البطريركية اللاتينية – القدس
ايها الإخوة والأخوات الأعزاء
سيادة الرئيس ياسر عرفات
1 ها نحن في هذا العام أيضا جئنا بيت لحم وكنيسة المهد هذه الجليلة لنصلي.
نبدأ فنسجد لله في عميق سره، في سر ميلاده وتجسده. كلمة الله صار إنسانا. من لم
يسعه العالم وسعته مغارة وحملت به بتول. جاء أميرا للسلام، سلامِ الإنسان مع ربه
ومع نفسه ومع كل أخ له في الإنسانية من غير تمييز في العرق أو الدين أو اللون. جاء أميرا للسلام ومخلصا للبشرية.
نقف في هذه الليلة المقدسة في الوقت نفسه أمام سر االله عز وجل وسر محبته
للناس، وأمام سر عذاب هذه الأرض التي أراد الله أن يُظهِر فيها رحمته. ونرى ونعترف
أننا ما زلنا نحن البشر عاجزين حتى اليوم عن أن نرى سر الله ومحبته في أرضنا، وما
زلنا عاجزين أيضا حتى اليوم عن أن نرى أنفسنا إخوة.
الأخ الرئيس ياسر عرفات، من أجلكم نصلي مع شعبكم المصلي في هذه الليلة.
وددتم لوكنتم
معنا في هذه الصلاة، إلا أن تفاقم الفوضى وتشويه الحقيقة في هذه
الأرض المقدسة والاضطراب في التعامل مع الإنسان فيها حالا دون ذلك. نسأل الله أن يمنحكم حكمة
وقوة في الحصار المفروض عليكم، حتى تستمروا في
المسيرة الشاقة نحو العدل والسلام.
2 أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،
سر التجسد يحملنا إلى أعماق سر الله وتعامله مع البشر. أحبنا فخلقنا وسلمنا
الأرض لنبنيها ونجعلها كلها مقاما لمحبته. قال الرسول يوحنا في رسالته الأولى:
"ونحن عاينا ونشهد أن الآب أرسل ابنه كلمته مخلصا للعالم...ونحن عرفنا المحبة
التي يظهرها الله بيننا وآمنا بها" (1يوحنا 4: 16). بهذه الآيات يدخلنا
الرسول في المعنى الحقيقي لعيد الميلاد. يقول: "عاينا ولذلك نشهد". هو ومن
كان معه من الرسل عاشوا مع يسوع المسيح وعرفوا أنه كلمة الله وأنه جاء مخلصا
للعالم، ولذلك شهدوا. وبهذا نؤمن نحن اليوم، كما آمن الرسل، وكما آمنت الأجيال
المسيحية من بعدهم جيلا بعد جيل.
ويضيف يوحنا الرسول فيقول: "الله محبة فمن أقام في المحبة أقام في
الله وأقام الله فيه... لا خوف في المحبة بل المحبة الكاملة تنفي عنها الخوف...
ومن يخف لم يكن كاملا في المحبة" (1يوحنا 4: 16- 18).
على المحبة نتكلم ونحن نعيش هذه الأيام القاسية بكل ما فيها من ويلات ودمار
وكراهية وموت. لأننا
نؤمن بعيد الميلاد وبمعانيه السامية والصعبة التي يبينها
لنا الرسول الذي تلقى هو أيضا هذه الوصية، وكانت جديدة عليه وعلى رفقائه الرسل معه،
وعلى مجتمعه في تلك الأيام الغابرة. وما زالت وصية جديدة
وصعبة علينا أيضا، نحار كيف نطبقها ونعيشها في مواجهة الموت المفروض علينا. ونقول لكم، أيها
الإخوة والأخوات، إنه ليس أمرٌ مستحيلا على المؤمن،
ليس مستحيلا أن نعيش المحبة مع جميع إخوتنا مسلمين ويهودا ودروزا ومسيحيين، بل وفي
وجه الجنود الإسرائيلين أنفسهم الذين يَفرضون علينا الحصار ومنع التجول وأنواع
الإذلال.
ويضيف القديس يوحنا أيضا في كتاب الله نفسه فيقول: "إذا قال أحد: إني أحب الله وهو يبغض أخاه
كان كاذبا، لأن الذي لا يحب أخاه وهو يراه لا يستطيع أن يحب الله وهو لا
يراه" (1يوحنا 4: 20).
3 بيت
لحم يحاصرها الجنود من كل جهة. وكذلك سائر المدن والقرى الفلسطينية. العيد يأتينا
في أوقات صعبة. فأبواب الحياة مغلقة وليس فقط أبواب المدينة. وتقولون أيها الإخوة:
علام نعيِّد ونبتهج إذًا؟ وكيف نعيش هذه المحبة؟ وإنها لوصية صعبة. فكيف نجمع بين
الأمرين: وصية المحبة من جهة وواقعنا الصعب من جهة أخرى. وكيف
نوفق بينهما؟
لكل متسائل نقول ونكرر: أولا العيد صلاة ومثول أمام الله لا أمام الناس.
