1 أولا
تحيتي لكم جميعا أيها الإخوة والأخوات. يسرني لقاؤكم والحديث إليكم في هذا المساء.
وأسأل الله أن يكون حديثي مفيدا لنا جميعا ككنيسة حية خادمة ومُحِبَّة لكل إنسان
في هذه الأرض المقدسة. تحيتي لسيادة المطران بولس ماركوتسو راعي هذا القسم من
الأبرشية. تحيتي لنادي العائلة والقائمين عليه، ولا سيما راعي هذه الرعية الأب
مارون يونان ومساعديه وللوجود الرهباني الفرنسسكاني وسائر الرهبان والراهبات
الخادمين في هذه المدينة. أرجو أن يكون هذا النادي ملتقى دينيا وفكريا للعائلات
المسيحية، يساعدها على تفهّم وتحمّل مسؤولياتها في هذه المدينة الناصرة، وفي هذه
الدولة دولة إسرائيل.
موضوع حديثنا هو "هوية المسيحي هنا في دولة إسرائيل".
2 الهوية
لها مقومات في الذات الفردية والجماعية معا. فلا تقوم هوية مجردة غيرُ مرتبطة في
البيئة التي يعيش فيها الإنسان، بل تكون مرتبطة بها وبكل مقوماتها: ونحن هنا في
بيئة تتكوّن من قوميتين يهودية وعربية ومن ثلاث ديانات اليهودية والمسيحة
والإسلام. وكل هذه المقومات تهمنا وكلها تؤثر في تحديد هويتنا. وبالإضافة إلى هذه
المقومات الأساسية، هناك واقع محلي آخر مرتبط ارتباطا أساسيا بهذه المقومات الخمس،
وهو الصراع الفلسطيني والإسرائيلي. وهو واقع لا يمكن إهماله، لأنه يؤثر بصورة
مباشرة في السياسة العامة، كما وفي الحياة الفردية لكل واحد منا.
يسأل المسيحي وبحق في هذه الأيام، لسبب التعدد القائم والمتثمل في هذه
المقومات الخمس: ما هي هويتي؟ أين أنا من كل هذه المقومات، ومن الحدث الرئيسي الذي
يسيطر على الحياة العامة والخاصة في الأرض المقدسة أي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي؟
3 القاعدة
الرئيسة للهوية هي الذات. وعندما نتكلم على الهوية المسيحية فهي الذات المسيحية.
ومن ثم الإطار الذي يستقبل جميع عناصر البيئة هو العقيدة والأخلاق المسيحية. ومن
ثم لن تستقيم هوية ولن تكون كاملة، من غير الأساس العقيدي الذي يوجه المسيحي. من
أنت؟ أنت مسيحي وعربي في آن واحد وانت في دولة إسرائيل.
أولا، أنت مسيحي. وهذا يعني أن تعرف ما معنى أن تكون مسيحيا. المسيحية ليست
أمرا متوارثا فقط. وليست فقط انتماء إلى عائلة مسيحية أو إلى كنيسة ما، وليست فقط
مجموعة شعائر وعبادات. أن تكون مسيحيا يعني أن لك رؤية روحية محددة شمولية وأنك
ملتزم وأمين لما توحي به هذه الرؤية، في الحياة الفردية والاجتماعية. والعبادات
ومختلف الصلوات هي مدخل وغذاء لمواقف يجب أن تتخذها في العائلة والرعية والمجتمع
والاقتصاد والسياسة.
أن تكون مسيحيا هو أن تعرف من هو يسوع المسيح الذي تؤمن به. وهو أن تكون
متشربا بأخلاقه وعاملا بموجبها، كما قال القديس بولس "ليكن لكم من الأخلاق ما
في المسيح يسوع".
وهو أن تلتزم الوصية الأساسية في الدين المسيحي أي وصيةَ المحبة بكل
مجالاتها وصعابها، محبةَ الله ومحبةَ الإنسان، والمغفرةَ والمطالبةَ بالحق المهضوم
الفردي أو الجماعي الخ...
وهو أن تدرس إيمانك وتستمر في دراسته لتزداد معرفتُك به. وهو إن كنت رب
عائلة أو ربة عائلة أن تدرِّس أبناءك وبناتك، وتسلّمهم الإيمان الذي تسلَّمْتَه من
أجدادك. هو أن تقرأ الكتاب المقدس، فهو كلمة الله وهو المرشد والدليل.
