Beta Version

الرسالة الراعويّة الثالثة لبطاركة الشرق الكاثوليك

نشرت بتاريخ: April 27 Thu, 2017

الرسالة الراعويّة الثالثة لبطاركة الشرق الكاثوليك متوفرة باللغات التالية:

العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين في العالم العربي

معاً أمَامَ الله في سبيل الإنسان والمجتمع

العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين في العالم العربي

الرسالة الراعوية الثالثة

التي يوجهها بطاركة الشرق الكاثوليك  

إلى مؤمنيهم في شتى أماكن تواجدهم

عيد الميلاد ١٩٩٤

مقدّمـــة

١. السلام المنبثق من عيد الميلاد

         اخوتنا الأساقفة والكهنة والشمامسة، أبناءنا وبناتنا من الرهبان والراهبات والمؤمنين، في جميع أبرشياتنا في البلدان العربية وفي المهجر، عليكم جميعًا سلام ربّنا ومعلّمنا يسوع المسيح، الذي تجلَّى في سر تجسده مجدُ الله، والذي بشّر الناسَ أجمعين بالسلام: “المجد لله في العلى! والسلام في الأرض للناس أهلِ رضاه!” (لوقا ١٤:٢). إن هذا النشيد الذي ترنَّم به الملائكة ليلةَ الميلاد، وسمعه الرعاة البسطاء، ما زال يتردد صداه في قلوبنا وفي جميع صلواتنا الميلادية.

٢. رسالة راعوية جديدة

         نوجِّه إليكم مرة أخرى، أيها الأخوة والأبناء الأعزاء، نحن بطاركةَ الشرق الكاثوليك، وفي هذه السنة بمناسبة الأعياد الميلادية المجيدة، رسالة راعوية مشتركة تتناول العيشَ المشتركَ بين المسيحيين والمسلمين في هذه المنطقة من العالم، التي أراد الله أن تكون مكانَ تلاقينا وتفاعلنا وتعاوننا. فبعد أن وضعنا في رسالتنا السابقة الخطوط العامة لرسالة المسيحي وشهادته في العالم العربي، نود في هذه الرسالة الجديدة أن نخص العلاقة الأخوية والبنّاءة، التي يجب أن تربط بين المسيحيين والمسلمين، بمزيد من التعمق والتفكير، خدمةً لمؤمنينا ومجتمعاتنا، لما لهذا الموضوع من أهمية لنا ولبلداننا وللعالم بأسره، علمًا بأن هذه العلاقة كانت موضع مداولات مطوّلة بيننا في اجتماعات الدورة الثالثة لمجلسنا، التي عُقِدت في عمان في أيار سنة ١٩٩٣.

٣. الدفع بالعيش المشترك إلى الأمام

         إن الأسباب التي تدعونا إلى التطرّق إلى هذا الموضوع كثيرة، وأهمّها إن علاقتنا بإخوتنا المسلمين وبالإسلام تشكّل جانبًا مميّزًا وأساسيا لهويّة كنائسنا ضمنَ الكنيسة الجامعة. إن العيش المشترك مع المسلمين هو عنصر أساسي من حياتنا المسيحية في هذه المنطقة العزيزة من العالم. وعليه فيجب أن يظل دائمًا محطّ اهتمامنا وتفكيرنا والتزامنا. وفي هذا المجال نتذكّر ما سبق وقلناه في رسالتنا السابقة: “إن حوارَنا هو حوار مع اخوتنا المسلمين قبل كل شيء. إن العيش المشترك بيننا على مدى قرون طويلة يشكّل خبرة أساسية لا عودةَ عنها، وجزءًا من مشيئة الله علينا وعليهم“. ونودّ أن نعمل دومًا جاهدين كي نعزّز هذا العيش المشترك، ونفتح له إمكانات وآفاقًا تقتضيها تحدِّيات العصر ومُستَجدَّاتُه، محليّا وعالميّا.

