Beta Version

الرسالة الراعويّة الأولى لبطاركة الشرق الكاثوليك

نشرت بتاريخ: April 27 Thu, 2017

الرسالة الراعويّة الأولى لبطاركة الشرق الكاثوليك متوفرة باللغات التالية:

رسالة بطاركة الشرق الكاثوليك

في مناسبة انعقاد اجتماعهم الأول في لبنان

من ١٩ إلى ٢٤ آب ١٩٩١

الرسالة الأولى ١٩٩١

مقدمة

إننا نحمد الله الذي منّ علينا، لأوّل مرّة في منطقتنا، أن نجتمع للتباحث معاً في أمور تتعلق بحياة كنائسنا. لقد عقدنا اجتماعنا الأول هذا في لبنان في ضيافة غبطة البطريرك مار نصر الله بطرس صفير، بطريرك إنطاكية وسائر المشرق للموارنة، وتناول أولاً دستور القوانين للكنائس الشرقيةالذي صدر في روما، مؤخراً ليدخل حيّز التنفيذ ابتداءً من مطلع تشرين الأول ١٩٩١. وبحث ثانياً في علاقاتنا بالمسلمين الذين يربطنا بهم تاريخ مميّز وأصيل نريد تعميقه وتطويره خدمة لكلّ من أبناء بلداننا.

إننا نجتمع في أوقات مصيرية بالنسبة إلى كنائسنا ومنطقتنا والعالم. ولا يخفى على أحد أن الشرق الأوسط تحوّل إلى بؤرة صراعات دولية بينما، تبحث البشرية عن نظام عالمي جديد لم تتحدّد معالمه حتى الآن ولا يعرف أحد ما سيتمخض عنه ونحن على عتبة الألف الثالث. والكل يدرك أن هذه الصراعات الكثيرة والمتشابكة تركت وراءها، ولا تزال، الدمار والتشرّد والموت وغير ذلك من أشكال المعاناة.

في وسط هذه الظروف أردنا أن نجتمع كي نستلهم إيماننا ورجاءنا ومحبتنا فنلتمس إرادة الله في كنائسنا في هذه الأوقات العصيبة لنعمل على الاستجابة لهذه الإرادة بإيمان وفرح وعزيمة متجدّدة بالرغم من كل الصعوبات التي تواجهنا.

إننا نؤمن أن السيد المسيح لا يزال معنا ومع كنائسنا، كما وعد عندما قال: “ها أنذا معكم طوال الأيام إلى انقضاء الدهر” (متى: ٢٠:٢٨).

وقد أردنا، في ختام مداولاتنا، أن نوجّه رسالة إلى أبنائنا الكاثوليك وإلى إخوتنا المسيحيين، والمسلمين واليهود، وإلى كل ذي إرادة صالحة في هذا الشرق العزيز وفي العالم بأسره كي نشركهم في بعض التساؤلات والتطلعات التي لا ترمي من ورائها إلاّ الخير للجميع.

إلى أبنائنا الكاثوليك

إننا نتوجّه إليكم، يا أبنائنا الكاثوليك في شرقنا الحبيب. لقد اجتمعنا ونحن نحمل همومكم وآمالكم التي هي هموم كل واحد منّا وآماله. لقد عشنا معكم ظروفاً، عصيبة في كل مكان نتواجد فيه تركت عميق الأثر في نفوسنا، وفي نفوس جميع مواطنينا، ونحن في أمسّ الحاجة إلى التوقّف والتأمل، بهدي من إيماننا، وإنجيلنا وتراثنا، في معنى وجودنا، ودعوتنا، وشهادتنا، في هذه المنطقة من العالم التي أراد الله لنا أن نعيش فيها إيماننا ورسالتنا.

