البطريركية اللاتينية – القدس
عظة عيد الميلاد 2003
أيها الإخوة والأخوات الأعزاء.
1 "وُلِدَ لَنَا وَلَدٌ،
أُعطِيَ لَنَا ابنٌ، فَصَارَتْ الرِّئَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَدُعِيَ اسمُهُ
عَجِيبًا، مُشِيرًا، إلَهًا جَبَّارُا، أبَا الأبَدِ رَئِيسَ السَّلامِ" (أشعيا
9: 5).
لكم جميعا أيها الإخوة والأخوات أتمنى
عيد ميلاد سعيد ملؤه القداسة والنعمة. أسأل الله ذلك لسيادة الرئيس ياسر عرفات، لجميع القادة في هذه الأرض المعناة
الباحثة عن سلامها. أسأل الله ذلك لجميع مؤمنينا ورعايانا في فلسطين وإسرائيل
والأردن وقبرص. ولجميع المسيحيين بل لجميع سكان هذه الأرض المقدسة اليهود والدروز
والمسلمين والمسيحيين.
عيد ميلاد وقداسة لكم، أيها الحجاج
الأعزاء الحاضرين هنا، والذين قدمتم لتعبروا عن تضامنكم مع إخوتكم وأخواتكم، كما
ولتكونوا شهودا للسلام والمصالحة أمام جميع سكان هذه الأرض المقدسة.
2 "وُلِدَ
لَنَا وَلَدٌ، أُعطِيَ لَنَا ابنٌ، فَصَارَتْ الرِّئَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ،
وَدُعِيَ اسمُهُ عَجِيبًا، مُشِيرًا، إلَهًا جَبَّارُا، أبَا الأبَدِ رَئِيسَ السَّلامِ" (أشعيا 9: 5). لقد سمعنا
نبؤة اشعيا هذه في القراءة الأولى. وترى الكنيسة فيها إشارة إلى ميلاد سيدنا يسوع
المسيح له المجد، الذي نحتفل بمولده في هذه الليلة المقدسة.
"وُلِدَ لَنَا وَلَدٌ، أُعطِيَ
لَنَا ابنٌ". وقال القديس يوحنا: "إن الله أحب العالم حتى إنه جاد بابنه
الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يوحنا 3: 16).
وقال إنه كلمة الله الأزلي: "في البدء كان الكلمة والكلمة كان لدى الله
والكلمة هو الله"(يوحنا 1: 1). وقال يسوع أياما قبل آلامه يعرف بنفسه أمام
رسله:"من رآني فقد رأى الآب.
لأني أنا في الآب والآب في" (يوحنا 14: 9- 10). وتؤكد الرسالة الى
العبرانيين وتقول إنه :"شعاع مجده وصورة جوهره، يحفظ كل شيء بقوة كلمته"
(عبرانيون 1: 3).
هذا هو السر الذي نتأمل فيه في هذه
الليلة المقدسة. سر تجسد كلمة الله الأزلي الذي صار إنسانا وسكن بيننا. قال القديس
غريغوريوس في سر التجسد:
"كلمة
الله. هو القديم، أقدم من كل الأجيال. هو غير المنظور وغير المدرك وفوق الزمن. هو
المبدأ المولود من المبدأ، والنور المولود من النور، ينبوع الحياة والخلود. هو صورةٌ أمينةٌ للمثال،
وختمٌ مطبوع، وصورةٌ كاملةُ الشبَه. هو غايةُ الآبِ وكلمتُه. يُبيِّنُ في ذاتِه
صورتَه ومثالَه. اتّخذَ جسدًا ليُخلِّصَ الجسد. اتّخذَ نفسًا عاقلةً ليخلِّصَ
نفسي، وليُطَهِّرَ الِمثلَ بمِثلِه، فأخذَ على عاتِقِهِ كلَّ ما هُو بشريٌّ، ما
عدا الخَطيئة. حمَلَتْ به البتولُ في أحشائِها، وقد طهَّرَها الروحُ نفسًا
وجسدًا... جاءَ اللهُ حقًّا مع الطبيعةِ الإنسانيّةِ التي اتّخذَها، وأصبحَ
كِيانًا واحدًا مكوَّنًا من اثنَيْن متعارضَيْن، أي الجسدُ والروح... الذي يُغنِي الآخَرين صارَ فقيرًا. لأنّه
رَضِيَ بجسدٍ فقيرٍ مثلِ جسدي،
لأبلُغَ أنا مِيزاتِ أُلوهيَّتِه. هو الماِلئُ كلِّ شيء تجرَّدَ من كلِّ
شيء. تجرَّدَ من مجدِه مؤقَّتًا، لأصيرَ أنا شريكًا في ملءِ مجدِه. وفي هذا قال
يوحنا الإنجيلي: "من ملئه نلنا بأجمعنا وقد نلنا نعمة على نعمة" (يوحنا
1: 16).
3 قال
النبي أشعيا إنه أمير السلام. وقال القديس بولس: "إنه سلامنا. فقد جعل من
الجماعتين جماعة واحدة وهدم في جسده الحاجز الذي يفصل بينهما أي العداوة، ليخلق في
شخصه إنسانا جديدا واحدا ويصلح بينهما وبين الله"(افسس 2: 14 – 16).
أيها الإخوة
والأخوات، أمام سر الله الذي نتأمل فيه في هذه الليلة، نريد أن نتأمل في وضعنا
الإنساني في هذا البلد الذي هو بلدنا، وهو في الوقت نفسه محط أنظار العالم كله،
ينظرون إليه ويحجون إليه ليلتقوا الله في أماكن وحيه، كما وفي جماعاتنا البشرية
القائمة حول الأماكن المقدسة، والتي اصبحت جزءا من سر الله فيها.
