Beta Version

الرسالة الراعويّة السادسة لبطاركة الشرق الكاثوليك

نشرت بتاريخ: April 27 Thu, 2017

الرسالة الراعويّة السادسة لبطاركة الشرق الكاثوليك متوفرة باللغات التالية:

معًا نحو المستقبل

الرِّسالة الرَاعويَّة السَّادِسة

معًا نحو المستقبل

هاءَنذا أجعلُ كلَّ شيءٍ جديدًا” (رؤيا ٢١/٥)

ميلاد ١٩٩٩

مـقـدّمـة

إلى إخوتنا الأساقفة والكهنة والشمامسة والرهبان والراهبات وأبنائنا المؤمنين كافة: “ها إني أبشركم بفرح عظيم يكون فرح الشعب كله: ولد لكم اليوم مخلص في مدينة داود، وهو المسيح الرب” (لوقا ٢: ١٠ـ١١).

١. البشرى السارة

         بهذه البشرى السارة نستهل رسالتنا الراعوية السادسة، التي نوجهها اليكم إثر مؤتمرنا التاسع، الذي عُقد في مقر الكرسي البطريركي الماروني في بكركي، ما بين الثالث والسادس من شهر تشرين الثاني/نوفمبر ١٩٩٩، بضيافة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير وباشتراك جميع بطاركة الشرق الكاثوليك. ومع أننا اعتدنا كلمات هذه البشرى السارة، غير أنها تكتسب معنى مميزًا، لا لأن هذه الرسالة تصدر حول الأعياد الميلادية فحسب، بل أيضًا لأنها تصدر على مشارف يوبيل السنة ٢٠٠٠ بعد ميلاد السيد المسيح وسرّ تجسده المجيد.

ان السيد المسيح هو الخبر السار، الدائم والمتجدد، الذي يخترق الأجيال، والذي نحمله اليوم في قلوبنا، أفرادًا وجماعات، ليتحوّل فينا ينبوع ماء حي يخصب حياتنا ويجدد فيها الفرح والحياة والالتزام.

٢. روحيّة الرسالة

         تستمد هذه الرسالة روحيتها من آية سفر الرؤيا: “هاءنذا أجعل كل شيء جديدًا” (٢١: ٥)، التي توجّتا بها عنوان هذه الرسالة. ان الروح القدس هو الذي يجدد وجه الأرض (راجع مزمور ١٠٤:٣٠) ووجه كنائسنا ووجه كل واحد منا. والجديد، قبل كل شيء، هو السيد المسيح بالذات، الذي يرشدنا الروح القدس (راجع يوحنا ١٦: ١٣) الى فهم دائم النمو لسرّه (راجع ١ قورنتس ١٢: ٣)، فنبلغ القامة التي توافق كمال المسيح” (افسس ٤: ١٣). ان السيد المسيح هو جديد الله في عالم الانسان. وبعد ألفي سنة من تاريخنا، لا نزال نتأمل في هذا السر العظيم لنستخرج منه كل قديم وجديد” (متى ١٣: ٥٢) فينتعش ايماننا ويتجدد فرحنا (يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصا، إنّه في المسيح، ظهر نسل جديد، وحياة جديدة، وطريقة جديدة للحياة. طبيعتنا نفسها تبدّلتبه كان بدء خلق جديد، وفيه صنع الله سماء جديدة وأرضًا جديدة، كما قال النبي“.). والجديد ايضًا هو ما تسعى كنائسنا الى أن تعيشه في المستقبل في ضوء ايمانها بالمسيح، وخبرتها التاريخية، وظروفها الحالية. والجديد، أخيرًا، الذي يوقظه الروح في كنائسنا، هو تلك الرغبة في أن نعمل معًالهذا المستقبل” (“معًا نحو المستقبلهو عنوان هذه الرسالة). بهذا الجديد نتوجه الى المستقبل بفرح وأمل، بعيدًا عن الفزع والخوف واليأس بينما نسمع صوت السيد يقول لنا: “ثقوا، أنا هو، لا تخافوا” (متى ١٤:٢٧).