٤. في عالم اليوم

         بالإضافة إلى هذا الدافع البالغ الأهمية، فإنّنا لا ننسى أنّ العالم اليوم يسير بشكل مضطّرد نحو التلاقي والشمولية، بكل ما في ذلك من إمكانات وآمال وصعوبات وتوتّرات. فقد أشار المجمع الفاتيكاني الثاني إلى تلك الظاهرة بقوله: “يُعتبر تعدّد العلاقات المتبادَلة بين البشر من أخص خصائص هذا العصر. وقد عمل التقدّم العلمي الحالي على تنمية هذه العلاقات تنمية واسعة“. ويضيف قائلا: “غير أن الحوار الأخوي بين البشر لا يكتمل في هذه التطوّرات، بل يكتمل في ما هو أعمق من ذلك، أي في تجمّع الأشخاص الذي يقتضي الاحترام المتبادل لملء كرامتهم الروحية“. ومما لا شك فيه إن الديانات تلعب، في هذه الفترة التاريخية بالذات، دورًا خاصًا ومؤثّرًا ومصيريًّا في مجال هذه العلاقات البشرية المتنامية. ولعلنا لا نبالغ إذا قلنا إن العيش المشترك بين البشر في الألف الثالث من تاريخنا يقرره التلاقي الإيجابي والبنّاء بين أبناء الديانات المختلفة على وجه العموم، وبين أبناء الديانتين المسيحية والإسلامية على وجه الخصوص.

وهذا كله يدعونا، بصفتنا كنائسَ تعيش في علاقة يومية ومباشرة مع المسلمين إلى القيام بدورنا في هذا المجال، فنضع خبرة العيش المشترك، الحية والمميَزة، والتي تمتدَ جذورها إلى قرون وقرون، في خدمة ذوي الإرادة الصالحة الذين يبحثون في عالم اليوم عن طرق عيش مشترك تتّسم بالتفاعل الحقيقي والإيجابي بين خلائق الله في الأرض كلها.

٥. في التضامن العميق مع كل إنسان في وطننا ومجتمعنا

يعيش عالمنا العربي اليوم حالة مخاض حضاري عميق. إنّه يبحث عن ذاته، وعن صيغة لوجوده، وعن موقع له في العالم يستطيع من خلاله أن يسهم في صنع الحضارة الإنسانية، وفي تثبيت دعائم الاستقرار والسلام، انطلاقًا من أصالة هويّته وفَرادة تراثه. ويجري هذا البحث وسط تحوّلات اجتماعية وجغرافية وسياسية واقتصادية وثقافية عميقة، ووسط صعوبات جمّة، داخلية وخارجية، تجعل ميلاده عسيرًا لا يخلو من مدّ وجزر، بين الإنجازات والتعثّرات“.

وفي وسط هذه التحدّيات والتوتّرات والآمال والتطلّعات، لا يحقّ لنا، نحن مسيحيي العالم العربي، أن نبقى متفرّجين. إننا نودّ أن نعبّر، لا عن مخاوفنا وتساؤلاتنا فحسب، بل وقبل كل شيء، عن مشاطرتنا الحقيقية لمعاناة بلداننا في هذه اللحظة المصيرية، وعن تضامننا العميق مع إنسان منطقتنا الذي تألّبت عليه المحن من كل جانب في تاريخه المعاصر، حتى بات يعيش تحت علامة الألم والمعاناة، ويسير في درب الآلام وهو يحمل صليبه“. هذا هو الإنسان الذي نريد أن نشاركه البحث عن صيغة حضارية للعيش المشترك تخدم الإنسان في عالمنا العربي وفي العالم بأسره.

٦. يقظة دينية بإمكاناتها ومخاطرها

         في خضمّ التفاعلات التاريخية الحالية، نلاحظ، محليًا وعالميًّا، يقظة دينية بارزة في مختلف المجتمعات البشرية، بكل ما تحمله من إمكانات لتجديد الطاقات الروحية في العالم الذي يعاني اليوم من فراغ روحي قاتل يجرّد الإنسان من أسمى ما يميّز إنسانيته، وبكل ما تحمله أيضاً من اللَبس والغموض، لا بل من مظاهر التعصب والعدوانية البارزة في بعض ممارساتها. وهذا ما يدعو الجميع إلى التوقّف مليًّا والتأمّل برويّة، في جوٍّ من الصفاء الذهني والسكينة الروحية، كي يجعلوا من هذه اليقظة الدينية عنصرًا إيجابيًا في مواجهة ما يعانيه العالم المعاصر، وعالمنا العربي بشكل خاص، من صعوبات ومشاكل على جميع الأصعدة.

