الرسالة الراعويّة الثانيّة لبطاركة الشرق الكاثوليك

نشرت بتاريخ: April 27 Thu, 2017

الرسالة الراعويّة الثانيّة لبطاركة الشرق الكاثوليك متوفرة باللغات التالية:

 الحضور المسيحي في الشرق

شهادة ورسالة

رسالة بطاركة الشرق الكاثوليك

في مناسبة انعقاد اجتماعهم في القاهرة

من ١٧ إلى ٢٢ شباط ١٩٩٢

اخوتنا الأساقفة

أبناءنا وبناتنا،

عليكم أوفر النعمة والسلام

مقدمـة

تحيةٌ وشكر

١. بهذه التحيّة الرسوليّة (١ بطرس ١: ٢)، نستهل هذه الرسالة الراعوية المشتركة التي انبثقت من الاجتماع الثاني لمجلسنا، الذي عُقد في القاهرة ما بين السابع عشر والثاني والعشرين من شباط ١٩٩٢، في ضيافة غبطة البطريرك اسطفانوس الثاني غطاس، بطريرك الإسكندرية للأقباط الكاثوليك. وبينما نوجه إليكم هذه التحية، فإننا نشكر الله تعالى دائمًا في أمركم جميعًا ونذكركم في صلواتنا. ولا ننفك نذكر ما أنتم عليه من نشاط الإيمان وجهد المحبة وثبات الرجاء بربنا يسوع المسيح، في حضرة إلهنا وأبينا” (١ تسالونيقي ١: ٢ـ ٣).

في ضوء الفصح

٢. إننا نتوجه إليكم، يا إخوتنا، وأبناءنا وبناتنا الكاثوليك، في شرقنا الحبيب وعالمنا العربي العريق. ومن خلالكم نتوجه أيضاً إلى جميع إخوتنا، وأخواتنا المسيحيين، والمؤمنين بالله، ومواطنينا، وإلى كل إنسان ذي إرادة صالحة في منطقتنا. وبما أن هذه الرسالة تصدر في عيد الفصح المجيد، فإننا نستمطر عليكم نعمة المسيح الذي قام من بين الأموات، ووطئ الموت بالموت، ووهب الحياة للذين في القبور“. لقد قام المسيح، حقًا قام، ومنه نستمد لمسيرتنا الأرضية العزيمة والأمل بينما نتوجه إلى ملء الملكوت حيث يكون الله كلّ شيء، في كل شيء” (١ قورنتس ١٥: ٢٨)، أبد الدهور.

خبرةٌ وتفكير

٣. لقد شعت نعمة الإيمان، لأول مرة، في شرقنا، ومنه وصلت إلى جميع أنحاء المعمورة. ولقد تمخضت هذه النعمة، في بلادنا ومجتمعاتنا، عن خبرة إيمانية وحضارية، غنية وطويلة، نريد أن نغذيها بدائم صلاتنا وتفكيرنا كي تواصل شق طريقها وسط ظروف دائمة التجدد والتغير. وفي كل هذا نستلهم نعمة الروح القدس الذي يرشدنا إلى الحق كله، ويعلمنا جميع الأشياء، ويذكرنا بجميع ما قاله لنا ربنا ومعلمنا يسوع المسيح (راجع يوحنا ١٤: ٢٦؛ ١٦: ١٣)، طالبين إلى هذا الروح عينه أن يقيم عندكم ويكون فيك” (يوحنا ١٤: ١٧). لقد تناول اجتماعنا الثاني معنى حضورنا المسيحي ووجه شهادتنا المسيحية في مجتمعاتنا. ونود، في هذه الرسالة الراعوية، أن نشكركم في تفكيرنا ورؤيتنا، فنسير وإياكم، مسترشدين مشيئة الله علينا، ونداءات المجتمعات التي ننتمي إليها. وتأتي هذه الرسالة الراعوية استمرارًا للحوار الذي بدأناه معكم في الرسالة الأولى التي وجهناها إليكم، إثر اجتماعنا الأول في لبنان (٢٤ آب ١٩٩١).