٣. خصوصيّة الرسالة

         لقد اعتدنا، ايها الاخوة والابناء الأحباء، أن نوجه اليكم رسالة راعوية بعد كل مؤتمر من مؤتمراتنا بحسب الموضوع الذي كنا نتناوله ونتأمل فيه ونناقشه. غير ان هذه الرسالة تختلف عن سابقاتها لعدة ظروف رافقت مؤتمرنا التاسع. أول هذه الظروف هو اليوبيل الكبير، الذي يتفاعل في ضمائرنا جميعًا ويوقظ في مختلف كنائسنا العديد من المبادرات، التي نأمل ان تعود بالخير الروحي على جميع كنائسنا، ومن خلالها على جميع مجتمعاتنا. وثاني هذه الظروف هو المؤتمر الأول للبطاركة والأساقفة الكاثوليك في الشرق الأوسط، الذي عُقد في ايار/مايو الماضي، والذي كان خطوة جريئة وفريدة في حياة كنائسنا الكاثوليكية في الشرق. أما ثالث هذه الظروف فهو تلك الرغبة القوية والصادقة لدى الجميع في الوصول بتفكيرنا الجماعي الى حيز الانجازات العملية الملموسة، فيتحول الفكر عملاً وممارسة في حياتنا الكنسية.

ان هذه الظروف مجتمعة تدمغ رسالتنا هذه بخصوصيتها، وتجعلها مدخلاً لما نرجو ان يتسم بها عمل الكنيسة في العقود القادمة من الألف الثالث. اننا نسعى، في هذه الرسالة، الى ان نقطف ثمار التعاون التدريجي بين الكنائس الكاثوليكية الذي أخذ طريقه على أكثر من مستوى في العقود الماضية، لنجعلها نهجًا ثابتًا ودائمًا في عملنا الراعوي. واننا ندعوكم جميعًا، ايها الاخوة والابناء الأحباء، الى ان تأخذوا هذه التوجهات العملية بعين الاعتبار لتكون لنا جميعًا دليلاً الى المستقبل، ودافعًا لاتخاذ المبادرات المناسبة في مجالات العمل المختلفة.

٤. مضمون الرسالة وأقسامها

         ان هذه الظروف هي التي تملي علينا مضمون هذه الرسالة، حيث ندعوكم، ايها الاخوة والابناء الأحباء، الى التأمل معنا في هذه الظروف المختلفة، كي ندرك معًا، من خلالها، مشيئة الله علينا في هذه المرحلة التاريخية الراهنة والمهمة، فنعمل على الاستجابة لها بسخاء، وبروح الايمان والرجاء والمحبة.

في القسم الاول، نتأمل في اليوبيل الكبير، يوبيل سنة الألفين، كي يكون منطلقًا جديدًا لحياتنا الكنسية ولدعوتنا ورسالتنا.

وفي القسم الثاني، نعود الى المؤتمر الأول للبطاركة والأساقفة الكاثوليك في الشرق الأوسط، متوقفين عند معانيه الكنسية المختلفة التي نودّ ان ترسخ في كنائسنا لتصبح روحًا جديدة نستلهمها في المستقبل.

وفي القسم الثالث، نتوقف عند خطوط العمل التي نجمت عن هذا المؤتمر، لتكون برنامج عمل لكنائسنا نسعى معًا الى ترجمته تدريجيًا في الجوانب المختلفة من حياتنا الكنسية.

