يسوع المسيح". في هذه الأرض قمت منتصرا على الموت. ففي هذه الأرض علي أن أصنع القيامة لجميع أهلها، لشعبي الفلسطيني فينال حريته وكرامته وطمأنينته، وللإسرائيلي العدو اليوم والإنسان اليوم وغدا، وبالرغم من أنه رضي أن يتخلى عن إنسانيته في حربه هذه، له أيضا أصنع القيامة فيجد في حرية الفلسطيني أمنه وطمأنينته.

ويقول المسيحي: طرق الموت المتبعة يمكن ان تحل محلها طرق حياة تؤدي إلى الحرية والكرامة. مع الموت تنعدم الثقة شيئا فشيئا وتنعدم الحلول. مع طرق السلام تنَمَّى الثقة وتصبح الحلول ممكنة. 

5      نحن في أحد الشعانين نرافق السيد المسيح في بداية آلامه، يوم دخل القدس مظفرا بين هتافات الجماهير، يوم ضج رؤساء المدينة واحتجوا لدخوله ولهتافات الأطفال، فقال لهم: الحجارة تهتف إن صمت الأطفال.

  نسير إلى القدس ونعمل على تحريرها لأنها أسيرة. ولكن للروح قوة تحرر الذات وتحرر المدن أيضا، إن اتبعناها. بيت لحم أسيرة مع كنيستها، بل المنطقة كلها، أكثر من مائة ألف نفس كلها رهائن بيد عسكر يطالبون بثلاثة رجال للقضاء. فبيت لحم ومائة الألف من البشر بحاجة إلى تحرير. بل الجنود المحاصِرون أنفسهم بحاجة إلى تحريرهم من الشر الذي في أنفسهم، أو الذي أُمِروا بأن يُلبَسوه بحجة الانتصار وبحجة تحقيق أمن مستحيل تحقيقه بالطرق التي أُمروا باتباعها.

المسيحي أمام هذا، لا يقل هو قليل عدده، لا يقل ليس هو المسؤول، بل هو يحمل طاقة روحية ويجب أن يفعِّلها الآن. الآلام، تحملها السيد المسيح وحتى الموت. نحن بحاجة إلى أناس يفهمون ما معنى أنهم مؤمنون بيسوع المسيح وبكامل رسالته، فيرضون بالتحمل والصبر ولو حتى الموت، ثم يرفعون كل ذلك بنفس قوية ولو باكية أمام الله. نحن بحاجة إلى أناس مستعدين للموت أيضا حتى تعيش الأجيال من بعدهم. نحن بحاجة إلى جيل جديد من المسيحيين، متحدين، متجاوزين كل الحدود المعيقة، وبالرغم من كل مظاهر الضعف فيهم كما في كل بشر، يشهدون لقوة الصليب ولقوة القيامة معا، أمام كل من يرى في موت عدوه  الوسيلة الوحيدة للحياة، ويبقون أقوياء أمام الشدة ويربون أبناءهم وبناتهم على الشدة المادية وعلى جهد الروح.   

 

6      أيها الإخوة في كل هذه المحنة، هذا الأسبوع المقدس الذي نبدأه، يمنحنا نورا جديدا. نور القيامة يوم السبت القادم، إن لم يصل إلى مدننا وقرانا للحصار الذي نحن فيه، يصل إلى قلوبنا، ليخلق فيها رؤى جديدة وعزما جديدا وحياة جديدة.

        أسأل الله أن يمنحنا هذه النعمة وأن يجعلنا فعلا أقوياء بقوة صليبه المقدس وبنور قيامته المجيدة. آمين.

 

                                                        + البطريرك ميشيل صباح

                                                        بطريرك القدس للاتين