وهو أخيرا أن تعلَمَ أنك مؤمن لنفسك وللآخرين. فيجب أن تكون خادما للجماعة
ومشاركا في بنائها. لست منعزلا وحيدا. لست مسيحيا لنفسك ولا لجماعتك فقط، بل أنت
مسيحي للمدينة كلها وللدولة كلها. أنت شاهد فيها ليسوع المسيح، وأنت بحكم هذه
الشهادة خادم لمحبة يسوع المسيح للجميع. فأنت مهتم بشؤون الدنيا كلها، هذا هو معنى
اهتمامك بشؤون الدين ومعنى ممارستك لكل العبادات والشعائر فيه.
4 وقسم
من هويتنا أن الكنائس المسيحية متعددة ومنقسمة. نحن في القدس ثلاث عشرة كنيسة
كاثوليكية وأرثوذكسية وبروتستانتية. والعلاقات بيننا والحمد لله مسيحية أخوية
جيدة. الانقسام جزء من واقعنا، ولهذا فالجهد في سبيل الوحدة جيب أن يكون إحدى سمات هويتنا.
وجزء من هويتنا أيضا، وليس أقل أهمية من غيره، هو علاقتنا بسائر الأديان،
بالديانة الإسلامية وبالديانة اليهودية. مع الديانة الإسلامية لنا روابط القومية
والحضارة، والشراكة في بعض المعتقدات والاختلاف في غيرها. ومع الديانة اليهودية
لنا شراكة الجذور، فكتابنا المقدس هو أحد كتبهم المقدسة أي العهد القديم، وهو كتاب
الله وكتابنا المقدس، - مهما قال فيه البعض أو طعنوا بسبب بعض التأويلات السياسية
التي تشوِّهه، - ولنا معهم أيضا مشاركة في بعض المعتقدات واختلاف في غيرها.
وحزء أساسي من هوية المسيحي، وبصورة خاصة في هذه الأرض المقدسة، هي الأماكن
المقدسة. هي جزء لا يتجزأ منه ومن إيمانه. الأماكن، ليس من يقوم عليها أو يملكها،
بل الروح التي فيها، والذكرى التي فيها، وسر الله الذي فيها. زيارة المكان المقدس
والتأمل في سره، هو مكان لقاء مع الله. والأماكن المقدسة ملك روحي لنا وللعالم
أجمع. فتنجم عن هذا سمة خاصة في هوية المسيحي في الأرض المقدسة عامة، وليس فقط في
دولة إسرائيل، وهي أنه في شركة روحية مع المؤمنين في العالم كله، لكونه عضوا في
كنيسة يسوع المسيح، وهي الكنيسة نفسها في كل بقعة في العالم، مع تعددها وحتى
بالرغم من انقساماتها، ولكونه يعيش في أرض فيها أماكن الجذور لكل المسيحيين في
العالم. فهو في شركة مع العالم، وهذا أيضا جزء من هويته. تضفي الأماكن المقدسة على
هويته هذا البعد العالمي، فكل مؤمن مرتبط بها، وكل مؤمن يريد أن يأتي إليها، ومن
ثم الزوار والحجاج هم جزء من هوية المسيحي هنا، ليس فقط من حيث الوجه التجاري وومن
حيث إنهم يحركون السوق له ولغيره، بل من حيث إنهم ظاهرة إيمان. فهي شراكة روحية
أقوى وأغنى من كل رابط مادي أيا كان. وهذه الشركة مع الكنائس في العالم كله، عبر
الأماكن المقدسة وعبر الإيمان الواحد، لا تحد من هوية المسيحي الخاصة والمحلية في
هذا البلد ولا تنتقص من خصوصياتها الدينية أو المدنية، إنما تفتحها على العالم
وتوسع مقدرة المسيحي على المحبة والخدمة.
5 يقول
المخطط الرعوي في الفصل الرابع عشر وموضوعه "حضور المسيحي في الحياة
العامة": "ليست الرؤية الإيمانية مجردة، بل هي رؤية تتوجه إلى جماعة
مسيحية واقعية تعيش في مجتمع وفي ظروف تاريخية معينة. بينما نسعى إلى تطوير صيغة
حضور في مجتمعاتنا، لا نستطيع إلا أن نأخذ هذه الظروف بعين الاعتبار، كي يكون
التزامنا استجابة لوضع واقعي. لا نستطيع مثلا أن ننسى أننا أقلية دينية، وقد طور
بطاركة الشرق الكاثوليك صيغة حضور تنطلق من هذا الواقع (حضورُ الملح والنور
والخميرة)، كما لا ننسى أننا نعيش في مجتمع غير مستقر يعيش منعطفا تاريخيا صعبا،
ولا ننسى أيضا أننا كنائس تعيش في انقسامات لا نستطيع التغاضي عنها. وأننا في علاقة
بديانات أخرى...وهذا ما يدعونا إلى التفكير الدائم من منطلق إيماننا من جهة، ومن
منطلق ظروفنا من جهة أخرى، بحثا عن صيغة حضور تنسجم مع إيماننا وواقعنا، في مختلف
مجالات الحياة العامة، كالسياسة والاقتصاد والثقافة والحياة الاجتماعية"
(المخطط الرعوي ص 168- 169).