١. مستجدات ومتغيرات

أ) في العالم

وحدة وتواصل

٤. يشكل العالم اليوم وحدة متواصلة بفضل وسائل الاتصال الدائمة التطور. لقد أصبح عالمنا أشبه ما يكون بمدينة كبيرة تتواصل أطرافها، وتتفاعل فيما بينها، وتؤثر جزئياتها في مجمل الجسم البشري تأثيرًا متبادلاً. وعليه فليس من الممكن اليوم أن تظل أية جماعة بشرية بمعزل عن مسيرة التاريخ، متفرجة أو محايدة إزاء ما يجري حولها. إن تضامن البشرية في السراء والضراء لهو إحدى العلامات الكبرى التي يعيش عالم اليوم في ظلها. وهذا ما يدعونا إلى أن نلقي نظرة، ولو سريعة وجزئية، إلى ما يجري حولنا وفي كنائسنا، حيث إن حضورنا المسيحي في الشرق يتحدد ضمن هذه البيئة وفي إطارها.

متغيرات وصراعات

٥. نشأ في السنوات الأخيرة واقع جديد على الساحة الدولية، وحدثت متغيرات عميقة لا ندري حتى الآن ما ستؤول إليه من نتائج. ولا تزال هذه المتغيرات تتفاعل في جميع مناطق العالم، وتحمل الدول والمجتمعات إلى إعادة النظر في حساباتها لتحدد موقعها وموقفها في هذه الظروف المستجدة. وفي وسط هذه المتغيرات دفنت صراعات لتحل مكانها صراعات أخرى، ضمن توزيع جغرافي وسياسي جديد. وهذا ما أدى إلى تساؤلات كثيرة تقلق المجتمع الدولي، وتشحذ ما فيه من طاقات لإدارة هذه الصراعات بشكل يؤول إلى خير البشرية وسلامها وطمأنينتها واستقرارها. وريثما تصل الأمور إلى ما ترجوه الأسرة البشرية وتتمناه، لا تزال مجتمعات بأكملها تعاني مما فجرته هذه المتغيرات من صراعات، مع ما تخلفه من آلام ودمار وضغائن. وعليه فبينما يسير العالم نحو الاستقرار المرجو، تحرك البشرية طموحات عظيمة وتنتابها تعثرات مقلقة تعبث بمصير العالم أكثر من أي وقت مضى.

النظام العالمي الجديد

٦. لقد نوهنا في رسالتنا الأولى بما راح يعرف اليوم بـ النظام الدولي الجديد، الذي تبحث عنه الأسرة الدولية، والذي لا يزال قيد المجهول. فإذا كان المقصود بهذا النظام مناخًا هادئًا ومنشرحًا ومنفرجًا يستطيع العالم من خلاله أن يعالج مشاكله الكثيرة والمستعصية لخير البشرية جمعاء، فإنه من حقنا أن نرى فيه أملاً جديدًا للبشرية وهي تسير نحو الألف الثالث من تاريخها الميلادي. أما إذا تحول هذا النظام إلى حالة من استئثار قوى معينة بمصير العالم بحيث توجهه وفق مصالحها وأنانياتها، فهذا ما يضع علامة استفهام كبرى حول وضع البشرية في المستقبل. لا يزال البحث جاريًا، ومن السابق لأوانه أن نجزم بأن الكلمة الأخيرة قد قيلت. ونأمل أن تكون هذه الكلمة كلمة خير تعزز قواعد العدل والسلام والنمو للبشر أجمعين.

الشمال والجنوب

٧. إن المستجدات المفاجئة والمثيرة التي حصلت في أجزاء مهمة من الكرة الأرضية ـ والتي نرجو، بالرغم من المعاناة والصراعات التي ترافقها، أن تكون في صالح شعوب تلك المناطق ـ لا يمكن أن تنسينا أن إحدى المشاكل الكبرى التي تواجه البشرية اليوم هي الوضع في العالم الثالث والعلاقة بين الشمال والجنوب، الشمال الصناعي المتقدم، والجنوب الفقير النامي. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يتعامل النظام العالمي الجديد مع هذا الواقع المأساوي؟ هل يتمخض ما يجري عن تعامل إيجابي وحقيقي بين الشمال والجنوب؟ هل يأخذ هذا التعامل بعين الاعتبار تطلعات شعوب الجنوب ومشاكلها؟ هل يعمل على تلبية الحاجات الحقيقية، الحضارية والتنموية والاقتصادية والاجتماعية، لهذا الجزء المعاني من عالم اليوم، محترمًا خصوصياته وتطلعاته وأمانيه؟ هل يعطى العالم الثالث الفرصة بأن يسمع صوته، ويحدد شكل مساهمته في تطور البشرية، أم أنه يحكم عليه بأن يظل تابعًا متخلفًا لا حول له ولا قوة؟الأسئلة كثيرة ومهمة وملحة ومصيرية.