إن التوجّه الديني السويّ يمكن أن يكون عاملاً إيجابيًا في توجيه التاريخ المعاصر إذا ما عاد إلى ينابيعه الحية، بعيدًا عن النزعات الطائفية والعدوانية. فالعودة إلى الأصول يجب ألا تتحوّل إلى تزمت وجمود، والتديّن إلى تعصّب يشوّه الدين والمتديّن معا. إن الأوضاع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية المضطربة، وما يرافقها من خلل في تطبيق الحق والعدالة في الأمة الواحدة، وبين الشعوب والدول، تدعو إلى تضافر الطاقات الدينية والروحية لتقوم بمسؤولياتها في عالم اليوم لمواجهة مشاكله الكثيرة.

إن هذه الرسالة الراعوية تندرج في مجمل المحاولات والجهود الكثيرة التي تُبذل اليوم في هذا الاتجاه. ومما لا شكّ فيه، إن ترسيخ العيش المشترك، بالرغم مما رافقه ويرافقه من كبوات، سيُسهم في تلافي العثرات والمآسي في بلداننا ومجتمعاتنا، كما إنه سيمكّننا جميعًا من الشهادة لتآلف حقيقي يتوق إليه عالم اليوم من أعماق وجدانه الحي.

٧. موضوع الرسالة وروحانيتها

         نوجّه رسالتنا هذه إلى أخوتنا وأبنائنا الأعزاء، ومن خلالهم إلى جميع أبناء أوطاننا، وبالأخص إلى المسلمين إخوتنا، وإلى ذوي الإرادة الصالحة في العالم. وإننا بذلك نضمّ أصواتنا إلى الأصوات الصادقة الكثيرة في بلداننا وفي كل مكان، والداعية إلى التلاقي الخلاق بين أبناء جميع الديانات.

إن العنوان الذي اخترناه لهذه الرسالة معًا أمام الله في سبيل الإنسان والمجتمعيشير إلى الروحانية التي ترافق هذا التفكير وتنعشه. إننا نضع أنفسنا أمام الله قبل كل شيء، بكل خَشية وتواضع وثقة. فهو القدير الرحيم الحنّان الذي يُلهم خلائقه أجمعين كل عمل صالح، وهو الذي نستلهمه في كل خطوة من خطواتنا. وبعونه نتوجّه إلى الإنسان والمجتمع لنُسهم في بناء عالم أفضل، لاقتناعنا أن الله يتوجّه إلى عالم الإنسان ليُحْييه ويوحّده ويزرع فيه بذور التآلف، فيتمكّن البشر من بناء حضارة المحبةالتي تمجِّد الله، والتي يتوق إليها إنسان اليوم بكل جوارحه، بالرغم مما يعترض سبيلها من عقبات وعراقيل. وإذا ما وضع المرء نفسه، فردًا وجماعة، في حضرة الله، الذي يفوق اسمه جميع الأسماء، فإنه يتحوّل من مسكين وعاجز وخائف إلى صاحب أمل وعمل وحميّة ورحابة في الذهن والفؤاد. فعليه سبحانه نتوكّل، وبروحه نعمل، وباسمه نستعين.

ولنا رجاء أن تكون هذه الرسالة موضوع تفكير في رهبانياتنا وفي الجماعات المسيحية في أبرشياتنا، وموضوع تبادل حقيقي بين هذه الجماعات ومواطنيهم المسلمين، لبلورة رؤية مشتركة للحاضر والمستقبل.

٨. أقسام الرسالة

قسَّمنا رسالتنا إلى خمسة أقسام. ففي القسم الأول، العيش المشترك، من خبرة الماضي إلى نداءات الحاضر، انتقلنا من خبرة الماضي إلى واقعنا اليوم، ورأينا فيه تاريخًا مشتركًا فيه الإيجابيات والسلبيات معا. وتوقَّفنا عند ثلاث قضايا هامَّة تواجهنا اليوم، وتتطلَّب منا تحليلا ودراسة، وهي المشاركة في الحياة العامة والأسرة والتربية الدينية.