إن الظروف الصعبة التي نواجهها يجب ألاّ تؤدّي بنا إلى الهروب أو التقوقع أو الانعزال أو الذوبان، بل تردّنا، بالأحرى إلى جذور إيماننا لنجد فيها منبعاً للقوة والثبات والثقة بالنفس والأمل متذكرين قول السيد المسيح له المجد: “لا تخف، أيها القطيع الصغير” (لوقا ١٣:١٢)، لأن الكنيسة لا تُقاس بالأرقام والإحصاءات، بل بوعي أبنائها الحي لدعوتهم ورسالتهم.

حضور، رسالة وشهادة

إننا، نعيش في هذا الشرق منذ القدم، فهو جزء من هويتنا العميقة كما أننا بدورنا، جزء من هويته وكيانه. وعليه فلا يحقّ لنا أن نبقى هنا وجلّ اهتمامنا فقط الاستمرار في البقاء، مما قد يؤدّي إلى الانعزال والخوف وعقدة الأقلية القاتلة. إن حضورنا في الشرق هو حضور رسالة وشهادة. لا حضور جسم يكتفي بالحنين إلى الماضي ويعجز عن شقّ طريقه إلى المستقبل. إن كنائسنا حيّة تتفاعل مع دعوة الله لها عبر الأحداث والبيئة والتراث والحضارة. لقد نظرنا إلى أنفسنا طويلاً ونظر إلينا الآخرون من زاوية الطائفية التي تحول دون معرفة الآخر والتواصل معه والاندماج في حياته وهمومه، كما تمنع الآخرين من معرفتنا معرفة حقيقية. وهذا كلّه يولّد الشكوك والعداوات والأفكار المسبقة التي ما تعتم أن تتحول، لأدنى سبب، إلى صراعات مفتعلة وعقيمة.

لا طوائف بل كنائس حيّة

ولقد حان الوقت أن نتحول من الطائفية إلى كنائس حيّة تعمل، في تنوع طقوسها وتراثها، على عيش إيمانها بكلّ أصالته في تفاعل خلاّق مع البيئة التي أرادها الله لنا، وأرادنا لها، فنسهم إسهاماً، فعالاً في كل مجال من مجالات الحياة العامة (الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية، والثقافية، وغيرها) بقلب مفتوح وصدر رحب وسخاء شامل وفي تواصل حقيقي مع كل إنسان نعيش معه.

الأمل والعمل

إن المسيح هو هو، اليوم والأمس وإلى الأبد (راجع عبرانيين ٨:١٢). ومن خلال كنائسنا، يتجسّد المسيح، كلمة الله الأزلية، في الظروف التاريخية بكل جوانبها وأوجهها. وهذا كلّه يتطلب منا استعداداً دائماً للتجاوب مع عمل الروح الذي ينقّي إيماننا ويبلوره كي يكون على مستوى الدعوة التي إليها دعينا، وعلى مستوى الرجاء الذي نحمله في قلوبنا، هذا الرجاء الذي يدعونا، الرسول بطرس إلى الشهادة له باستمرار (١ بطرس ١٥:٣). إن الوقت الذي نعيش فيه ليس وقت الخوف والتظلم والتشكّي والتهرّب، بل وقت الأمل والعمل من أجل مستقبل ننغرس فيه باضطراد في مسيحنا، وننغرس فيه، في الوقت عينه، في مجتمعاتنا لنكون فيها، خميرة خير ومحبة ومصالحة وتقارب وسلام. وهكذا ترون، أيّها الأبناء الأعزّاء، إن أوطاننا وكنائسنا بحاجة إلينا، في هذه الأوقات العصيبة. لقد عشنا مع مواطنينا أيام اليسر، وما أحرانا أن نقاسمهم أيام العسر فنعمل معاً على النهوض بأوطاننا وبنائها، على أسس ثابتة وسليمة.

آفة الهجرة

وفي هذا المجال لا يسعنا، إلاّ أن نشير، والألم يعصر قلوبنا، كما أشار كلّ منا، على حدة في الماضي، إلى آفة الهجرة الخطيرة التي تنخر جسمنا، وتعطّل مسيرتنا، وتحرم كنائسنا وأوطاننا من عطائنا، واسهامنا، وتعاوننا. إننا بحاجة إلى أوطاننا، لأنّها بيئة دعوتنا ورسالتنا، وأوطاننا بحاجة إلينا كي نثريها بأصالة حضورنا النشط والعامل. ومما لا شكّ فيه أن أوطاننا راغبة، وهذا هو أملنا الدائم في مساعدتنا على العيش بكرامة في أرضنا وبلداننا.

