البطريركية اللاتينية – القدس

 

عظة عيد العنصرة - 19 أيار 2002

 

صاحب السيادة المطران كمال بطجيش        

حضرة الأب بندكت رئيس هذا الدير

أيها الإخوة والأخوات الأعزاء

 

اجتمعنا في هذا الصباح مثل الرسل يوم العنصرة لنصلي ونسأل الله أن يرسل إلينا روحه فيساعد ضعفنا. فنحن نحتفل اليوم بعيد العنصرة، وشرور الحرب في أرضنا المقدسة ما زالت قائمة. أرضنا أرض الله، ولذلك فهي تستحق معاملة أفضل من قبل من أعطي لهم أن يحكموها. أرضنا أرض مقدسة، لأن الله اختارها ليظهر فيها مجده في سر فداء الإنسان. ولهذا فالأماكن المقدسة فيها عديدة. بل كلها مكان مقدس. ومع ذلك فإننا نقول إن الإنسان هو مقدس الله وهو أقدس من كل مكان، ومن أجله ومن أجل خلاصه أقيمت الأماكن مقدسة. كل كائن بشري يحمل في ذاته صورة الله وكرامة الخالق. ومن واجب حكام هذه الأرض الذين يسيِّرون فيها الحرب والدمار أن يروا هذه الصورة في أنفسهم أولا كما وفي كل إنسان يعلنون عليه الحرب.

في الأسابيع الماضية، أصحت كنيسة المهد مركزا  للحرب، والذين شنوا الحرب تكلموا على احترام المكان المقدس والاعتداء عليه. ونسوا أن قداسة الإنسان أهم بكثير من قداسة المكان، وأن المكان لم يقدس إلا في سبيل الإنسان. فعبثا يُحترَم المكان المقدس ويُدَّعى بالمحافظة على امتيازات وحقوق متعلقة به عندما يهان الإنسان ويقتل.

نحتفل اليوم بعيد العنصرة، أي بحلول  الروح القدس على الرسل، وقد حل عليهم ليحملوه إلى العالم كله، وقبل كل شيء إلى أرضنا هذه. قال يسوع لرسله: "ستكونون شهودا لي في أورشليم واليهودية والسامرة وحتى أقاصي الأرض" (أعمال 1: 8). ستكونون شهودا لي فتمنحوا الروح القدس لكل إنسان، فتجددوا روح كل إنسان وبتجدد الإنسان تجددون وجه الأرض.

هنا، كما وفي كل مكان، يجب أن يعلم عظماء هذا العالم أنهم يتعاملون مع الله حين يتعاملون مع الإنسان، فإن مسوا بالإنسان فبالله يمسون. وإذا امتهنت كرامة الإنسان فإنها تصرخ إلى الله طالبة الانتقام. فالمصالح السياسية أو الأطماع التي تبيح لنفسها بأن تعتدي على كرامة الإنسان أو حياته، إنما هي اعتداء على قداسة الإنسان وهي تحَدٍّ لله خالقه وفاديه.

يرى كل واحد حقه فقط ولا يرى الله في حساباته ومواقفه السياسية، وحين يرى الله يراه في مصالحه الخاصة وليس في كرامة ذاته وغيره كإنسان. ومن ثم يحكم الحاكم على نفسه بألا يرى الله وبأن يكون عاجزا عن رؤية الآخر مساويا له في القداسة والكرامة. فلسطينيون وإسرائيليون ويهود ومسلمون ومسيحيون يجب أن ننظر إلى أنفسنا أمام الله، ويجب أن يرى كل واحد منا في نفسه مرآة تعكس صورة الآخر، لأننا جميعا صورة واحدة هي صورة الله، سواء رأينا في بعضنا البعض عدوا أو صديقا.

 العنف ضد الإنسان هو عنف ضد الله. ويؤكد البعض على أن الله منح هذه الأرض لشعبه. ولكن الله لا يهدم بيوت عباده ولا يحرمهم أرضهم وحريتهم. الوعد بالأرض يجب أن يتفق مع احترام جميع أبناء الله. العدل والمصالحة أمام الله يمكن أن يتحققا، إذا ما شعر  كل واحد بالحاجة إلى المغفرة والاستغفار أمامه عز وجل،  وأمام الأخ الإنسان الذي تم الاعتداء فيه على قداسة الله نفسه.

نريد عدلا وسلاما: أمام الله يجب أن يتم ذلك. الأسرائيليون يجب أن يعرفوا هذا ويمارسوه وكذلك الفلسطينيون. يجب أن يعرف ذلك الحكام حاملوا مسؤولية الاعتداء على الإنسان في هذه الأرض، لأعذار سياسية لا تثمر إلا الخوف والانتقام. للفلسطينيين والإسرائيليين نقول: إنكم تحملون صورة الله. كل إنسان هو مَقدِسُ الله، وهو المكان المقدس المطلق. ولا معنى لأي مكان آخر قيل فيه إنه مكان مقدس، إن قطعت علاقة الإنسان به. ونحن الذين نؤمن بالله ونصلي وقد نقف على أحد جانبي الصراع، لنطهر أنفسنا حتى نكون إلى جانب الإنسان وسر الله فيه الذي أظهره في هذه الأرض.

يقول النبي يوئيل: "كل من يدعو باسم الرب يخلُص". كل من يدعو يخلِّص نفسه باحترامه ومحبته لأخيه، لأن أخاه هو طريق الخلاص له.

وقال النبي أيضا: "إني أفيض روحي علي كل بشر. سيتنبأ بنوكم وبناتكم ويرى شبانكم رؤى، ويحلم شيوخكم أحلاما. وعلى عبيدي أيضا وإمائي أفيض روحي في تلك الأيام." (يبوئيل 2: 28 – 32).

قال: على العبيد والإماء. العبيد والإماء هم اليوم من نقول إنهم الأعداء، في أي جانب كانوا، الفلسطيني أو الإسرائيلي. ويقول النبي إن كل واحد قادر على أن يقبل روح الله.

وقال أيضا: "ويرى شبانكم رؤى". إذ ينعشهم الروح القدس، فيرون واقعا جديدا هم مدعوون إلى صنعه والعيش بموجب منطقه الجديد، وهو واقع العدل والمغفرة والمصالحة. في إسرائيل وفي فلسطين واقع جديد يجب أن يولد: يجب أن نسأله تعالى أن يجعلنا مستحقين لاستقبال روحه القدوس فيرشدنا جميعا، ويرشد المسؤولين فيخلقوا أرضا جديا وإنسانا جديدا.

والإنسان الجديد هو من قال فيه القديس بولس في رسالته إلى أهل روما: "إن الذين ينقادون لروح الله يكونون أبناء الله حقا.لم تتلقوا روح عبودية لتعودوا إلى الخوف بل روح تبَنٍّ به ننادي: أبا، أيها الآب" (روما 8: 14- 15).

أيها الإخوة والأخوات لنرفع صلواتنا الحارة إلى الله حتى يجعلنا مستحقين لأن ننال روحه القدوس، فنتمكن بعونه من تجديد قلوبنا ووجه أرضنا. آمين.

+ البطريرك ميشيل صباح

   بطريرك القدس للاتين