العيش معًا

٨. وفي وسط كل هذا يبقى التحدي الأكبر الذي يواجه البشرية اليوم، وهو مشكلة العيش معًا بين مختلف العائلات البشرية. ولا نغالي إذا قلنا إن جميع المشاكل التي يعاني منها عصرنا إنما هي فروع وامتداد لهذه المشكلة الأساسية. يمتاز عالمنا الحالي بوعي الشعوب والفئات المتعددة بفرادتها وأصالتها. وكثيرًا ما يؤدي ذلك إلى صعوبة التوفيق بين هذا الوعي وبين متطلبات السلام وحسن الجوار، داخل الوطن الواحد وبين مختلف البلدان أو المناطق، مما يعكر صفو العلاقات البشرية ويفجر الأزمات التي غالبًا ما تتحول إلى اقتتال دام. وعليه يبقى السؤال الملح الذي تواجهه البشرية اليوم: كيف يمكن أن نعيش معًا في الاحترام والسلام مع التعددية التي يمتاز بها عالمنا؟ كيف أن نحول التعددية من ذريعة للتنافر والتناحر إلى دعوة للتواصل والتكامل؟ هل يتغلب منطق إما أنا وإما هوأو منطق أنا وأنت؟ذلك هو السؤال.

ب) في عالمنا العربي

طرف أساسي

٩. يشكل العالم العربي، على تعدد بلدانه وأنظمته السياسية والاجتماعية، وشعوبه وأقلياته واتجاهاته، وحدة جغرافية وثقافية متميزة. ولا يعيش عالمنا هذا بمعزل عن المتغيرات والمستجدات التي تجري حوله، لأنه يشكل جزءً هامًا من العالم، يتفاعل معه على كل الصعد وفي جميع المجالات، مع كل الانعكاسات الإيجابية والسلبية التي ينطوي عليها هذا التفاعل. لا بل يمكن القول إن العالم العربي طرف أساسي ومؤثر في لعبة المتغيرات والمستجدات والصراعات والتساؤلات بسبب موقعه الجغرافي، وروابطه الحضارية، وغنى موارده الطبيعية وأهمها النفط، والمعضلات السياسية التي تجتاحه والتي تتسم بطابع دولي يهم العالم بأسره. وهذا ما يعطي العالم العربي أهمية خاصة في الصراع العالمي، ويلقي على كاهله مسؤولية مميزة عند البحث عن السلام والاستقرار للعالم كله. وهذا أيضًا ما يفسر لماذا تحولت منطقتنا إلى بؤرة صراعات دولية، كما قلنا في رسالتنا الأولى، تضني شعوبه وتقلق العالم.

مخاض حضاري

١٠. يعاني العالم العربي، لكونه جزءًا من العالم الثالث، من مخاض حضاري عميق. فهو عالم يبحث عن ذاته، وعن صيغة لوجوده، وعن موقع له في عالم اليوم يستطيع من خلاله أن يكون عنصرًا إيجابيًا في صنع الحضارة الإنسانية، والمساهمة في تثبيت دعائم الاستقرار والسلام، إنطلاقًا من أصالة هويته وفرادة تراثه. ويجري هذا البحث وسط تحولات اجتماعية وجغرافية ـ سياسية واقتصادية وثقافية عميقة، ووسط صعوبات جمة، داخلية وخارجية، تجعل ميلاده عسيرًا لا يخلو من مد وجزر، ومن إنجازات وتعثرات. وفي هذه المعاناة التاريخية يشعر أن العالم ينظر إليه من خلال قوالب لا يتعرف على نفسه فيها، وهذا ينعكس على موقفه هو من العالم، وعلى نظرته إليه، فينشأ بين الطرفين توتر يصعب أحيانًا التحكم بآليته السلبية.