إلى اخوتنا المسيحيين

إن كنائسنا في الشرق تمتاز بقدمها، وغنى تراثها، وتنوع تعابيرها الطقسية، وأصالة روحانياتها، وآفاتها اللاهوتية، وقوة شهادتها عبر القرون التي وصلت حتى الاستشهاد البطولي في بعض الأحيان. وكل هذا رصيد حيّ نحمله في قلوبنا، وحافز أمل عظيم، ومصدر ثقة وثبات نستلهمه بينما نتلمّس طريق المستقبل.

إن التنوع هو السمة الأساسية للكنيسة الجامعة والمسيحية في الشرق. ولقد كان هذا التنوع دوماً مصدر غنى للكنيسة جمعاء عندما عشناه في وحدة الإيمان وبروح المحبة. ولكنه، ويا للأسف الشديد، تحول إلى انقسام وفرقة بسبب خطايا البشر وابتعادهم عن روح المسيح. ومع هذا فان ما يجمعنا أكثر وأهم مما يفرقنا لا يحول دون تلاقينا وتعاوننا. إن مسيحية الشرق، على انقساماتها، تشكّل في أساسها وحدة إيمان لا تتجزّأ. إننا مسيحيون معاً في السرّاء والضرّاء. فالدعوة واحدة والشهادة واحدة والمصير واحد. وعليه فنحن مطالبون بالعمل معاً، بشتّى الطرق والوسائل، لتثبيت جذور المؤمنين الموكلين إلينا بروح الاخوة والمحبة، في مجالات عدّة يدفعنا إليها الخير المشترك لعامة المسيحيين، كما تدفعنا إليها تطلّعات جميع المؤمنين من مختلف الكنائس المسيحية، الذين يضعون كبير آمالهم في تعاوننا وتقاربنا.

نكون مسيحيين معاً أو لا نكون

إننا في الشرق، نكون مسيحيين معاً، أو لا نكون. وان لم تكن العلاقات بين الكنائس في الشرق دوماً على ما يرام لأسباب كثيرة، منها الداخلية ومنها الخارجية، فقد حان الوقت إن ننقي ذاكرتنا من رواسب الماضي السلبية مهما كانت مؤلمة، كي ننظر معاً إلى المستقبل بروح المسيح وبهدي إنجيله وتعاليم رسله.

إننا نقول هذا في وقت انضمّت فيه العائلة الكاثوليكية إلى مجلس كنائس الشرق الأوسط الذي يشكّل واحة فريدة للتلاقي والبحث عن القواسم المشتركة، التي تؤدي إلى حضور جماعي وشهادة مشتركة في شرقنا العزيز. ولا تريد هذه الشهادة نفع ذاتها، بل تبغي مجد الله وخدمة الإنسان في مجتمعاتنا. إن تلاقينا وتآخينا نريدهما علامة حيّة للتآخي والتلاقي بين جميع أبناء الله في هذه البقعة من العالم، التي خصّها الله بوحي محبّته وآيات خلاصه. وحبّذا لو عملنا على تثبيت ركائز عملية وواقعية وملموسة لتعاوننا هذا تعود بالخير على مؤمنينا ومجتمعاتنا، ريثما تحلّ الساعة التي نلتقي فيها من جديد في الافخارستيا الواحدة، وفق رغبة السيد المسيح وصلاته (راجع يوحنا: ١٧).

إلى إخوتنا المسلمين

إننا نتوجه إلى إخوتنا المسلمين بقلب مفتوح ونيّة صادقة. إن عيشنا المشترك الذي يمتد على قرون طويلة يشكّل، بالرغم من كل الصعوبات، الأرضية الصلبة التي نبني عليها عملنا المشترك حاضراً مستقبلاً، في سبيل مجتمع متساوٍ ومتكافئ لا يشعر أحد فيه، أياً كان، أنه غريب أو منبوذ.