الفصل الأول: اليوبيل الكبير لسنة ٢٠٠٠

٥. “والكلمة صار بشرًا” (يوحنا ١: ١٤)

         يضعنا اليوبيل الكبير لسنة الألفين، قبل كل شيء، أمام هذا السر المذهل، ألا وهو سر التجسد الالهي العظيم، الذي أعلنه الملاك للرعاة خبرًا سارًا، وهو يسوع المخلص والمسيح والرب (راجع لوقا ٢: ١٠ـ١١)، والذي لخصه يوحنا الانجيلي في مطلع انجيله بهذه الكلمات المقتضبة والرائعة: “والكلمة صار بشرًا فسكن بيننا فرأينا مجده، مجدًا من لدن الآب لابن وحيد ملؤه النعمة والحق” (١: ١٤). وهو السر الذي ما انفك المسيحيون، على مرّ الأجيال، يتأملون فيه باندهاش وحمد وتسبيح. في سر التجسد، اتخذ الله زمام المبادرة، ساعيًا في طلب الانسان، وداعيًا إياه الى صورته الأصلية والأصيلة والى ملء انسانيته التي يجدها مجسَّدة في السيد المسيح، الانسان الكامل والاله الكامل ( راجع مواضيع البحث للمؤتمر الأول للبطاركة والأساقفة الكاثوليك في الشرق الأوسط، رقم ١٠).  

ان الكلمة المتجسد هو هبة الله للبشرية، هبة فاقت جميع توقعاته وانتظاراته وتوقه. في هذا السر، تلاقى الله والانسان، وتلاقت أبدية الله وزمن الانسان (أنظر المرجع نفسه، رقم ٩.). وبهذا قدّس الله الزمان وجعله، بكل ظروفه وحيثياته وخواصه، حيزًا لدعوتنا ورسالتنا وشهادتنا. لقد دخل الله، بالمسيح، التاريخ البشري ليجعله تاريخ خلاص. ونحن شهود على ذلك، إذ نعيش في التاريخ من غير ان ننسى الأبدية، وفي الأبدية من غير أن ننسى التاريخ البشري، حيث انه بالتجسد يصبح الزمن والابدية الوجهين لمشروع خلاص واحد هدفه الأخير ان يستعيد الانسان بهاء صورة الله فيه” (أنظر المرجع نفسه، رقم ٩.).

وبينما نتأمل في سرّ التجسد، ندرك تمامًا الدور، الذي أراد الله ان يخصَّ به مريم العذراء، والدة الإله، في هذا التدبير الالهي العجيب. فهي التي قبلت هذا السر (“أنا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولكلوقا ١: ٣٨)، وفرحت به (“تعظم نفسي الربّ وتبتهج روحي بالله مخلصيلوقا ١: ٤٦)، وتأمّلت فيه (“وكانت مريم تحفظ جميع هذه الأمور، وتتأملها في قلبهالوقا ٢: ١٩)، وأعطته للعالم (“فولدت ابنها البكرلوقا: ٧). وبهذا أصبحت صورة للكنيسة. فالكنيسة ايقونة مريمية تقبل سر التجسد، وتفرح به، وتتأمل فيه، وتعطيه للعالم.

اننا ندعوكم، ايها الاخوة والابناء الأحباء، الى أن تواصلوا معنا التأمل في هذا السر المدهش طيلة سنة اليوبيل كي يغمرنا ببهائه ويجدد حياتنا، الفردية والجماعية والكنسية (أنظر المرجع نفسه، رقم ٩.).

٦. من سر التجسد الى كنيسة التجسد

من سرّ التجسد وما يرتبط به من فداء وحلول الروح القدس ارتباطًا عضويًا ولدت الكنيسة، جسد المسيح السري. وعندما نذكر الكنيسة، نفكر اولاً بكنائسنا في الشرق. فشرقنا الحبيب هو المكان الذي اختاره الله لهذا التجلي الالهي الفريد، مما يجعلنا أول المعنيين بالاحتفال باليوبيل الكبير. فمن الناصرة وبيت لحم والقدس، ذاع الخبر السار في كل مكان، فوصل اولاً الى كافة أنحاء فلسطين، ومنها الى سائر بلدان المشرق حيث نشأت المراكز المسيحية الكبرى (الاسكندرية، وانطاكيا، والرها، ونصيبين وغيرها، بالاضافة الى روما والقسطنطينية). وكلنا يعلم الى أي حد كان سر التجسد محور تأمل مسيحيي الشرق (لنذكر على سبيل المثال الجدالات الحامية حول هوية السيد المسيح في الشرق في الأجيال المسيحية الأولى)، فكان التربة التي تكوّنت فيها كنائسنا الشرقية، بما فيها من تعابير متنوعة للسر الواحد، في الليتورجيا واللاهوت والروحانية والتراث والتقليد. وكلنا يعلم ايضًا كيف سعى مسيحيو الشرق، على مرّ الاجيال، الى تفسير هذا السر لاخوتهم ومواطنيهم الذين لا يشاركونهم الايمان عينه، كما يدل على ذلك التراث العربي المسيحي. وفي هذا المجال، لا نستطيع أن ننسى ايضًا أن تعدّد التعابير عن السر الواحد أدى للأسف الى شتى الانقسامات، التي لا نزال نعاني منها الى اليوم. نعم، ان كنائسنا هي كنائس سر التجسد بامتياز، المدموغة بعلامة المسيح الحي الى الأبد.