تحديات

١١. إن المشاكل التي ينطوي عليها هذا المخاض كثيرة ومتشعبة ومعقدة نذكر منها، على سبيل المثال لا الحصر، التراث والحداثة، الاستقرار السياسي، النظم السياسية والاجتماعية، التنمية الاجتماعية والاقتصادية، الوحدة في التنوع بعيدًا عن الانقسام والتفتت، الدين والمجتمع، الحريات العامة ومنها الحرية الدينية وحرية الضمير، مشاكل العدل والسلام وحقوق الإنسان بما فيها حقوق المرأة، التعامل مع الأقليات على اختلاف أنواعها، موقفه من عالم متنوع ومتعدد ومتطور. يعيش الإنسان العربي في خضم كل هذه المشاكل، يبحث عن ذاته وهويته بين ذاكرة الماضي وأبواب المستقبل. وأمام هذا الرهان التاريخي يتقرر مصيره ومستقبله بقدر ما يستوعب هذه التحديات، ويحدد عناصرها المتشابكة، ويتحكم بآليتها، ويعمل على معالجتها بتأن وحكمة ودراية وصبر، خدمة للإنسان في هذه المنطقة الحساسة من العالم.

مشاكل حالية

١٢. بالإضافة إلى كل هذا يعاني العالم العربي من قضايا سياسية ملحة تخيّم على مسيرته ومصيره بعد أن كانت عنصرًا أساسيًا في المتغيرات الحاصلة فيه. إن الطابع الدولي الذي تتسم به هذه القضايا، والأطراف المتعددة المتورطة فيها، تزيد من تعقيدها. وفي مقدمتها تأتي القضية الفلسطينية التي أثّرت تأثيرًا عميقًا على التاريخ الحديث للمنطقة، وهزّت الضمير العربي هزة عميقة، ولا تزال وجهًا أساسيًا من معاناته ومخاضه، بينما يظل الشعب الفلسطيني ضحية الظلم والقهر والمعاناة. أما المسألة اللبنانية فإنها لا تزال معلّقة بعد الآلام والويلات التي جرتها على جميع الأطراف، لا سيما اللبنانية منها والفلسطينية. أضف إلى ذلك الحروب الكبيرة أو الصغيرة التي حصلت وتحصل في أطراف بلدان العالم العربي أو بينها مخلّفة الويلات والدمار والمعاناة، نخص منها بالذكر مأساة الشعب العراقي، الذي ينتظر الخروج من العزلة والحصار اللذين فرضا عليه، ليعود إلى المساهمة في حياة الأسرة العربية والدولية. نقول هذا في الوقت الذي تتوجه فيه الأسرة الدولية والأطراف المعنية نحو معالجة هذه المشاكل وحلها. وإننا نرجو الله أن تكون هذه التوجهات والمبادرات الجارية فرصة حقيقية وجادة لحل المشاكل القائمة حلاً عادلاً ودائمًا وشاملاً، ولإقامة نظام عادل يكفل للجميع حريته وكرامته، ولتدعيم علاقات إقليمية ودولية، جديدة وإيجابية، لخير جميع شعوب المنطقة بغير استثناء.

ج) في كنائسنا

كنائس حية

١٣. لا تشكل كنائسنا بمؤمنيها جزرًا منعزلة أو جسمًا غريبًا يعيش على هامش حركة التاريخ، بل هي كنائس حية تعيش في خضم التفاعلات العالمية والإقليمية، تتأثر بها، لا بل وتؤثر فيها. إن جماعاتنا المسيحية خميرة تجد موقعها الطبيعي في العجينة البشرية (راجع متى ١٣: ٣١)، وتتفاعل باستمرار مع ربها ومع نفسها ومع بيئتها. تتفاعل مع ربها لتكتشف بهدي من إيمانها مشيئته عليها؛ ومع نفسها ـ بفكرها وروحانيتها وتراثها وخبراتها ـ لتجد فيها بذور دعوتها وتجددها؛ ومع مجتمعاتها لتصغي إلى نداءاتها ومعاناتها واحتياجاتها. وفي وسط هذا كله تكتسب وجهها المميز، وعطاءها الفريد، وأصالتها التي تمتاز بالقدم والتجدد الدائم. وفي هذا المنعطف التاريخي الذي نجتازه، والحافل بالتفاعلات والمتغيرات والتحديات، عالميًا وإقليميًا ومحليًا، تقف كنائسنا وقفة تفكير وتأمل لتجدد أمانتها لله وللإنسان.