إننا نعيش منذ عشرات السنوات في صراع
دام. شعبانا يتقاتلان والكراهية وسفك الدماء آخذان بالازدياد. ويقول رؤساؤنا إنها
قضية سياسية، وللسياسة أصول ومقاييس. ونحن نقول بل هي قضية إنسانية أولا. هي قضية
الإنسان المخضع لظروف لا إنسانية. سفك الدماء البريئة هو أمر لا إنساني. وإبقاء
شعب في الخوف وعدم الأمان هو أيضا أمر لا إنساني، وكذلك فرض الاحتلال العسكري على
شعب هو أمر لا إنساني.
منذ ثلاث سنوات عشنا حربا كانت
نتيجتها المئات من الضحايا بين الإسرائيلييين، والآلاف من الضحايا بين
الفلسطينيين. وهدمت البيوت وأتلفت المزروعات، وأقيمت الحواجز العسكرية عند مدخل كل
قرية ومدينة فلسطينية فحولتها إلى سجون كبيرة. والأسوأ من هذا كله، أن هذه
التضحيات كلها ذهبت سدى، ولم تبدل شيئا من معطيات القضية: فالشعب الإسرائيلي ما
زال يعيش في الخوف وانعدام الأمن، والشعب الفلسطيني ما زال يطالب بأرضه وحريته.
والآن من العياء تم اللجوء إلى بناء سور فاصل. والسور الفاصل لن يمنح لا أمنا ولا
سلاما.
في هذه الأرض جمع الله المؤمنين من
الديانات الثلاث. وجميع هؤلاء المؤمنين، فلسطينيين أو إسرائيليين، مدعوون إلى
العيش معا في أرض قدسها الله. ولن تبدل اية قوة بشرية تاريخا بدأه الله في هذه
الأرض. فمصير المؤمنين في هذه الأرض، يهودا ومسلمين ومسيحيين، هو أن يعيشوا معا.
ومن ثم فإن الحائط الفاصل، بالإضافة إلى ما يلحق من أضرار مادية ببيوت الناس وحتى
ببعض الأديرة، وبالاضافة إلى الاعتداء على الأراضي الفلسطينية، فإنه ينقض طبيعة
أرض الله هذه، وطبيعة كلا الشعبين المدعوين إلى العيش معا، مهما كانت الحسابات
والمصالح السياسية لدى الزعماء. لن تكون تضحيات هذه السنوات الماضية سدى لو استنتج
المسؤولون النتائج الصحيحة بدلا من التوصل إلى بناء سور فاصل. والنتائج الصحيحة هي
أن الحرب تدمر الأشياء والأشخاص، ولا تُسكِت شعبا يطالب بحريته، ومن ثم لا توضِّل
إلى الأمن المنشود. بل بالإضغاء إلى صوت المظلومين وبإزالة الظلم يمكن التوصل إلى السلام والأمن. إن كان
الرؤساء يريدون فعلا السلام، فيجب أن تكون لديهم الشجاعة الكافية لاتخاذ القرارات
الصعبة في سبيل السلام، ولو أدى بهم ذلك إلى الشهادة.
4 للتوصل
إلى السلام لا بد من البدء بالاعتراف بطبيعة الصراع. وأن جوهره وأساسه هو بكل
بساطة احتلال شعب لأرض شعب آخر. هذا هو الشر الأساسي الذي يؤدي إلى انعدام الأمن.
لو كانت هناك شجاعة للاعتراف بذلك، ولو وجد الزعماء الشجاعة لوضع حد لهذا الشر،
لانفتحت طريق السلام وتحقق الأمن المنشود.
رجال الدين من
الديانات الثلاث، هم أيضا، يحملون مسؤولية الاعتراف بما يقوم به الصراع، فيسهموا
في بناء السلام المنشود. هم أيضا يجب أن تكون لديهم الجرأة ليقولوا معا: الاحتلال
شر يجب أن يزول، وسفك الدماء البريئة شر يجب أن يزول. إذاك ينظر الله إلى أرضنا
ويضع السلام في القلوب، وتعود الأرض "فتدر لبنا وعسلا".
5 إنا
ندشن في هذه الليلة "باب السلام"، وهو هبة من كنيسة فيرونا في إيطاليا
لهذه الكنيسة الجليلة. أحيي الحجاج الذين أتوا بهذه المهمة، وأسقفهم سيادة المطران
"كرارا" الذي رافقهم في الأيام الأولى لحجهم. وأحيي الرئيس العام لرهبان
الفرنسسكان الأب خوسي كاربايو الذي جاء خصيصا لقبول هذه الهبة لهذه الكنيسة التي
خدمها، خدمة للكنيسة الجامعة، رهبان الفرنسسكان، خدموها عبر القرون بأمانة وشجاعة.
أيها الإخوة والأخوات، لنصل من أجل السلام في أرضنا. من أجل مدينة بيت لحم،
من أجل الرئيس عرفات في الحصار المضروب عليه، ليمكنه الله من صنع السلام وضمان
الحرية للشعب الذي انتخبه لذلك. لنصل من اجل جميع الأسرى السياسيين والمنسيين في
غياهب سجونهم وحرمانهم. لنصل من أجل قادة هذه البلاد ليحول الله قلوبهم ويتعلموا
طرق السلام. كل عام وأنتم بخير.
+ البطريرك
ميشيل صباح
بطريرك القدس للاتين