٧. سرّ التجسد ومتطلبات الحاضر والمستقبل

         ان تعاملنا التقليدي مع سر التجسد، والذي يشكل سمة من السمات الأساسية لكنائس الشرق، يدعونا الى مواصلة التأمل في هذا السر في ظل ظروفنا الحالية في هذا الجزء من العالم. ويمكن أن نلفت النظر الى ثلاث جوانب عامة لهذا التأمل:

أ. مواصلة الجهد المسكوني: لقد اختلفنا في الماضي حول هوية السيد المسيح وسر تجسده. ولكنه من المعروف ان الكنائس عامة وفي الشرق خاصة دأبت، منذ سنوات، على التحاور في ما بينها لرأب الصدع والبحث معًا عن صيغ تعبر عن الإيمان بشخص السيد المسيح توحدهم وتلمّ شملهم. اننا نرجو ان يكون اليوبيل الكبير مناسبة لنا في الشرق لإعطاء دفعة جديدة وزخم جديد لتلك الحوارات المسكونية، علّنا نكتشف، بهدي من الله وروحه القدوس، ان التعابير المختلفة لسر المسيح الواحد تتكامل ولا تتنافر، وتعبّر عن هذا الجانب او ذاك من سر المسيح الذي لا يُستقصى، والذي لا يحده وصف، ولا يسبر غوره، وذلك بعيدًا عن التصلب والتشنج والجدل العقيم، وبروح التواضع والسجود لسر كشفه الله في ملء الزمان من أجلنا ومن أجل خلاصنا” (قانون الايمان). يبقى هذا السعي المسكوني من أكبر التحديات التي تواجه كنائسنا في الألف الثالث.

ب. كنائس التجسد الآن وهنا“: لقد ذكرنا المراكز المسيحية الكبرى التي نشأت في الماضي في شرقنا بفعل سر التجسد الإلهي، وهي المراكز التي لا تزال تغذي كنائسنا بفكرها وتراثها وغناها. ولكننا لا نستطيع ان نبقى سجناء الماضي. ان هذه العواصم المسيحية الكبرى القديمة لا تعزلنا، بل انها مدخلنا الى العواصم الحالية لبلداننا (إلى القاهرة، وبغداد، ودمشق، وبيروت، وعمان، والقدس وغيرها) حيث يدعونا الله الى ان نعيش فيها سر التجسد الالهي. وهذا ما يدعونا إلى مزيد من الاندماج في مجتمعاتنا بكل ظروفها الحالية لنكون فيها شهودًا لسر لا يزال يخاطبنا كما يخاطب كل إنسان، في كل زمان ومكان.