مسيحي وعربي
6 وبناء
على تجسد المسيحي في بيئته وقومه نقول إن العقيدة المسيحية هي العنصر الأول في
هوية المسيحي. ولكن العنصر الأول أيضا (وليس عنصرا ثانيا)، في هوية كل إنسان، هي
القومية التي ولد فيها. وهي هبة منه تعالى لكل إنسان، فهو يولد في قوم وهو مطالَب
بالإخلاص له. وقومنا عربي. المسيحي منزرع في شعبه وفي بيئته ووطنه. قد يخاصم البعض
هذا القول وهذه الرؤية. لهم أن يروا ما يشاؤون. ولكن الواقع هو هذا: نحن عرب ليس
باللغة فقط، ولكن بالحضارة والتاريخ والعرق، مهما كانت مراحل التاريخ التي حددت
هذه القومية. هذه هي بيئتنا اليوم وهذا هو قومنا.
هناك نظرية بل اتجاه يسير فيه البعض ويريد البعض فرضه علينا. النظرية تقول:
إننا فقط مسيحيون. وإننا طائفة دينية وكفى. وعلى هذا، ففي إسرائيل طائفة مسلمة
وطائفة درزية وطائفة مسيحية. الرؤية غير سليمة. نعم ينتسب الإنسان إلى دينه،
والدين من العناصر الأساسية في هويته. ولكنه ينتسب أيضا إلى أرضه وقومه. كذلك كل
مؤمن في العالم، فهو مؤمن ومواطن في
الوقت نفسه. والتسليم بأننا فقط مسيحيون وكفى قول يهدد كياننا كجماعة مؤمنة
هنا في الأرض المقدسة. لأنه إن كان المهم أن أكون مسيحيا فقط، فقد استطيع أن أكون
مسيحيا في أي بقعة في العالم، وبهذا ينفتح باب الهجرة على مصراعيه ليس فقط من
ناحية الضغوطات السياسية والاجتماعية الراهنة، بل ومن الناحية العقائدية. إذ لا
تكون للمسيحي مع هذه النظرية جذور لا في الأرض ولا في صراعه، ولا في ولادته ومراحل
نموه وتكوينه. المسيحي منتم إلى إيمانه، ومنتم إلى هذه الأرض من حيث الدين ومن حيث
القومية. والانتماء مسؤولية. من حيث الدين مسؤوليته أن يكون مسيحيا هنا في هذه
الأرض المقدسة وليس في أي مكان آخر في العالم. وهذه ميزة للمسيحي في الأرض المقدسة
بصورة خاصة، ويتفرد بها عن كل مسيحي في العالم. هو هنا شاهد ليسوع المسيح في أرضه.
ومن ثم إن هجر المسيحي هنا أرضه فهو لا يهجر أرضه وقومه فقط، بل ورسالته أيضا.
والانتماء إلى القوم هو مسؤولية لتحمل المسؤوليات والجهود لضمان الصالح العام لهذا
القوم، مهما كان فيها من صعاب. وبهذا الارتباط والتجسد في القوم يُنضَّج المؤمن
ويصبح إيمانه خميرة وملحا، وتتوضح ملامح هويته أمام عينيه، ويدرك معنى حياته
ووجوده هنا، وأنه ليس منعزلا في صراعه لتحصيل خبزه اليومي ورفاهيته المادية فقط،
بل جهاده روحي في سبيل نفسه وفي سبيل الجماعة والأرض والدولة التي هو جزء منها،
ويُسَرُّ ويرتاح أنه يشارك في البناء.