إننا ننهل من تراث حضاري واحد نتقاسمه، وقد أسهم كل منّا في صياغته انطلاقاً من عبقريته الخاصة. إن قرابتنا الحضارية هي إرثنا التاريخي الذي نصرّ على المحافظة عليه وتطويره وتجذيره وتفعيله كي يكون أساس عيشنا المشترك وتعاوننا الأخوي. إن المسيحيين في الشرق هم جزء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسلمين، كما إن المسلمين في الشرق هم جزء لا ينفصل عن الهوية الحضارية للمسيحيين. ومن هذا المنطلق نحن مسؤولون بعضنا عن بعض أمام الله والتاريخ.

دعوة نموذجية

ولذا يتحتم علينا أن نبحث، بشكل مستمرّ، عن صيغة، لا للتعايش فحسب، بل للتواصل الخلاّق والمثمر الذي يضمن الاستقرار والأمان لكل مؤمن بالله في أوطاننا، بعيداً عن آلية الحقد والتعصّب والفئوية ورفض الآخر. وإننا على قناعة بأن قيمنا الروحية والدينية الأصيلة خليقة بأن تساعدنا على تخطي المشاكل التي قد تطرأ على مسيرة عيشنا المشترك. وهذا ما يفرض علينا أن ينظر بعضنا إلى بعض بروح الانفتاح والتعرف المتبادل الحقيقي لأن الإنسان عدو ما يجهل.

إن العالم اليوم تمزّقه آفات الفرقة والتعصب والتمييز على اختلاف أنواعها. وإننا نطمح إلى إرساء قواعد عيش تكون نموذجاً لعالمنا، بدل أن نشوه قصد الله فينا فنكون صورة عكسية لما يطمح إليه إنسان اليوم من السلام والوئام والتعاون على أساس المواطنة الحقيقية والصادقة.

لقد أرادنا الله، جلّت حكمته، معاً في هذه البقعة من العالم. وإننا نقبل هذه الإرادة برحابة صدر ونرجو أن تعمل هذه الإرادة على توسيع قلوبنا بحيث تتسع للجميع مهما كانت انتماءاتهم المختلفة.

إلى إخوتنا اليهود

ونتوجه إليكم أنتم إخوتنا اليهود، مع الصراع الذي أدمى شعوبنا منذ مطلع هذا القرن. لقد ذهب ضحية هذا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعربي الإسرائيلي الكثير من الأبرياء، وذلك لدى جميع الأطراف. ونجم عنه بصورة خاصة ظلم صارخ في حقّ الشعّبين الفلسطيني واللبناني.

إن الكتب المقدسة المشتركة تجمع بيننا، وكذلك مشاركتكم في الحضارة العربية في العصور الغابرة.

ولهذا فإننا، في توقّفنا، أمام مستقبل هذا الشرق العزيز، لنرى إن لكم أيضاً، ولكل ذي نية صالحة، مسؤولية في إعادة السلام والعدل والاستقرار في مجتمعاتنا وفي الأرض التي تحوي مؤسساتنا.

وأول خطوة في طريق العدل والسلام والثقة المتبادلة مع تحرير الذات من الخوف. وهذا يعني التحرر من رؤية العداء المحتوم شعوب المنطقة، ومن ربط الأمن بالقوة والعنف. فالعدل هو الطريق الوحيد إلى الأمن والسلام. وكذلك رؤية صورة الله في الخصم هي الطريق التي تؤدي إلى الاعتراف المتبادل بحقوق الشعوب.

ولهذا فإننا ندعوكم إلى الانفتاح على الشرق وتغيير نظرتكم فيه، بحيث تتمكنون من فهم ومن إيجاد مكانكم فيه على أسس جديدة.