ولهذا نعيِّد فنمثل أمام الله ربنا لنرفع إليه ابتهالاتنا وسؤلنا. وثانيا: واقعنا
العسير يجب ألا يصل بالمؤمن إلى أبواب اليأس ولا إلى استنتاجاته. نحن نؤمن بالله
وبمحبته وسوف يلهم من خلق محبته وعدله في أرضه هذه في الساعة التي يشاؤها. وحتى
تحين تلك الساعة، نصبر فنقاوم مقاومة الروح لليأس، مقاومة الروح للكفر بالإنسان
وبصلاحه، ومقاومة الروح لسفك الدماء، ونستمر في الوقت نفسه بالمطالبة بحريتنا وكرامتنا.
أيها الإحوة،
ضعوا أنفسكم في حضرته تعالى وأمام سر
محبته العميق. ففيه بالرغم من مظالم الناس تجدون القوة والاطمئنان. حياتنا اليومية
الصعبة هي شهادة لله ولقدرته ولسر عنايته. مهمة المسيحي هي أن يصبر لا أن يضعف
ويهرب. بل نصلي ونصبر ونعمل كل ما يجب عمله لوضع حد للاحتلال وللشدائد الناجمة عنه.
كذلك نواجه كل الصعاب، ونواجه الموت نفسه، الموت السريع أو الموت البطيء المفروض علينا.
4 ونؤكد
ونكرر أن حصار بيت لحم، بل حصار الإنسان
الفلسطيني في مدنه وقراه، والذي هو أيضا كريم في عيني الله، مثل كل إنسان وشعب،
هذا الحصار يجب الا يبقى لأي مبرر كان. وبالإضافة إلى ذلك،
فقد بينت التجربة أنه لم يأت حتى من الجهة الأمنية بالأمن المطلوب.
5 وعليه
فإننا نخاطب الشعب الإسرائيلي فنقول: سلام وطمأنينة. نعم أنتم أيضا سالت الدماء في
مدنكم وشوارعكم وبين أبريائكم. ومع ذلك، فإننا نقول إن طرق السلام هي غير ما تردُّون به وما تفعلون. بيدكم القوة، فحولوها إلى قوة سلام تحصدوا السلام
والطمأنينة. آمنوا بالسلام في هذه الفترة من التاريخ، بعد مئة سنة من الصراع
ويزيد. إن الشعب الفلسطيني يريد لكم الأمن والاطمئنان. وهو راغب في السلام.
تقولون: عنف وإرهاب ويريدون لنا سلاما؟ نعم هو هذا. يريدون لكم سلاما، ومع السلام
يريدون لأنفسهم الحرية ونهاية الاحتلال.
نقول لا للعنف ونقول لا للظلم الذي يولِّده. تقولون: عنف وإرهاب.
فليكن. ولكننا ندعوكم أن تتساءلوا : ما هو السبب وما هي الدوافع؟ قد تجدون أن
السبب بين أيديكم، وهو الاحتلال وحرمان شعب حريته وكرامته. فإننا ندعوكم أن تفتحوا
أذهانكم وقلوبكم لتروا الدوافع التي تولد ما تخافونه فتقولون إرهاب. إن مفاتيحه
بين أيديكم. أزيلوا السبب تزل النتيجة. اقطعوا الشجرة تنقطع ثمارها. والشجرة هي
الاحتلال والمظالم الكثيرة. فبيدكم، في قلوبكم، لا في جيوشكم، القدرة على وقف كل
ما تخافونه من عنف وإرهاب. جيوشكم بكل ما تدمر وتسحق الإنسان الفلسسطيني تصنع
الحرب والإرهاب معا، ولم تصل بكم حتى اليوم إلى السلام ولا وفرت لكم الأمن. جيوشكم
كسبت حروبا ولم تكسب السلام حتى اليوم. فأنتم بحاجة إلى قادة جدد لهم رؤى جديدة
قادرة على صنع السلام، توفر لكم، لا تعدكم، بل توفر لكم الأمن الذي تريدون، وذلك
إذا ما وفرت للفلسطينيين حقهم وحريتهم وأمنهم.
6 ونذكر في هذه الليلة المقدسة المأساة التي مرت بها كنيسة المهد الجليلة قبل
أشهر، ونعبر عن تقديرنا وإجلالنا للآباء والرهبان الفرنسسكان، وللرهبان الروم
الأورثوذكس والأرمن الأورثوذكس، الذين عاشوا تلك المأساة. نحيي صبرهم في تلك الشدة
وإيمانهم ومحبتهم للجميع.
في هذه الصلاة نحمل مشاعر الجميع، حميع ضحايا هذا الصراع، القوي والضعيف،
من هُدِم بيتُه، ومن جُرِح ومن قُتِل، وآلافَ الأسرى الفلسطينيين في السجون
الإسرائيلية، ومن يتلقى الأوامر للقتل ومن يُصدِرُها. نضع الجميع أمام الله
لينقيهم ويجعلهم جميعا، في أي جهة كانوا، قادرين على المحبة والعدل والسلام.
ولجميع أبنائنا في جميع أقسام أبرشيتنا في فلسطين وإسرائيل والأردن وقبرص،
نسأل الله أن يكون هذا العيد لهم عيدا لتجديد إيمانهم ومحبتهم، وليمنحهم الله فيه
وفي السنة الجديدة القادمة بركته الوافرة.
ولجميع المسيحيين في العالم، من بيت لحم نبعث في هذه الليلة المقدسة بسلام
الميلاد وبهجته. ونسأل الله العلي القدير لجميع سكان هذه الأرض عدلا وسلاما ومحبة.
آمين.
+البطريرك
ميشيل صبّاح
بيت لحم – ميلاد 2002