إذن لسنا فقط طائفة دينية. بل نحن مسيحيون ولنا أرض نشهد فيها لإيماننا،
وقوم نعيش معهم، وتاريخ وحضارة. ومن ثم هنا أيضا ضرورة المعرفة، معرفة التاريخ وكل
الإيجابيات التي فيه، مع الاعتراف طبعا بكل السلبيات الممكنة. فليس تاريخ أو حضارة
في العالم خاليا من شائبة أو نقاط ضعف، وليس تاريخ في العالم يحوي كلُّه أمجادا.
وكذلك في تاريخنا العربي أمجاد ونقاط ضعف، وهو من علامات النضوج الحضاري أن نعترف
بما لنا وما علينا، نقوى بما لنا ولا نضعف بما علينا. بل هفواتنا عبرة لنا لمسيرة
أفضل في حياتنا الفردية والجماعية.
مسيحي وعربي وفي دولة إسرائيل
7 وأخيرا
العنصر الثالث والأساسي للمسيحي العربي في إسرائيل هو أنه في إسرائيل، أي في دولة
عبرية، لها قوانينها، وتتحدد علاقة المواطنين بها يهودا أو عربا بحسب هذه
القوانين. ومن ثم ضرورة الإخلاص للدولة وسلطاتها في كل خدمة تؤديها إلى الصالح
العام. وكما في كل دولة في العالم، إذا ضعفت الخدمة أو ظهر فيها خلل تتيح القوانين
بالتصرف لسد الخلل والمطالبة بالحقوق. هي دولة يهمها طابعها العبري ومن ثم خدمة
الصالح العام اليهودي. ولكن مع هذا، فعليها أيضا المساواة بين جميع مواطنيها يهودا
وعربا. وفي واقع الحال تقع المخالفات. ولكن القوانين موضوعة لكي يرتفع صوت من
هُضِمَ حقُّه ليسترده. القوانين تسمح وتوفر طرقا للمطالبة. الناس منتسبون إلى
أرضهم، وحكامُهم خدام لهم. قد يكون هذا القول مثاليا، ولكن هذا ما يطالَب به
الحاكم أن يكون خادما لجميع المواطنين وللصالح العام. ومن جهة المواطن، فعليه أن
يكون مخلصا للدولة والسلطة التي
تمثلها، وأن يشارك في بناء المجتمع وتقدمه وتطويره.
إذن، ما هي هوية المسيحي في إسرائيل؟ هي أنه مسيحي وعربي وفي دولة إسرائيل.
إذا أدرك معنى هذه العناصرِ الثلاث وتصرف بموجبها تبددت حيرته، والقلق الذي
في نفسه. ولا يخاف لأنه عدد قليل. بل هذا سبب يجب أن يدفعنا جميعا إلى إتقان عناصر
الهوية، فنعوّض عن العدد القليل بالكفاءة الكثيرة.
الصراع الفلسطيني الإسرائيلي
صراع
الفلسطيني الإسرائيلي هو من العناصر التي تتداخل في هوية المؤمنين جميعا في هذه
الأرض، اليهود والمسلمين والمسيحيين. ومن ثم له مكانه في التفكير والتصرف والموقف.
هو صراع له من العمر ما يزيد على القرن وما زال مستمرا حتى اليوم، يتسرب بأحداثه
إلى حياتنا الفردية والاجتماعية بكل أشكالها، زارعا مع الأسف الموت والكراهية
والدمار في الأشياء وفي النفوس، ووالاضطراب في الاقتصاد وفي حياة الناس جميعا،
وليس فقط في الضفة بل وهنا في إسرائيل أيضا. ومن ثم فهو ظاهرة أساسية في حياة كل
إنسان في دولة إسرائيل كما وفي فلسطين.
للمسيحي موقف من الصراع ولكن الإيمان لا ينسلخ عن القومية. ومن ثم للعربي
المسيحي موقف منه، ولموقف العربي الإسرائيلي في إسرائيل شكل، ولموقف المسيحي
الفلسطيني وكل فلسسطيني وهو محروم المواطنة والحرية في فلسطين، شكل آخر. هنا
العربي والعربي المسيحي يعيش في دولة لها قوانينها، كما سبق وقلنا، وضمن قوانينها
يسعى إلى تحقيق العدل والسلام لإخوانه وللدولة التي هو فيها. فالعدل والسلام هما
لصالح الجميع. وليس الأمر سهلا.
