الفلسطينيون والإسرائيليون

آراء في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي

البطريرك ميشيل صباح

بطريرك القدس للاتين

 

1      إننا نؤمن بالله القدير والرحيم، وأنه قادر على صنع ما عجز البشر عن صنعه حتى الآن. فالسلام الحقيقي هبة منه تعالى وحده. ولهذا فإننا ندعو جميع المؤمنين إلى المثابرة على الصلاة والأمل، وأن يبقوا أقوياء في إيمانهم وأملهم، فسوف نرى أياما أفضل، في هذه الأرض التي باركها الله، وجعلها مقدسة للديانات الثلاث المتواجدة فيها، اليهودية والمسيحية والإسلام.

 

إننا نبكي جميع الضحايا، الفلسطينيين والإسرائيليين، ونشعر في عميق وجداننا بألم والديهم وأهلهم وأصدقائهم. لأن كل كائن بشري هو عزيز علينا، ولأننا ندافع عن حياة كل إنسان، الفلسطيني والإسرائيلي، ونطالب بالكرامة والأمن لكل منهما. وإننا نؤمن أن طرق السلام فقط هي التي يمكنها أن تؤدي إلى السلام.

 

الوضع

إن دولة إسرائيل قائمة، ويحق لها أن توجد وأن تنعم بالأمن المنشود. وأما الدولة الفلسطينية فغير قائمة بعد. ويحق لها هي أيضا أن توجد وأن تنعم بالأمن نفسه.

3      تحتل دولة إسرائيل اليوم أراضي ليست لها. ويعيش الفلسطينيون تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي، مع كل ما يجر ذلك من حرمان وحد للحرية وأنواع المذلة.

يحق للفلسطينيين أن يطالبوا بوضع حد للاحتلال الإسرائيلي لأراضيهم والذي فرض عليهم منذ عام 1967 ويحق لهم أن ينشئوا على تلك الأراضي المحتلة دولتهم المستقلة. ما زال الاحتلال قائما يحق لهم ويجب عليهم أن يطالبوا بأرضهم وبحريتهم وأن ينظموا المقاومة التي تحقق لهم هذا الهدف. ومع هذه المقاومة، نقول مرة أخرى إننا نؤمن أن طرق السلام فقط هي التي يمكنها أنه تؤدي إلى السلام.

جذور الصراع

4      ليس الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين قضية إرهاب فلسطيني يهدد أمن إسرائيل أو وجودها. بل القضية هي قضية الاحتلال الإسرائيلي العسكري الذي يستدعي المقاومة الفلسطينية. وترى إسرائيل من جهتها في هذه المقاومة تهديدا لأمنها.

ومن ثم  فمن استمر في الكلام على الإرهاب الفلسطيني، ولم ير حق الفلسطينيين في حريتهم وفي نهاية الاحتلال، حكم على نفسه بعدم رؤية الحقيقة والواقع وبقي عاجزا عن وجود الحل المطلوب.

5      ولهذا لا بد أولا من العمل على استئصال العلة لإزالة المعلول، أعني لوضع حد لكل أعمال العنف. عبثا تقاوَم مظاهر العنف الخارجية، سواء بالتنديد بها أو بأعمال الانتقام، أو حتى بالحرب المعلنة: ما زالت العلة قائمة، سوف يبقى المعلول قائما، وسوف يستمر قتل الأبرياء والمقاتلين، من كلا الطرفين.

وضع حد للاحتلال

6      سبب كل عمل عنف هو الاحتلال الإسرائيلي العسكري للأراضي الفلسطينية. فإذا ما وضع حد للاحتلال توقف كل عمل عنف. إن كانت إسرائيل تريد صادقة أن تضع حدا للعنف فإن الوسيلة لذلك ليست الحرب أو أعمال الانتقام، بل الوسيلة الوحيدة لذلك هي العمل الجادّ والسريع لوضع حد للاحتلال.