وفي القسم الثاني، كيف نبني المستقبل، رأينا أنّه يجب أن نستفيد من واقع عيشنا المشترك لنبنيَ مستقبلنا. وذكرنا السلبيات التي يجب التحرر منها، مثل النزعات الطائفية والجهل المتبادل، والإيجابيات التي يمكن البناء عليها مثل قبول التعددية ودور الخطاب الديني والبيت والمدرسة والكنيسة والجامع والمنشورات ووسائل الإعلام.

وفي القسم الثالث، من أجل مجتمع عربي متكافئ، عرضنا قضايا المشاركة في الحياة العامة ومن ثم لمفهوم المواطنية، ولقضية الدين والسياسة، والدين والعنف.

وفي القسم الرابع، مسلمون ومسيحيون في العالم، انتقلنا إلى العلاقات المسيحية الإسلامية على الصعيد العالمي، وانعكاساتها علينا كما وإمكانية تأثيرنا فيها.

وفي القسم الخامس والأخير، توجيهات راعوية لأبنائنا، أبدينا بعض التوجيهات العملية لأبنائنا. فقلنا إن هذا العيش المشترك يقتضي من المسيحي العمل بوصية السيد المسيح وهي المحبة الشاملة والعامَّة. ولهذا يجب أن تستند جميع مواقفه على إيمانه المسيحي. وحتى يكون الملح والنورفي مجتمعه، يجب أن تكون مواقفه مواقف عطاء وبذل وخدمة وتضامن روحي مع الغير.

القسم الأول: العيش المشترك

من خبرة الماضي إلى نداءات الحاضر

٩. الانتماء المسيحي

         أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، إنّ أبناء الكنيسة في كل زمان ومكان متأصّلون في مجتمعاتهم وهم جزء منها لا ينفصل عنها، وعليه فإنهم يشاركون جميع اخوتهم المواطنين في السراء والضراء، في وحدة الوطن والتاريخ والمصير. وغني عن القول، إن هذا التأصل في تاريخ بشري محدد، بكل ما فيه من حيثيّات وخصوصيات، هو أحد جوانب سر الكنيسة الذي لا يتناقض مع جامعيّتها وشموليّتها. فالكنيسة المحلّية هي الكنيسة الجامعة الموجودة في مختلف المجتمعات البشرية، والكنيسة الجامعة هي للكنيسة المحليّة ضمان وحدة الإيمان والمحبة والرسالة والخدمة. بغير الكنيسة المحليّة تتحوّل الكنيسة الجامعة إلى مفهوم ذهني مجرّد، في حين أنّ ديناميّة العلاقة الدائمة بينهما والشركة في ما بين الكنائس المحلية تبقى ينبوع حيوية وخصب وتجدّد لكنيسة الله الواحدة المقدسة الجامعة الرسولية” (قانون الإيمان المسيحي).

وما التأصّل التاريخي لكنائسنا في مجتمعاتنا إلا وجه من أوجه سر التجسّد: “والكلمة صار جسدًا وسكن بيننا” (يوحنا ١٤:١). وهذا ما سبق وأكّدناه في رسالتنا الأولى. فكما اتخذ السيد المسيح، كلمة الله الأزلي، طبيعتنا البشرية وتجسّد في تاريخنا، كذلك يُدعى كل مسيحي إلى تجسيد إيمانه في الأرض التي أراده الله فيها، وفي الجماعة البشرية التي دعاه إلى أن يكون جزءًا منها. على هذا الأساس المتين يترسّخ ارتباط المسيحي بإيمانه وبوطنه في آن واحد.