ويختلف الوضع في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فهناك احتلال لا دولة. إذ
القوانين هناك تعبر عن رؤية وإرادة عسكرية. والفلسطيني هناك محروم حريتَه. فمن
واجبه أن يطالب بها. والمطالبة مواجهة، بعضها مع قوانين دولية أو محلية، ومعظمها
مواجهة عسكرية تفرض التضحيات. والمسيحي العربي هناك مشارِك في المطالبة بالحرية
وفي التضحيات التي هي ثمن الحرية. أما موقف المسيحي العربي هنا في إسرائيل من
الصراع القائم، فالقضية له أيضا قضية عدل وسلام وحقوق إنسان، وقضية إخوة له حرموا
حريتهم وكرامتهم، ومن ثم عليه واجب تأييدهم في مطالبتهم لحريتهم. ولكن طريقة عمله
هنا تختلف اختلافا أساسيا. فهو هنا يعمل مع الدولة يعارضها أو يحاورها ضمن
القوانين المتاحة، ويعمل من أجل تحرير الدولة نفسها، دولة إسرائيل، من واقع ظلم هي
مُوقِعتُه، ويساعدها بذلك على البلوغ إلى أمنها المنشود، بما يعمل من أجل تحرير
الإنسان الفلسطيني من الظلم الواقع عليه.
مشاركة المسيحي في العمل السياسي
وأخيرا كلمة في مشاركة المسيحي في العمل السياسي. العمل السياسي هو
الاهتمام بالشأن العام. وهو أمر واجب وحسن، لأنه خدمة للأفراد وللمجتمع. نعم هناك
مكتسبات كثيرة شخصية للحاكم. ومن المؤسف أن الناس لا يتنافسون على مقاعد الكنيست
طلبا لخدمة الصالح العام أولا، بل لخدمة الذات أولا، وثانيا يُخدَم الشعب. فمقياس
الخدمة العامة هو مقدار المحافظة على الكرسي. وهنا طبعا الخلل. العمل السياسي خدمة
ويجب أن يكون الشعب والصالح العام هما المقياس الأول. وبحسب هذا المقياس يخوض
المسيحي مجال العمل السياسي. يقول المجمع الفاتيكاني الثاني في الوثيقة المجمعية
"الكنيسة في عالم اليوم": " يحث المجمع جميع المسيحيين على القيام
بمهامهم الأرضية في غيرة وأمانة، وفي التقيد بروح الإنجيل. وإنه ليحيد عن الحقيقة
أولئك الذين يقولون إنه ليس لنا ههنا مدينة باقية بل إنما نطلب الآتية، وظنوا بسبب
ذلك أنهم يستطيعون إهمال واجباتهم الأرضية...وليس بأقلَّ خطأً من يذهبون إلى عكس
ذلك أي أَنهم يستطيعون أن ينغمروا في مشاغلَ أرضية، وكأنها في غربة تامة عن الحياة
الدينية، وكأن الحياة الدينية لا تقوم في نظرهم إلا على ممارسة الطقوس وعلى تأدية
بعض الواجبات الأدبية. هذه القطيعة بين الإيمان والحياة العامة التي يتبعها
الكثيرون في مسار حياتهم اليومية تعد من أخطر أضاليل هذا العصر". نعم هذا
واقع نواجهه و لا بد من تجديد وإصلاح فيه: المسيحي في الحياة السياسية يجب ألا يضع
إيمانه جانبا، بل يستلهمه ويستثمر كل ما فيه من طافات روحية في خدمة الإنسان. لأن
العمل السياسي هو أولا وأخيرا تعامل مع الناس وخدمتُهم وتقرير مصيرهم. وتضيف
الوثيقة نفسها وتقول: "المسيحي الذي لا يقوم بواجباته الزمنية إنما يكون
مهملا لما للقريب عليه، بل مهملا أمام الله نفسه ومغررا بخلاصه الأبدي"
(الكنيسة في عالم اليوم 43).
كثر الكلام هنا في تأسيس حزب مسيحي، وكان هناك وقد يكون حتى الآن من يدفع
إليه. الحزب هو عمل سياسي قد يستلهم الرؤية المسيحية للأمور. ولكن لا حزب يحمل
الاسم المسيحي. حتى في البلدان ذات الأكثريات المسيحية هناك أحزاب ذات صبغة مسيحية
وقد تستوحي المبادئ والأخلاق المسيحية، ولكنها ليست مسيحية أي إنها لا تقام باسم
الدين المسيحي، وكأن المسيحية كديانة تتبنى هذا الحزب أو ذاك. جاء في الوثيقة
المجمعية "الكنيسة في عالم اليوم" من أعمال المجمع الفاتيكاني الثاني:
"الكنيسة في جوهر رسالتها غير مرتبطة بأي صيغة خاصة من صيغ الثقافة البشرية،
ولا بأي نظام من أنظمة السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع" (الكنيسة في عالم اليوم، 42). "وفي
مهمتها وصلاحيتها لا تندمح في الجماعة السياسة بحال من الأحوال، ولا ترتبط بأي
نظام سياسي" (الكنيسة في عالم اليوم 76).
