عظة عيد الانتقال المجيد عند راهبات الوردية في بيت حنينا

15 آب 2001

 

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء

1      كل عام وأنتم جميعا بخير، رهبنة الوردية إذ تحتفل بعيد من أعيادها الكبرى، عيد انتقال السيدة المجيدة نفسا وجسدا إلى السماء؛ كل عام وأنتم بخير، أنتُنَّ الراهبات اللواتي تحتفلن بمرور خمس وعشرين سنة في الحياة الرهبانية، والراهبة التي تبرزين نذورك الدائمة. وكلنا جميعا الذين نذكر مجد السماء في معاناتنا في هذه الأيام. كل عام ونحن في الخير الذي يريده الله لنا، والذي يعده لنا عبر الصعاب والمشقات، فهي أيام موت ودمار وكراهية تحيط بنا ونعيشها في كل لحظة. ومع ذلك يسعى المؤمن ليجد فيها نعمة الله وحبه وقدرته. فهو القادر على كل شيء. "ورحمته من جيل إلى جيل. وهو الذي يشتت المتكبرين في قلوبهم ويخلع الأقوياء عن العروش، ويرفع الوضعاء" (ر. لوقا 1: 50 52). بهذا نجاهد في هذه الأيام في سبيل كرامة كل إنسان، وفي سبيل رؤية وجه الله وحبه في كل إنسان، من غير تمييز. إلى هذه الرؤية يوجهنا إيماننا المسيحي، فيذكِّرُنا بكرامة الإنسان مهما كان الفرقاء والأطراف، ومهما اشتدت الكراهية وكثر الموت. فبمَثَلِ ربنا وخالقنا نتمثل، فهو الذي "يطلع شمسه على الأشرار والأخيار، وينْزل المطر على الأبرار والفجار".

 

2      نحتفل اليوم بعيد سيدتنا مريم العذراء الكلية الطوبى والطهارة، والمكللة بالمجد في السماء، بعد أن عبرت هي أيضا في هذه الأرض، وبعد لأن كانت لها هي أيضا أرض آلام ورفض. ومع ذلك سارت فيها وهي تتأمل في سر الله وعظمته، فقالت منذ مطلع حياتها ومسيرتها مع الله: "تعظم الرب نفسي وتبتهج روحي بالله مخلصي" (لوقا 1: 46- 47). بالرغم من المسيرة الصعبة التي أراد الله لها أن تسير فيها، فإن عظمة الله لم تغب عن نفسها، ولا البهجة المتأتية عن هذه العظمة : "وتبتهج روحي بالله مخلصي". وقد بادرها سمعان الشيخ منذ أن حملت يسوع إلى الهيكل، إلى بيت الله، فقال لها: "وأنتِ سينفذ سيف في نفسك" (لوقا 2: 25). ولم يمنعها سيف الألم في حياتها من أن تبقى مشاهدة لله مؤمنة به ومؤمنة برحمته "التي تدوم من جيل إلى جيل".

كذلك ننظر اليوم نحن إلى سيدتنا مريم العذراء، الكلية القداسة، التي اصطفاها الله واختارها لتحمل سره في هذه الأرض وفي العالم، لنرى فيها مجد الله ولنرى فيها رجاء الإنسان المؤمن بالله، فنجدد إيماننا ونجدد رجاءنا في هذه الأيام التي نعيش فيها الكراهية والدمار والموت، لنجعل من هذا كله فداء لأنفسنا ولكرامتنا، ولنتعامل مع الحياة التي منحنا إياها الله في أرضه، ومع الرسالة التي حمَّلنا إياها الله فيها بجدية وتأمل عميق، لا يغيب الله فيه عنا.

 

3      كذلك ننظر إلى مريم العذراء اليوم مؤمنة إيمانا ولد الرجاء الذي أسند حياتها الأرضية، وولد الفرح في نفسها لأنها آمنت بيد الله القديرة التي تصور الكون وتفديه عبر الموت والصعاب. 