١٠. خبرة الماضي

         يعود الحضور المسيحي في معظم البلدان العربية إلى نشأة المسيحية. ويشهد التاريخ على وجود جماعات مسيحية عربية في مختلف مناطق الشرق. وبمجيء الإسلام في القرن السابع بدأ تاريخ مشترك جمع بين المسيحيين والمسلمين في الشرق العربي، وحضارة مشتركة ورثت جميع الحضارات السابقة في هذه البلاد. ولقد أدّت خبرة الماضي بالمسلمين والمسيحيين إلى الانصهار في بوتقة واحدة هي الحضارة العربية، مع احتفاظ كل منهما بأصالته الدينية وخصوصيّات تقاليده. ويشكل هذا التراث الحضاري المشترك ضمانًا لاستمرارية التفاعل الذي يواجه اليوم مستجدّات لا بدّ من استيعابها، وإمكانات لا بدّ من بلورتها، وتحدّيات لا بدّ من مواجهتها. وهذا كله يفتح الأبواب واسعة أمام مستقبل هذه الخبرة بكل حيويّتها وأصالتها.

١١. على المستوى الثقافي

         ظهر التلاقي الإسلامي المسيحي في الماضي على المستويين الثقافي والشعبي.

أمّا على المستوى الثقافي فقد تعاون رجال العلم المسلمون والمسيحيون وعملوا جنبًا إلى جنب لإرساء أركان حضارة مشتركة، تحوّلت فيما بعد إلى منارة للإنسانية طيلة عصور كثيرة متعاقبة. واستمر هذا التعاون مدى الأجيال وظهر بنوع خاص في العصور الحديثة. وهذا إرث نفتخر ونعتز به، لأنه مرجع من مراجع تأصّلنا وأصالتنا وغنى عيشنا المشترك.

عندما وجدت اللغة العربية طريقها إلى الجماعات المسيحية في منطقتنا، على اختلاف انتماءاتها الكنسية، أصبحت في الغالب وبسرعة أداة تعبيرها اللاهوتي والكنسي والطقسي واليومي. وهذا ما أسهم في بناء جسور التواصل بينها وبين هذا العالم الجديد الذي نشأ، كما أسهم في الوقت عينه في إعادة التواصل الثقافي بين مختلف كنائسها، بعد عهد من القطيعة والغربة.

إن التراث العربي المسيحي هو الوجه المشرق لهذا الغنى الثقافي في الكنائس المسيحية المختلفة في ظل الحضارة العربية. ولا بدّ من القول إن جزءًا كبيرًا من هذا الفكر نما وترعرع في علاقة بالإسلام، وهذا يعطيه طابعه الخاص والمميّز ضمن التراث المسيحي العام. ولقد أتاح التسامح الديني السائد في الحضارة العربية والإسلامية قيام حوارات دينية جادّة بين مسلمين ومسيحيين تجدر الإشارة إليها، بالرغم من روح الجدل العقيم الذي اتّسم بها بعضها أحيانًا.

١٢. على المستوى الشعبي

         وأمّا على المستوى الشعبي، فقد اندمج المسيحيون والمسلمون في مجتمع واحد يتقاسمون فيه العيش والملح، ويقف الواحد منهم إلى جانب الآخر في السرَّاء والضرَّاء، في ظل قيم مشتركة، وأنماط حياة خاصّة تجمعهم وتوحّدهم. وتكوّنت عادات وتقاليد لا تزال حتى اليوم تميّز مجتمعنا وتدمغه بطابعها الخاص، لا فرق في ذلك بين مسلمين ومسيحيين. وطوّر الطرفان حكمة شعبية خاصّة بهم، تتّسم بالرزانة والتعقّل والصبر، استمداها من حضارتهما المشتركة، يواجهان بها ظروف الدهر والخلافات التي يمكن أن تطرأ عليهما.

         واليوم، بينما نواجه قضايا الحاضر ونتحسّس سبل المستقبل، يجدر بنا أن نستلهم هذه الحكمة الشعبية الأصيلة، التي صقلتها أجيال من التلاحم وأورثتنا إياها وبها نواجه المشاكل اليومية التي لا يخلو منها أي مجتمع من المجتمعات. إن ذاكرتنا الجماعية المشتركة ضمان لديمومة عيشنا المشترك.

١٣. سلبيات وظلال

         مع كل هذا لا نودّ أن نغضّ الطرف عن السلبيّات التي علقت بهذه الخبرة. وقد يكون ذلك من صلب كل خبرة تاريخية. إنّ الظاهرة التي ذكرناها هي واقع تاريخي حيٌّ لا يمكن أن تخلو جوانبه المضيئة من ظلال. فقد عشنا معًا أيضا فترات صعبة من التصلّب والقسوة والتعدّي.