والحياة السياسية مخاصمة ومنافسة. فمن بابين لا ينشأ حزب مسيحي هنا، من باب
أن المسيحية لا يمكن أن تنحصر في حزب دون غيره، والكنيسة منفتحة لتضم جميع المسيحيين، فإذا انتسبت هي إلى حزب بعينه حصرت
محبتها ورسالتها دون من انتسب إلى حزب آخر، وهذا مناقض لطبيعتها، لأنها كنيسة
للجميع. ومن باب أن حزبا مسيحيا باسم المسيحية سوف يزيد المسيحيين انقساما. إذن في
المسيحية لا تقام أحزاب باسم الدين. بل باسم المسيحية تقوم خدمة المحبة وخدمة
العدالة، سواء في السياسة او في أي مجال آخر. وأما المسيحيون فعليهم أن يقوموا
بواجبهم السياسي مستلهمين إيمانهم فيؤدون إلى المجتمع الواجب المفروض عليهم في هذا
المجال. وعلى المسؤولين في هذا المجتمع المسيحي وأصحاب الفكر والمال والعمل
السياسي والإيمان المتيقظ أن ينظروا، بصورة منظمة، وبالتعاون مع الرؤساء الدينيين،
في حاضر الجماعة المسيحية ومستقبلها، في هذا المجتمع العربي الإسرائيلي الذي هم
جزء منه.
الخاتمة
10 النتائج، نحن
بحاجة إلى رؤية مسيحية شاملة تشمل الإنسان في تعبده وفي خدمته للمجتمع، وفي
علاقاته مع جميع الأديان وجميع الناس في البيئة الواحدة، أي في هذه الأرض المقدسة
وفي هذه الدولة التي هي دولة سرائيل.
ولتكوين هذه الرؤية نحن بحاجة إلى جميع الطاقات الدينية لدى رجال الدين
ولدى جميع المسيحيين من سياسيين أو اقتصاديين أو خبراء في كل مجال يخدم الإنسان في
هذه الدولة.
ومن عناصر هذه الرؤية أولا وضع حد لجهل المسيحي لنفسه، ومن ثم لجهل الطاقات
الروحية التي يحملها والتي يقدر بها أن يخدم مجتمعه. والعنصر الثاني أن المسيحية
لا تنغلق على نفسها، ولا تخدم نفسها فقط، ومن ثم إذا اجتمعت وحددت هويتها فهي لا
تجتمع على أحد بل في سبيل خدمة كل أحد، لأنها تجتمع لتعيش وصية المحبة الشاملة:
احبب الرب إلهك بكل قلبك وأحبب قريبك كنفسك ولو كان عدوك. نعم، هناك عمل جديد يجب
أن يبدأ في الكنيسة، هنا في إسرائيل كما في أي مكان آخر في هذا الشرق. هذا ما تدعو
إليه وصية المحبة الإنجيلية، وهذا ما دعا إليه المجمع الفاتيكاني الثاني الذي بدأ
ثورة فكرية في الكنيسة وفي المجتمعات الإنسانية، وهذا ما يدعو إليه المخطط الرعوي
العام الناجم عن سينودس الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدسة. فهو أيضا يدعو إلى
هذه الرؤية الجديدة التي توضح للمسيحي هويته، فيطمئن ويعرف أين موقعه في كنيسته
وفي مجتمعه.
ومن
ثم إن أراد المسيحي أن يعرف هويته وأن يجد موقعه في مجتمعه لا بد من أن يعرف ذاته
وإيمانه، ولا بد من أن يرجع لذلك إلى المصادر التي ترشده إلى ذلك: أولا الكتاب
المقدس، وثانيا وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني وقد تناولت المواضيع الحيوية في
الكنيسة والمجتمع، وثالثا المخطط الرعوي، وقد أجمل في ستة عشر فصلا جميع المجالات
التي، إذا أتقنها المسيحي، استقامت حياته مع الله ومع الناس، وزالت حيرته وقلقه،
واستقر في أرضه وكنيسته ليبنيها مع كل من يبنيها.
+ البطريرك ميشيل صباح
نادي البشارة للعائلة – الناصرة
12/11/2002