نذكر ونشكر

١٤. ولا يسعنا في هذا المجال إلا أن نعرب عن شكرنا لله لما تختبره كنائسنا من تجليات الروح في حياتها ومسيرتها الأرضية. فالروح القدس يسكن كنائسنا، ويعمل فيها، ويجدد شبابها، لأنه الروح الذي يعمل كل شيء جديدًا (رؤيا ٢١: ٥). وهذا ما يثلج صدورنا ويشجعنا على مواصلة المسيرة وإياكم بكل ثقة، مهما كثرت الصعوبات وتراكمت التحديات. ففي كنائسنا نشهد اليوم حركة واسعة من التفكير الجاد والمسؤول والخلاق الذي يرمي إلى إبراز هويتنا الإيمانية والكنسية والمجتمعية، الآن وهنا. وينبت هذا التفكير، متزامنًا متشابكًا، في مختلف الفئات والكنائس المسيحية ليصب كله، بالرغم من تنوع الظروف التي ينطلق منها، في بوتقة المسيرة الكنسية الواحدة في شرقنا العزيز. ولا يتوقف الحد عند التفكير بل يتعداه إلى الترجمة الفعلية في مختلف المجالات، نذكر منها الحياة الكنسية، والحياة الليتورجية، والعمل الاجتماعي، والالتزام بالحياة العامة بكل أوجهها، ومشاركة العلمانيين المتنامية في حياة الكنيسة، والنضج في الإيمان لدى مختلف قطاعات الشعب المؤمن، ونمو الدعوات إلى الحياة الكهنوتية والرهبانية وسائر أشكال الدعوة في الكنيسة، وغير ذلك من المجالات. إن بذور التجدد المختلفة، التي أخذت تنمو في كنائسنا، لهي مؤشر خير لحيويتها ومستقبلها.

ونتساءل

١٥. إن بذور التجدد هذه تتزامن مع شتى الصعوبات والعقبات والمشاكل التي يجدر بنا أن نتأمل فيها ونواجهها ونحن ننظر إلى المستقبل. إننا لا ننسى ما يساورنا وإياكم من قلق ومخاوف في هذا المنعطف التاريخي المثير والصعب الذي نعيشه. إننا ننظر إلى أنفسنا في بعض الأحيان، وإذا بنا أشبه ما نكون بسفينة تشق طريقها وسط الأمواج والعواصف. وهذا ما يوقظ في قلوبنا الخوف من الحاضر والمستقبل، على أنفسنا وعلى وجودنا، وعلى أصالتنا وهويتنا، مع ما يولده هذا الخوف أحيانًا من شعور بالإحباط واليأس. إن الصعوبات الجمة والحقيقية التي تتعرض لها جماعاتنا المسيحية، في كل آن في حياتها اليومية، لا تغيب عن أذهاننا. وتأتي هذه الصعوبات من التوترات التي قد تنشأ في كل كنيسة على حدة لسبب أو لآخر، أو من حالة الفرقة والتباعد بين الكنائس المختلفة في شرقنا، أو من علاقتنا مع الآخرين التي لا تسودها دائمًا روح الأخوة والاحترام، أو من حالة عدم الاستقرار المزمن الذي نعيشه في منطقتنا. وهذا كله يولّد فينا تساؤلات كثيرة ومقلقة تجعلنا نعيش في توتر دائم جرحًا فاغرًا يستنزف دماءنا، ويحد من حيويتنا، ويضع علامة استفهام على وجودنا وشهادتنا.

وندعو

١٦. ومع ذلك نتذكر جميعًا أن إيماننا بالمسيح هو مصدر طاقة روحية جبارة سكنت فينا في الماضي وعبرت بنا وسط الصعوبات وتقلّبات التاريخ العاتية. وهي الطاقة التي تواكب حاضرنا ومستقبلنا لتعطينا الثقة بأنفسنا والطمأنينة في مسيرتنا. إن المسيح يرافقنا وسط الأمواج والعواصف ليقول لنا: “ما لكم خائفين، يا قليلي الإيمان؟” (رومة ٣: ١٨). إن إيماننا قوة محررة تعتقنا من رواسب الخوف التي تنتابنا بسبب الصعوبات. إن كنائسنا كنائس فصحية، والتوتر شكل من أشكال الحياة بما تنطوي عليه من موت وقيامة. ولهذا فإننا ندعو جميع المؤمنين في بلداننا إلى التفكير والعمل، مهما كانت الصعوبات، متجذرين في مسيحهم وكنائسهم ومجتمعاتهم، وسائرين بروح الإيمان والفرح، ومتذكرين دومًا أن آلام هذا الزمن الحاضر لا تعادل المجد الذي سيتجلى فينا” (أعمال الرسل ١: ٨.).