ج. المعاني الجديدة لسر التجسد: ان التجسد سر لا نستطيع أن نسبر غوره ولا أن نستنفد جميع معانيه. ففي كل عصر من عصور تاريخنا يدعونا الله إلى اكتشاف معان جديدة وامتدادات جديدة لسر قديم جديد في ضوء تاريخنا الحالي في الشرق الأوسط. ما هي معاني سر التجسد التي يدعونا الله إلى التعمق فيها في هذه المرحلة الراهنة من تاريخنا استجابة لمتطلبات الحاضر وتحدياته ونداءاته؟ كيف نكون اليوم متجسدين على غرار المسيح المتجسد، وفي أية مجالات؟لقد سبق وتأملنا وإياكم في جميع هذه الأسئلة في رسالتنا الراعوية الثانية ( راجع الحضور المسيحي في الشرق شهادة ورسالة، خاصة الفصل الثالث الذي يحمل العنوان حضور متجسّد، الأرقام ٢٦ ـ ٣٣). وهو التأمل الذي ندعوكم الى الرجوع إليه، لأنه يتخذ معنى جديدًا وأهمية خاصة بمناسبة الاحتفال باليوبيل الكبير لسنة الألفين.

٨. دعوة إلى الصلاة والتأمل والعمل

         وهكذا ترون، أيها الاخوة والأبناء الأحباء، ان اليوبيل الكبير لا يمكن ان يقتصر على الاحتفالات الخارجية، بل من الضروري ان تُسْنِد هذه الاحتفالات وترافقها أوقات مهمة من الصمت والصلاة والتأمل والتفكير. وإننا ندعوكم جميعًا، افرادًا وجماعات، إلى مثل هذه المبادرات الروحية والتفكيرية والتأملية، لأنها الأجواء المناسبة كي يكشف لنا الروح القدس مشيئة الله علينا في شتى مجالات حياتنا الكنسية على مشارف الألف الثالث من تاريخنا. ان اليوبيل الكبير نعمة خاصة يمنحها الله لنا ويدعونا إلى أن نتأمل في جميع أبعادها ومتطلباتها لاستيعابها وعيشها. كما تعلمون، اننا نعيش في هذه الفترة التاريخية المهمة، لا بل الحاسمة، الكثير من التحديات والصعوبات والمستجدات والنداءات والآمال. وفي وسط كل هذا، نجد أنفسنا أمام خيارات، وقرارات، وممارسات، تتناسب مع هذه الفترة التاريخية. وعليه، فنحن بأمس الحاجة الى وقفة صمت وتفكير وتأمل وصلاة نلجأ فيها إلى أعماق ذواتنا، الفردية والجماعية، كي يلهمنا الله لما فيه خير كنائسنا. ومثالنا في ذلك مريم العذراء، التي كانت تتأمل بجميع هذه الأمور في قلبها (راجع لوقا ٢: ١٩) كي تستوعب ما يجري فيها وحولها وتكتشف إرادة الله عليها وتدخل في مخطط الله الخلاصي. ان هذه الوقفات من الصمت والخلوة هي التي ستغنينا وتفجر في كنائسنا طاقات عمل ونشاط في خدمة الملكوت.

٩. مع الرسائل الراعوية السابقة

         لقد دأبنا، منذ تأسيس مجلسنا، في توجيه رسائل راعوية (الرسالة الأولى بمناسبة المؤتمر الأول لبطاركة الشرق الكاثوليك، آب/أغسطس ١٩٩١؛ الثانية، الحضور المسيحي في الشرق شهادة ورسالة، فصح ١٩٩٢؛ الثالثة، معًا أمام الله في سبيل الإنسان والمجتمع: العيش المشترك بين المسلمين والمسيحيين في العالم العربي، ميلاد ١٩٩٤؛ الرابعة، سرّ الكنيسة: أنا الكرمة وأنتم الأغصان (يوحنا ١٥:٥)، ميلاد ١٩٩٦؛ الخامسة، ليكونوا بأجمعهم واحدًا: الحركة المسكونية، فصح ١٩٩٩.) حول مواضيع نعتبرها هامة. ولقد حاولنا في هذه الرسائل أن نصغي إلى حاجاتكم واهتماماتكم وآمالكم من جهة، وإلى صوت الرب فينا وفيكم. وكان الهدف من هذه الرسائل، كما قلنا في رسالتنا الثانية، أن نفتح معكم باب التفكير والتبادل والتشاور فتتمخّض عن ذلك مبادرات عملية تبلور شيئًا فشيئًا طبيعة حضورنا وشهادتنا، مجدًا لله وخدمةً للناس أجمعين” (الحضور المسيحي في الشرق، شهادة ورسالة، رقم ٥٩). للأسف، لم تصل هذه الرسائل بما فيه الكفاية إلى كافة فئات المؤمنين لخلل في التواصل في كنائسنا. وإننا ندعوكم، بمناسبة اليوبيل الكبير، إلى العودة إليها، علّها تساعدنا جميعًا على مواصلة التفكير في مثل هذه المواضيع كي نجد طريقنا إلى الألف الثالث. وإننا لمتأكدون أننا نجد فيها من عناصر التأمل والتفكير التي من شأنها أن تنير الطريق لمزيد من الالتزام والعمل.