ولهذا يجب أن تعود إسرائيل والسلطة الفلسطينية والأسرة الدولية بأسرع ما يمكن إلى المفاوضات، ولكن على أن يكون فيها روح جديدة وصدق جديد، لتحقيق الهدف المطلوب.

وضع حد للعنف

7      يلح البعض أحيانا ويطالبون بالتصريحات المنددة بأعمال العنف. التنديد بالعنف أمر جيد. ولكن الأهم والأجدى من ذلك هو العمل على إزالة سبب العنف، أي الاحتلال. ثم إن الاستمرار في القول إن أعمال العنف من الجهة الفلسطينية هي إرهاب، ومن الجهة الإسرائيلية هي دفاع مشروع عن النفس، يفرغ كل التصريحات والتنديدات من كل معنى ويجعل وقف أعمال العنف أمرا مستحيلا. ولهذا، ما نحن بحاجة إليه الآن، أكثر  من التصريحات والبيانات، هو عمل جاد يضع حدا لكل صورة من صور العنف بوضع حد لعلته الأولى أي الاحتلال.

 

السلام، والاعتراف المتبادل والأمن

8      ماذا يريد الفلسطينيون؟ إنهم يريدون حريتهم وأرضهم ودولتهم المستقلة. وماذا يريد الإسرائيليون؟ إنهم يريدون الأمن وحدودا آمنة دون أي اعتداء أو تهديد. وهذان المطلبان مترابطان: فالاستقلال الفلسطيني، بعد وضع حد للاحتلال، سوف يؤدي إلى توقف كل عنف، ومن ثم إلى الأمن الإسرائيلي المنشود.

إلا أن الحكومة الإسرائيلية، بدلا من أن تضع حدا للاحتلال، فإنها تصر على إبقائه وتلجأ إلى كل الوسائل التي توصل تماما إلى عكس ما تطلب. فالرد على العنف بالعنف، كما والحرب المعلنة في هذه الأيام، يؤدي إلى مزيد من ردود الفعل الفلسطينية وإلى مزيد من العنف ومن ثم إلى انعدام الأمن لإسرائيل. بل إن واقع المظالم والمذلات المفروضة على الشعب الفلسطيني لا يمكن إلا أن يؤدي إلى ردود فعل عنيفة تهدد أمن الشعب الإسرائيلي وتملأ قلبه بالخوف والكراهية.

 

9      إن كانت الحكومة الإسرائيلية تبحث فعلا عن الأمن، فإن أعمال القمع التي لجأت إليها حتى الآن ليست هي الطريق السليم. وفي الواقع، فإن أعمال العنف من قبل إسرائيل ولَّدَت صورا جديدة من العنف لدى الفلسطينيين. وبات أمن شعبها مهددا أكثر فأكثر. فعليها إذًا أن تسلك طريقا آحر: ان تعلن عن إرادتها لوضع حد للاحتلال وأن تبدأ بأسرع ما يمكن مفاوضات جادة وسريعة لهذا الغرض.

 

أسئلة لا بد من طرحها

10    لماذا لا يحزم الإسرائيليون أمرهم فيتخذوا هذه الخطوة نحو السلام؟ لأن صنع السلام هو قبل كل شيء بين أيديهم: إذ هم وحدهم يستطيعون أن يضعوا حدا للاحتلال، فيفتحون بذلك الطريق نحو السلام. لماذا يرفض الإسرائيليون حتى الآن أن يعيدوا إلى الفلسطينيين الأراضي المحتلة عام 1967، وهي فقط نحو خمسة آلاف كم2 أو ما يقارب 22% من ارض فلسطين التاريخية، فيما تشمل دولة إسرائيل 78% منها منذ عام 1948؟

ا) هل تغذي إسرائيل حتى اليوم حلما، وهو الحصول على كافة الأراضي الفلسطينية ولكن مفرغة من الفلسطينيين؟ بعد مئة سنة من الصراع، حان الوقت لإسرائيل أن تعترف بأن تحقيق هذا الحلم هو أمر مستحيل. يوجد اليوم في الأراضي الفلسطينية المحتلة ثلاثة ملايين فلسطيني. وعلى إسرائيل أن تعترف بهذا الوجود وأن تتعامل معه، فلا تفكر بعد في القضاء عليه أو في إبقائه تحت أي نوع من أنواع الاحتلال، أو بالتعامل معه بحسب نظام الفصل العنصري (Apartheid).