إلى المسيحيين في العالم

إننا نشعر بالحاجة إلى أن نتوجه إلى إخوتنا المسيحيين في العالم لفتح آفاق جديدة من الحوار والتعارف والتبادل.

وانه ليحزّ في نفوسنا أن نرى إخوتنا المسيحيين في العالم لا يعرفون إلاّ القليل عن هذه الكنائس العريقة في القدم، والغنية بالتراثات، والمتنوعة في تعابيرها الكنسيّة. إن كنائسنا أعطت الكثير للكنيسة الجامعة. ومن حق هذه الكنائس أن تنظر إلى شقيقاتها في العالم منتظرة منها مزيداً من المعرفة والتضامن. إن الكنيسة الجامعة تكتشف في كنائسنا تنوّعاً يغنيها كما إن كنائسنا تكتشف في الكنيسة الجامعة امتداداً لرسالتها ودعوتها. وهذا ما يدعو إلى التبادل المستمر بين كنائسنا في الشرق والكنائس في العالم كله في سبيل إثراء متبادل وتفهّم أفضل لقضايا الشعوب التي تعيش في وسطها.

إننا نشكر جميع إخوتنا المسيحيين في العالم على كلّ ما بذلوه حتى اليوم من مساع في سبيل دعمنا وتأييدنا في الأيام العصيبة التي ما زلنا نجتازها. ونخص بشكرنا قداسة البابا يوحنا بولس الثاني لنداءاته المتكررة ولمواقفه العادلة والنبيلة في جميع الأزمات التي مرّت بها بلداننا المختلفة، ولا سيما أزمة الخليج.

وإنّا لندعو مع ذلك جميع المؤمنين في العالم، وبصورة خاصة إخوتنا قادة الكنائس، إلى مضاعفة الجهود لدى رؤساء هذا العالم الممسكين بزمام الأمور للعمل على تنفيذ قرارات هيئة الأمم المتّحدة المتعلقة ببلداننا، والتي تنتظر التنفيذ منذ سنوات طويلة.

إلى الأسرة الدولية

إن العالم يعيش على مفترق طرق. وفي هذا المفترق تبحث البشرية عن نظام عالمي جديد يتّسم بالعدالة والتساوي والتكافؤ، ويعطي كل شعب من الشعوب الحقّ في التعبير عن ذاته والمساهمة الفعلية في بناء هذا العالم الجديد، الذي يتطلّع إليه البشر أجمعين ويسعون إلى تحقيقه. إن أيّ نظام عالمي جديد يستثني شعباً من الشعوب، مهما كان صغيراً، عن مائدة البشرية يكون دون الطموحات الإنسانية.

وهنا لا بدّ من الملاحظة إن منطقتنا، بسبب موقعها الجغرافي والاستراتيجي والاقتصادي، تستقطب اهتمام العالم، لأن الجميع يعرف أن استقرارها هو استقرار للعالم وخللها خلل له. وكم يحزّ في نفوسنا أن نرى الأسرة الدولية وقد حولت هذه المنطقة إلى مسرح صراعات ودمار من أجل مصلحة مادية، أو نوايا أنانية، أو بدافع من روح الهيمنة. لقد حان الوقت أن تنظر الأسرة الدولية إلى الشرق بمنظار جديد يتيح لهذه المنطقة من العالم أن تأخذ دورها الإيجابي والخيّر والأصيل في بناء عالم جديد، بعيداً عن المطامع والأنانيات، وبهدي من مبادئ حقوق الشعوب في التنمية والسلام والعدالة.

الشرق أحقّ بثروته

من المعروف أن منطقتنا تشكّل مخزوناً كبيراً من الثروات. ومن السهل أن تتحول إلى بؤرة صراع يقصد منه استئثار البعض لهذه الثروات وحرمان الآخرين منها، خاصة أهلها. من حقّ الشرق الذي لا يزال الجزء الأكبر منه يرزح تحت ثقل الفقر والتخلّف والمعاناة أن يكون أول المستفيدين من ثرواته، على أن يكون أيضاً الأول في التوجّه إلى توظيف هذه الثروات لخير البشرية جمعاء، خاصة الجزء الفقير منها، فتتقلص الهوة بين الدول الفقيرة والدول الغنية، بين دول الشمال ودول الجنوب، بين دول العالم الصناعي ودول العالم الثالث، وبين الأغنياء والفقراء في الوطن الواحد.

