بطريركية اللاتين في القدس
أسأل الله لكم عيد ميلاد سعيد وسنة جديدة ملؤها السلام والفرح.
نستقبل عيد الميلاد في هذا العام أيضا، بعد ان كان عام موت ودمار وخوف ويأس
دب في النفوس، فهاجر بعضنا وغادرنا، وبقي بعضنا يصارع الحياة ويستمر في حمل
رسالته، رسالةِ أمل وسلام وعدل في هذه الأرض.
نستقبل العيد بسره العميق ومانح الخلاص: "ولد اليوم لنا مخلص وهو
المسيح الرب" (لوقا 2: 11)، ونسجد لسر الله الذي ظهر لنا في ميلاد سيدنا يسوع
المسيح، كلمة الله، له المجد، كما يقول القديس بولس: "لقد ظهرت نعمة الله
ينبوعَ خلاص لجميع الناس" (طيطس 2: 11). وفي تأملنا في هذا السر نجد أمننا
وطمأنينتنا ومصدر حريتنا وسلامنا. وبالرغم من رصاص الموت الذي وصل حتى كنيسة
المهد، رمز السلام، نصغي إلى صوت الملائكة يترنمون في سمائنا في بيت لحم: "المجد
لله في العلى والسلام في الأرض للناس موضوع محبته" (لوقا 2: 14). فنعرف أن
السلام على الأرض مرتبط بالمجد الذي نؤديه إلى الله، وبمحبته التي تصوِّرُنا
بصورته ومثاله، نحن الذين عانينا وقاسينا الأمرين في هذا العام الماضي.
إن الله قريب ولو بدا بعيدا. إنه سيد التاريخ. وهو يرى ما يعمله عباده
ويصبر. ولكننا نعلم أيضا أن كل خير له أجره وكل شر له عقابه، في هذه الحياة نفسها،
سواء في حياة الأفراد أو في حياة الشعوب. ولذلك سيزول يوما الظلم المستمر في هذه
الأرض المقدسة، واحتلال الأرض، وإذلال الناس، وتقتيلهم، وفرض الحصار عليهم وحرمانهم
الحرية التي منحهم إياها الله، كل هذا سوف يكون له يوما نهاية. فنرى إذذاك في هذه
الأرض المقدسة وجه الله، ونرى السلام والحرية ينعم بها جميع سكانها، فلسطينيين
وإسرائيليين.
أيها الإخوة ندعوكم إلى الاحتفال بالعيد وإلى التأمل في معانيه الروحية
العميقة، فنحن أحوج ما نكون في هذه الأيام إلى كل طاقة روحية كامنة فينا لنجدد بها
قوانا. رسالتنا إلى المسيحيين في هذا العيد، الذي هو مصدر فرح وسلام للعالم أجمع،
وإلى جميع الفلسطينيين، هي رسالة صبر وأمل وصمود لنتغلب على كل الصعاب ونبقى.
ورسالتنا أيضا هي التالية: إن غصن الزيتون في أيدي الفلسطينين لهو أقوى الأسلحة
وأنجعها في مقاومتهم لاستعادة أرضهم وحريتهم.
ورسالتنا إلى الشعب اليهودي هي أيضا رسالة أمل. وهي في
الوقت نفسه دعوة له للعمل على تصويب خطى حكومته. فعلى الشعب أن يصنع السلام الذي
عجزت حكومته عن صنعه حتى الآن. لأن صلاح الله ونعمته في نفوس الشعب اوفر منها في
خطط السياسيين أو العسكريين. نعم، إن الشعبين في هذه الأرض لقادران على أن يلتقوا
في عمق إنسانيتهم، إذ لم يخلقهم الله مقاتلين ولا قاتلين، بل كائنات بشرية خلقهم
الله ليبنوا معا هذه الأرض المقدسة، من غير أن يكون محتما عليهم أن يمروا بالخوف
والموت والانتقام. ولأن السلام والعدل في هذه الأرض ليسا أمرا مستحيلا. ولأن
السلام في الجيرة الحسنة وهي أمر ممكن. والسلام الذي يضع حدا للاحتلال ولواقع
عسكري حدث منذ عام 1967 ثم تجمد، هو أيضا أمر ممكن. والسلام الذي يضع حدا
للاحتلال، فيريح الجنود ويعيدهم إلى مجتمعهم وأسرهم بشرا يحبون ويبنون، بدلا من أن
يبقوا مأمورين بأن يلطخوا أيديهم بدماء غيرهم، هو أيضا أمر ممكن بل ضروري. وأما
العنف الذي يهدد الأمن والحياة اليومية فسيتوقف حالما يتوقف الاحتلال ويحل محله
العدل وينعم الجميع، الفلسطينيون والإسرائيليون على السواء، بالحرية نفسها وبالأمن
نفسه.
ولهذا فنحن بحاجة اليوم في الأرض المقدسة لا إلى قادة يعلموننا الحرب،
ويفرضون على شعوبهم قبول التضحيات، حتى بذل الحياة، بل إلى قادة يحملون في أنفسهم
رؤى عدل وسلام، ويتحلون بالشجاعة الكافية لتحقيقها، ولو اقتضى الأمر أن يبذلوا
حياتهم ويستشهدوا ثمنا للسلام. نحن بحاجة إلى قادة "من جيل الذين يطلبون الله
ويلتمسون وجهه" (مز 23: 6). إن السلام قريب جدا قرب الله لكل نفس خلقها، لكل
من ابتغى السلام حقا.
أيها الإخوة والأخوات، بالإضافة إلى كل جهودنا البشرية، وإلى كل المعارك
البشرية الممكنة، لنضع ثقتنا في الله، بحسب وصية الرسول لنا: "إن الرب
قريب... في كل شيء لترفع طلباتكم إلى الله بالصلاة... وإن سلام الله الذي يفوق كل
إدراك يحفظ قلوبكم وأذهانكم" (فيليبي 4: 5- 7).
كل عام وأنتم بخير، وليكن عامنا الجديد إن شاء الله عام أمل وفرح وعدل
وسلام.
+ البطريرك ميشيل صباح
بيت لحم، ميلاد 2001