١٠. معًا نحو الألف الثالث

         مع هذا كله، أيها الأخوة والأخوات الأحباء، نتوجه إلى الألف الثالث. وإننا متأكدون أن الله يعدّ لنا طريق مجد، وطريق المجد لا يمكن أن يكون إلا درب صليب أيضًا، لأن كنائسنا موسومة بعلامة الفصح المجيد. يقول القديس بولس، في سياق خبرته الروحية، أنه ينسى ما وراءه ويتمطى إلى الأمام ويسعى إلى الغاية (راجع فيليبي ٣: ١٣ـ١٤). إن هذه الحيوية الروحية، التي عاشها القديس بولس، دعوة لنا جميعًا إلى استيعاب الماضي لإعداد طريق المستقبل. إن الحيوية الروحية هي التي جعلتنا قادرين في الماضي على تخطي الظروف التاريخية المختلفة، وهي التي ستجعلنا ندخل المستقبل معًا بإيمان حي ورجاء متقد ومحبة متجددة. إن السيد المسيح، سيد الزمن…، ورب الكون والتاريخ، القادر، بقوة روحه، أن يجعلنا نعمل على تهيئة ربيع جديد للحياة المسيحية” (إطلالة الألف الثالث، رقم ١٠،١٨) في بلادنا، لا يمكن إلا أن نبنيه معًا.

الفصل الثاني:  الحدث والمعنى

١١. الحدث

         إن ذكر المستقبل يقودنا إلى القسم الثاني من رسالتنا ألا وهو مؤتمر البطاركة والأساقفة الكاثوليك في الشرق الأوسط. لقد عُقِدَ هذا المؤتمر في لبنان من التاسع إلى العشرين من أيار/مايو سنة ١٩٩٩، وجمع كل البطاركة والأساقفة الكاثوليك في الشرق الأوسط، بالإضافة إلى مندوبين من الكرسي الرسولي وكنائس شمال أفريقيا، وبعض المجالس الأسقفية والكنائس الشقيقة ومستمعين علمانيين، رجالاً ونساء، ومستشارين وإعلاميين، بلغ عددهم جميعًا مائتين وستين شخصًا وفدوا من مختلف البلدان. ولقد جاء هذا المؤتمر، بشكل مباشر، في سياق المبادرات التحضيرية لليوبيل الكبير، بغية تمتين العلاقات بين الكنائس عملاً بتقليد قديم يربط الكنائس بعضها ببعض في مجامع إقليمية تلتئم للتدارس والتشاور والتعاون” (البيان الختامي، رقم ١).

ولقد عُقِدَ المؤتمر تحت علامة الحياة، إذ اختار شعارًا له الآية الإنجيلية: “أتيت لتكون لكم الحياة، وتكون لهم أوفر” (يوحنا ١٠: ١٠). ولقد أشار البيان الختامي إلى هذا الشعار مؤكدًا أن الآب، في يسوع المسيح وبقوة الروح القدس، أتانا بالحياة والحياة الوفيرة ودعانا إلى التنعم بهذه الحياة“. ويضيف البيان قائلاً أن الله أفاض هذه الحياة في كنائسنا على مدى تاريخها الطويل، بما فيه من تراثات متنوعة لا تزال تتغذى منها كنائسنا، بفضل