ولقد لعبت دورًا مهمًّا في هذه الفترات الصعبة حساباتٌ سياسية وظروف نفسية واجتماعية واقتصادية ونزعات تعصّب ديني وأمزجة حكّام متقلّبين ونزعات طائفية وحروب دينية، وغيرها من العوامل. ومن الطبيعي أن تخلّف وراءها لدى الطرفين رواسب نفسية واجتماعية، لا بد من أن نأخذها بعين الاعتبار، لنعمل على تشخيصها ومداواتها، بينما نقف الآن على عتبة حقبة جديدة من علاقاتنا المتبادلة. فمن لا يتصالح مع ماضيه بكل جوانبه يظل عاجزًا عن مواجهة حاضره ومستقبله مواجهة سويّة.

١٤. نداءات الحاضر

         تشكّل خبرة الماضي حافزًا على الإصغاء إلى نداءات الحاضر. فكل خبرة تاريخية تأخذ دورها الفعّال في حياة الشعوب بقدر ما تحتفظ بديناميّتها المستمرة. وإلا فإنها تتجمّد وتتحوّل إلى أطلال نتوقّف عندها متغنّين بأمجادها من غير أن يكون لها الدور الفعّال في حياتنا. فالمتغيِّرات العميقة التي تتعرّض لها منطقتنا تقتضي منا أن ندخل في خفايا خبرات الماضي لتكون منارة لنا. وما ينطبق على حياة الشعوب عامة ينطبق أيضاً على خبرة العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين في العالم العربي. وهي خبرة يجب أن نحافظ على حيويتها لتتنقّى وتتعمّق وتترسّخ في وجداننا الحضاري ولتتجدّد وتتماشى مع الظروف الحالية المستجدّة والدائمة التغيّر. ومما لا شكّ فيه إن العيش المشترك هو من القضايا المهمّة التي تواجه بلداننا، لأنّه عليه يتوقّف إثراء الوطن بطاقات جميع أبنائه أو حرمانه منها.

١٥. مسؤولية متبادلة

         وفي هذا المجال، نود أن نذكر ما قلناه في رسالتنا السابقة حول مسؤوليتنا المتبادلة في هذا الميدان، لأننا نعتقد أنه يشكل منطلقًا يضع جميع المؤمنين من الديانتين أمام مسؤولياتهم التاريخية: “في زمن المخاض الحالي الذي يجتاح عالمنا العربي، يبقى أنّ إحدى المشاكل الكبرى التي يواجهها، هي علاقته مع جميع الفئات الوطنية على اختلاف معتقداتها، ولا سيما مع المسيحيين الذين شاركوه العيش والملحمنذ قرون طويلة. وهذا ما يلقي على المسيحيين والمسلمين مسؤولية متبادلة.

فالمسلمون يتحمّلون مسؤولية كبرى في هذا المجال لأنهم يكّونون العدد الأكبر في المنطقة، فهم مدعوّون إلى طمأنة المؤمنين المسيحيين الذين يعيشون معهم في الوطن الواحد. فإذا ما أراد المسلمون في الشرق العربي أن يطوّروا أي مشروع لنظام اجتماعي وسياسي، فلا بدَّ من أن يأخذوا بالحسبان الجماعة المسيحية بشكل يعطيها الثقة. ولا يكفي المحافظة على حقوقها الدينية فقط، وإنما الذي يبعث على الاطمئنان هو اعتبارها جزءًا لا ينفصل عن حياة المجتمع، وأنّها كاملة العضوية في الجماعة الوطنية، بكل ما لهذه الجماعة من حقوق وواجبات.

والمسيحيون من جانبهم يتحمَّلون مسؤولية مماثلة تدعوهم إلى التخلّص من بعض المواقف الاجتماعية والنفسية السلبية التي خلّفها لهم التاريخ. وانّ إيمانهم قادر على أن يحرّرهم من كل ما يَحُول دون قبولهم لذواتهم ودون تلاقيهم مع الآخر، فيتحوّل حضورهم إلى التزام إيجابي وصادق وحازم في حياة مجتمعاتهم“.