ننظر إليها اليوم مع أخواتنا الراهبات المجددات نذورهن بعد خمس وعشرين سنة من الحياة الرهبانية، ومع الراهبة التي تضع بين يدي الله وبين يدي السيدة البتول نذورها الدائمة لتستمر في خدمة الله وتقديس نفسها بقداسته تعالى ولخدمة الناس وتقديسهم بالقداسة نفسها.

الحياة الرهبانية اليوم، في هذه الأيام التي نعيشها، نور يهدي كل جهد يبذل في سبيل كرامة الإنسان. الراهبة تكرس نفسها لله، لأنها تؤمن أن أعظم كرامة لكيانها نفسا وجسدا تأتيها من الله، ومِن قُربِها منه، ومِن طلبِها لوجهه. فلا يفارق الله حياتها. هو الخالق وهو الفادي. وهو المثال العالي جدا والقريب جدا، في صميم النفس والروح. ولأنها تؤمن أنها تقترب من الله ليكون كيانها كله في خدمة الناس، فتساعد كل من تخدم لكي يرى أن كرامته من كرامة الله، فهو كبير بها، وصغير بل ميت من دونها، وكبير إذا رأى الكرامة نفسها في كل إنسان، أيا كان. مثل هذه الرؤية تعدِّلُ الحروب والمخاصمات، وتنحِّي الكراهية وتحكِّم العقل، وتفرض الحق والعدل. وغياب الله هو الذي يسمح بالظلم والاستبداد، وبكراهية الإنسان للإنسان وبتدمير الإنسان للإنسان. الراهبة تنطق في هذه الأيام بهذا. هي في صلاتها اليومية وفي واجباتها اليومية بعيدة عن صخب الدمار ولكنها جزء منه، يصيبها منه ما يصيب غيرها في حياتها اليومية، في ديرها أو مكان خدمتها أو في شوارع المدينة حيث يعيش الناس ويموتون، ويكرهون ويصعب عليهم أن يحبوا.

 

4      جاء في رسالة القديس بولس إلى أهل أفسس:

"لا أكُفُّ عَن شُكرِ اللهِ فِي أمرِكُم، ذَاكِرًا إيَّاكُم فِي صَلَوَاتِي لِكَي يَهَبَ لَكُم الله رُوحَ حِكمَةٍ يَكشِفُ لَكُم عَنهُ تَعَالَى لِتَعرِفُوهُ حَقَّ المَعرِفَةِ، وَأن يُنِيرَ بَصَائِرَ قُلُوبِكُم لِتُدرِكُوا مَا هُوَ الرَّجَاءُ الَّذِي تَنطَوِي عَلَيهِ دَعوَتُهُ وَمَا هِيَ سَعَةُ المَجدِ فِي مِيرَاثِهِ بَينَ القِدِّيسِينَ، وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُوَّتِهِ الفَائِقَةِ لخَيرِنَا نَحنُ المٌؤمِنِينَ" (أفسس 1: 16-19).

في يوم تجديد النذور وفي يوم إبرازها، هذا ما نطلبه من الله: روح حكمة به يعرف اللهَ كلُّ إنسان حق المعرفة، فينير الله بصائر القلوب وندرك ما هو الرجاء المؤسس على عظمة قوة الله الفائقة. ورجاؤنا في الله وطيد، ويجب أن يبقى وطيدا، بالرغم من كل شدة: وفي هذا الرجاء نسبح سيدتنا مريم العذراء اليوم في عيدها، وفي كل يوم من أيام معاناتنا، قائلين:

"طوبى لكِ، يا مريمُ البتولُ القدّيسةُ، والمستحقَّةُ كلَّ حَمدٍ، لأنّه منكِ أشرقَ شمسُ البِرِّ، المسيحُ إلهُنا. مباركةٌ أنتِ في النساءِ، ومباركةٌ ثمرةُ بطنِك".

                آمين.

+ ميشيل صباح

بطريرك القدس للاتين