٢حضور إيمان وصلاة

حضور

١٧. بعد أن استعرضنا وإياكم الظروف العالمية والإقليمية والكنسية التي نعيش فيها، نود الآن، في وسط هذا كله، أن نحاول تحديد بعض معالم دعوتنا ورسالتنا في ضوء إيماننا. ولقد اخترنا الحضوركواقع إيماني يرافق تفكيرنا، ويوحد أطرافه، ويحدد اتجاهه العام. ويعني الحضور أن نكون في وسط المجتمع الذي نعيش فيه علامة لحضور الله في عالمنا، مما يدعونا إلى أن نكون معو فيو من أجل، لا ضدأو خارجأو على هامشالمجتمع الذي نعيش فيه. وهذا مطلب أساسي من متطلبات إيماننا ودعوتنا ورسالتنا. ويقف الحضور بين نقيضين: الانعزال والذوبان. وكلاهما شر قاتل. فالانعزال يلغي رسالتنا، والذوبان يقضي على هويتنا. أما الحضور الأصيل فهو ضمان لهذه وتلك، إذ يعمق أمانتنا لله ولأنفسنا وللمجتمع الذي أراده الله مكانًا لمسيرتنا الأرضية.

حضور رسالة وشهادة

١٨. إن حضورنا المسيحي لا يريد أن يكون حضورًا من أجل ذواتنا، لأن السيد المسيح لم يؤسس كنيسته كي تبقى في خدمة نفسها، بل لتكون شاهدة وصاحبة رسالة هي رسالة مؤسسها ومعلمها بالذات. إن إسقاط الشهادة والرسالة من حياتنا المسيحية ومسيرتنا الكنسية إنما هو إلغاء لذواتنا وللهدف الذي من أجله دعانا مخلصنا. تكون الكنيسة كنيسة المسيح حقًا بقدر ما تكون علامة لمحبة الآب الخلاصية للبشر بنعمة السيد المسيح وبقوة الروح القدس. لقد حدد السيد المسيح معنى حضورنا بقوله: “تكونون لي شهودًا” (أعمال الرسل ٢: ٣٢.). واستجاب الرسل لتلك الدعوة: “ونحن شهود على ذلك” (رؤيا ١: ٥؛ ٣: ١٤). ولقد عبر قداسة البابا يوحنا بولس الثاني عن هذا الوجه من الحياة المسيحية والكنسية بقوله: “الوجه الأول للرسالة هو شهادة الحياة المسيحية التي لا غنى عنها. المسيح الذي نتابع رسالته، هو الشاهدالمثالي (رسالة الفادي، رقم ٤٢، ٤٣) ونموذج الشهادة المسيحيةإن المسيحيين والجماعات المسيحية يندمجون في صميم حياة شعوبهم. وهم آياتإنجيلية بأمانتهم لوطنهم وشعبهم وثقافتهم الوطنية، ومع الاحتفاظ بالحرية التي أكسبهم إياها المسيح. (راجع متى ١٣: ٤٤ ـ ٤٦). إن الشهادة للتطويبات الإنجيلية تبقى الطريق الأول للإنجيل نحو قلوب البشر وضمائرهم. وإذا كانت الجماعات المسيحية في الشرق قد انغلقت في الماضي على ذاتها، وفقدت معنى الرسالة والشهادة بسبب ظروف تاريخية قاهرة، مكتفية بالبحث عن الاستمرار في الوجود فحسب، فإنها مدعوة اليوم إلى التحرر من رواسب الماضي لتحيي معنى الرسالة في حياتها فتنفتح على العالم المحيط بها، وتشهد لذاك الكنز الثمين الدفين، ?