وفي هذا المجال لا يسعنا، إلاّ أن نلفت النظر إلى بعض المشاكل التي عانت منها المنطقة، ولا تزال، أشدّ أنواع الألم، والتي يوليها قداسة البابا يوحنا بولس الثاني باستمرار جلّ اهتمامه داعياً إلى حلّها حلاً عادلاً ومنصفاً يضمن للجميع حقوقه وكرامته.

أ‌–                   القضية اللبنانية

لقد عانى الشعب اللبناني الأهوال لسنوات عديدة وكان ضحية اقتتال رهيب خطّطت له أطراف متعدّدة. ولقد دخلت القضية اللبنانية طوراً جديداً يأمل فيه جميع اللبنانيين أن يصبحوا أصحاب القرار وأن يجدوا فيما بينهم، بروح الحوار البنّاء والتبادل الصادق، صيغة لبنان المستقبل، صيغة تحترم الوضع الخاص الذي يعيشه لبنان والرسالة الأصيلة التي ما زال يحملها، عبر القرون. لقد أظهرت قسوة السنوات الماضية أن العنف لا يؤدي إلاّ إلى العنف وأن الحوار الملتزم هو السبيل الوحيد الذي يضمن للبنان سيادته واستقراره وأصالته ودوره ورسالته وسلامة أراضيه.

وانّا نشكر لقداسة الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني ما خصّ به لبنان طوال سنين المحنة من عطف كبير حمله على لفت النظر إلى وضعه المأساوي باستمرار لما للوجود المسيحي فيه وفي البلدان المجاورة له من تفاعل خيّر بنّاء. انّا نطالب بإلحاح المجموعة الدولية بإيلاء لبنان ما له من حق في تنفيذ قرارات أخذتها لمصلحته ولتمكينه من استعادة سيادته واستقلاله وبسط سلطته على كلّ أراضيه.

ب‌–         القضية الفلسطينية

لقد عانى الشعب الفلسطيني، هو أيضاً ما لا يطاق من الآلام والتشرّد والتهجير والظلم وشتّى أنواع القهر والقمع والإذلال. ولا تزال القضية الفلسطينية شوكة في جنب العالم لا تجعله يستريح ما لم يقدم حلاً حقيقياً وشاملاً وعادلاً لها، على أساس الشرعية الدولية وحقّ الشعوب في تقرير مصيرها وقرارات الأمم المتحدة. إن الحل العادل والشامل والدائم بعيداً عن المساومات الضيقة الأفق، هو وحده القادر أن يعطي كلّ ذي حقّ حقّه ويضع حداً لمأساة تهاونت الأسرة الدولية حتى الآن في معالجتها معالجة جدّية.

إن الأسرة الدولة تحمّلت مسؤولية جسيمة منذ بداية القضية، فلا يحق لها إذاً أن تتوانى أو أن تتخلى عن هذه المسؤولية في ايجاد حلّ حقيقي للقضية الفلسطينية بعيداً عن المقاييس المزدوجة أو الانحياز لطرف دون آخر.

وضع القدس

وفي قلب القضية الفلسطينية يكمن وضع القدس، تلك المدينة التي قدّستها السماء وتعتبرها الديانات الثلاث، المسيحية، والإسلام واليهودية، جزءاً من تراثها الديني والروحي والحضاري. وعليه فإن أيّ حلّ سياسي لا يستطيع أن يتغاضى عن هذا الواقع الصميم لمدينة القدس مما يدعو إلى إيجاد صيغة فريدة لها يشعر كل مؤمن بالله مسيحياً كان أم يهودياً أم مسلماً، أنه على قدر المساواة مع غيره، من غير استثناء أو سيطرة من جانب واحد. بهذه الطريقة تتحول مدينة القدس من مدينة الصراع والفرقة والنزاع والاقتتال إلى مدينة سلام وتلاق وتآخ لأهاليها، وعلامة أمل ورجاء للعالم أجمع.