١٦. قضايا راهنة

         لا يسعنا، ونحن نواجه الحاضر، إلا أن نلفت النظر إلى بعض القضايا الراهنة، لما لها من تأثير على العيش المشترك وتعميق جذوره وتوطيد أركانه. ونذكرها على سبيل المثال لا الحصر، لأن مجالات العيش المشترك واسعة ومتشعّبة تشمل مجالات الحياة كلها التي لا تُعَدّ ولا تُحصى. نتوقف هنا عند المشاركة في الحياة العامة، وعند الأسرة والتربية الدينية والجهل المتبادل أو الأفكار المسبقة التي تشوّه صورة الآخر.

         ونرجو أن تكون هذه القضايا مادة حوار وتبادل آراء بين الإخوة يعزّز التلاقي والتآخي. ولنا أمل ثابت بأنّ مجتمعاتنا قادرة على حلّ مشاكلها، في جوٍّ من الصفاء والصدق والمصارحة. وعلينا أن نتحلّى بالصبر والتفهّم والحِلم والفطنة، التي لا يخلو منها مجتمعنا بالرغم من جسامة التحدّيات المختلفة التي يواجهها.

١٧. المشاركة في الحياة العامة

         أولى هذه القضايا هي المشاركة في الحياة العامة في جميع أوجهها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية وغيرها. إن المشاركة في الحياة العامة حقّ لكل مواطن وواجب عليه. وهذا ما يتطلب من المجتمع نفسه أن يوفّر الشروط المؤاتية الضرورية التي تكفل ممارسة هذا الحق والقيام بهذا الواجب.

فمن حق كل فئة وطنية أن تُسهم في بناء المجتمع بجميع مجالات الحياة الوطنية فيه (أجهزة الدولة والمؤسسات العامة والخاصة والوظائف والمصالح الاقتصادية وغيرها). وهذا يعني ألا يُهَمَّش أحد لسبب انتمائه الديني أو لأيّ سبب من الأسباب، بل تُتاح الفرص لكل مواطنٍ، أيًا كان، ومهما كانت عقيدته، لكي يجد موقعه في الحياة العامة بعيدًا عن الحدود والحساسيات الطائفية.

ومن ناحية أخرى، فمن واجب كل فئة وطنية مهما كان انتماؤها الديني أن تولي الشأن العام وخدمة المجتمع جُلّ اهتمامها، فتقوم بواجبها بكل تفانٍ وصدق وأمانة بعيدًا عن النزعات الانعزالية التي تحرم المجتمع عطاء جميع أبنائه.

لا يزال الطريق أمامنا طويلا قبل أن نصل إلى مجتمع تتكافأ فيه الفرص للجميع، بعيدًا عن أي تمييز. ومع ذلك لا بد من مواصلة الجهد في هذا الاتجاه.

١٨. الأسرة

         والمجال الثاني هو الأسرة وكل ما يتصل بها، ولا سيما الزيجات المختلطة بين المسلمين والمسيحيين والتي قد تُحدث المآسي في البيت والمجتمع. وقد يحصل أحياناً إن بعض المسيحيين أنفسهم، لافتقارهم إلى العمق الديني، يستغلّون حماية القوانين الدينية الإسلامية، ليتهربوا من واجباتهم الزوجية والأسرية. ومهما كانت القوانين الدينية في الإسلام والمسيحية مختلفة، ومهما كان من الصعب التوفيق بينها، فإن هذا لا يعفي المسؤولين وأولي الأمر في كلا الديانتين من تنظيم الأمور وتلافي ما يعكّر صفو المجتمع الواحد. ومن الملاحظ أيضاً إن المتهربين من واجباتهم الزوجية، واللاجئين إلى قوانين الدين الإسلامي، قد لا يهمّهم غالبًا أمر الدين في شيء، وإنما هم فقط مستغلون للدين وأصحاب أغراض أنانية.

والمهم في الأمر أنه لا بد من إيجاد آلية اتصال بين الطرفين، تناقش بموجبها كل حالة بمفردها، فلا يشعر أيّ طرف بالكبت أو الغبن. وهذا بدوره يساعد على إر