ب) الا تثق إسرائيل بالفلسطينيين، ألا تصدق أن الفلسطينيين، متى حصلوا على دولتهم المستقلة، يمكنهم أن يكونوا جيرانا مسالمين؟ هذه الفرضية لا أساس لها. لأن مظاهر العداء الفلسطيني اليوم لا تنم عن عداء أصيل لليهود لأنهم يهود، إنما هي تعبير عن مقاومة الشعب الفلسطيني الذي  يرى أن إسرائيل تريد انتزاع أرضه منه وإبعاده عنها. فإذا ما زال هذا الخطر عن الفلسطينيين زال معه العداء.

رؤية مستقبلية

10    وإن أبت إسرائيل أن تصدق بأن العداء في نفس الإسرائيليين والفلسطينيين يمكن أن يزول، حكمت على المنطقة كلها بحرب وعنف دائمين، ووضعت المنطقة كلها بل ونفس بقائها في المنطقة في مأزق لا مخرج منه. المخرج الوحيد من هذا المأزق هو الإيمان بأن السلام أمر ممكن، والشروع في بناء السلام بوسائل السلام وليس بالإجراءات القمعية.

11    سوف تعيش إسرائيل دائما محاطة بالبلدان العربية بما فيها فلسطين. وحتى الآن لم تنجح إسرائيل في إنشاء علاقات طبيعية معها. لأن السياسة التي اتبعتها إسرائيل، والأسرة الدولية معها، بحجة حماية الدولة الجديدة، مع استمرار الظلم في حق الشعب الفلسطيني، جعلت من جميع البلدان العربية أعداء لها. مع أن المنطق السليم يقول (لمن يريد أن يحمي دولة إسرائيل)، إن أردت أن تحمي أحدا فإنك لا تحيطه بالأعداء بل بالأصدقاء.

لا بد إذًَا من اتباع سياسة جديدة، لكي تتحول البلدان المجاورة إلى بلدان صديقة. وليس هذا التحول بالأمر المستحيل. يكفي أن يتم العدل مع الفلسطينيين بوضع حد للاحتلال وبإنشاء الدولة الفلسطينية. فإذا نال الفلسطينيون مبتغاهم لن يبقى شيء يحول دون صداقتهم لإسرائيل. وإذا أصبح الفلسطينيون أصدقاء، غدت سائر الشعوب العربية أيضا صديقة. وهكذا فقط تبلغ إسرائيل أمنها المنشود، إذا ما غدا جيرانها أصدقاء لها.

لقد تبنت قمة بيروت العربية المنعقدة في شهر آذار 2002 المبادرة  السعودية الداعية إلى مصالحة عربية شاملة مع إسرائيل. وهذه إشارة ودعوة لإسرائيل تقول لها إن البلدان العربية على استعداد للصلح معها دولة وشعبا.

12    قد اتخذت هيئة الأمم القرارات اللازمة لحل هذه القضية. ولكن تنقص الأسرة الدولية الشجاعة الكافية لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتطبيق قراراتها، بينما تجرأت ونفذت قراراتها في أماكن أخرى. ونقول هنا أيضا: لضمان السلام في المنطقة، لا بد من اتباع سياسات جديدة، تقضي بترسيخ الصداقة بين الشعوب على أسس العدل والاحترام والمساواة بين كل الشعوب.