جالوضع في العراق والمنطقة

لقد كان بالإمكان أن تحل الأزمة التي حصلت في الخليج بالطرق السلمية. غير أن القوى الكبرى فضّلت، خلافاً لما نادى به قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، طريق العنف والدمار. ولقد ذاقت منطقة الخليج الأمرّين من هذا الخيار ولا يزال شعب العراق يتعرض لسياسة وتدابير مجحفة تهدّده بالجوع وفرض عليه التهجير والحرمان من وسائل الحياة الأساسية بسبب الحصار الاقتصادي الذي فرض عليه.

رفع الحصار

إن العمل على رفع هذا الحصار هو مطلب إنساني يتيح للشعب العراقي أن يبني ذاته ويعود إلى الإسهام مع الأسرة الدولية في بناء المنطقة وتطويرها على أسس سليمة. وهنا لا بد من الإشارة إلى نتائج حرب الخليج وتسبّبها في نزوح أعداد كبيرة من جنسيات عربية مختلفة إلى بلدانهم بعد أن فقدوا كل شيء في ظروف مأساوية أو هجرة عدد آخر إلى بلدان المنطقة بسبب الظروف القاسية الراهنة في بلادهم. وهذا قد تمّ تحت أنظار العالم وصمته. إن الأسرة الدولية تتحمل مسؤولية خاصة تجاه هذه المأساة ومن الضروري أن تعمل على وضع حدّ لها بكل الوسائل ومساعدة ضحاياها كي يجدوا ظروفاً إنسانية تكفل لهم العيش الكريم والاستقرار.

ويطيب لنا أن نكرر هنا، ما قلناه في لقائنا في روما مع قداسة البابا يوحنا بولس الثاني وأساقفة الدول المعنية في حرب الخليج في آذار١٩٩١: “نرفض كل تبرير أو تفسير ديني قد يعزى إلى حرب الخليج، إذ ليس فيها ما يمكن اعتباره صراعاً بين الشرق والغرب ولا صراعاً بين الإسلام والمسيحية“.

خـاتـمة

لقد ذكرنا هذه القضايا الملحة دون أن ننسى غيرها من المشاكل الإنسانية والاجتماعية التي يعاني منها، كل بلد من بلداننا. إننا جزء من هذه المنطقة ونؤكد تضامننا معها ونعلن عزمنا، كنائس ومؤسسات وأفراداً على الإسهام، قدر طاقتنا في حلّ مشاكلها بروح الخدمة الصادقة والتعاون مع جميع الذين يريدون خيراً لهذا الجزء من العالم. إننا نود أن نعمل مع الجميع في سبيل بناء الإنسان واحترام كرامته وتأمين حرّياته الأساسية كي يكون عنصراً إيجابياً في بناء مجتمعه بعيداً عن الخوف والقلق والقهر والكبت.

لقد عقدنا اجتماعنا هذا الأول في لبنان، وبعون الله سنعود إلى الاجتماع بشكل دوري منتظم في المستقبل كي نتابع البحث في الخطوات العملية والمشاريع الملموسة خدمة لأبنائنا ومجتمعنا وأوطاننا وإننا نطلب من الله أن يأخذ بأيدينا ويبارك نيّاتنا، كي نكون علامة حيّة لمحبته وسلامه، ونسهم في بناء حضارة الحياة والحب التي تدعو إليها الكنيسة جمعاء.

في ختام هذه الرسالة نسأل الله أن يشملنا جميعاً ببركته السماوية فنكون وإياكم بناة عدل وسلام، لمجده تعالى وخير الإنسان في منطقتنا وفي العالم.

عن مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك

بكركي، في ٢٤ آب ١٩٩١