المطران بولس ماركوتسو بمناسبة بلوغه سنّ ٧٥ من العمر: "أسير بقيادة الروح القدس" في الخدمة

بقلم: رولا شوملي - مكتب اعلام البطريركية اللاتينية - نشرت بتاريخ: June 04 Thu, 2020

المطران بولس ماركوتسو بمناسبة بلوغه سنّ ٧٥ من العمر: "أسير بقيادة الروح القدس" في الخدمة متوفرة باللغات التالية:

مقابلة مع سيادة المطران بولس ماركوتسو بمناسبة بلوغه سنّ الخامسة والسبعين من العمر

القدس - في ٢٤ نيسان الماضي احتفل المطران جياتشينتو - بولس ماركوتسو، النائب البطريركي للاتين في القدس وفلسطين، بعيد ميلاده الخامس والسبعين. وبمناسبة هذا الاحتفال الهامّ والحاسم في حياة كل أسقف، وجّه سيادة المطران رسالة شكر مؤثرة الى "عائلة" البطريركية اللاتينية عامة (الرسالة هنا): المجتمع المحلي من الرعايا والكهنة والجمعيات الرهبانية والمؤسسات الرعوية وغيرها. وكما يتطلّب القانون الكنسي بالنسبة لكلّ الأساقفة البالغين هذا العمر، قدّم سيادته رسالة استقالته الرسمية الى قداسة البابا. وأجاب سيادة القاصد الرسولي على الرسالة، معبّرا عن موقف البابا: “واصِل رسالتك ومسؤوليتك الرعوية الى ان يقبل البابا الاستقالة ويُعيّن أسقفاً جديدًا". وثبّت هذا الموقف أيضاً سيادة المدبّر الرسولي لبطريركية القدس للاتين.

مارس أبونا بولس، كما هو معروف في بلادنا، الخدمة الرعوية في بيت جالا ورام الله ككاهن مساعد ومعلم للتعليم المسيحي. كما ومارس مهامه الكهنوتية في ملكال (جنوب السودان) ككاهن رعية ومدير مدرسة. عمل سيادته طويلا في مجال التعليم في كلية رام الله وفي المدرسة الإكليريكية في بيت جالا وفي جامعة بيت لحم وفي مراكز تعليمية أخرى بصفته مختصّاً بالعلوم اللاهوتية والفلسفية والادب العربي المسيحي.

وكان دائما عنصرا فعّالا في لجان ومؤسسات كثيرة في الكنيسة عامة والبطريركية اللاتينية خاصة، مثل: مجلس الكهنة، وهيئة المستشارين، ومؤتمر الأساقفة اللاتين في الشرق الأوسط، ومستشار مجلس البطاركة الكاثوليك في الشرق الأوسط، ومجلس الأساقفة الكاثوليك في الأرض المقدسة، ولجنة المدارس المسيحية، واجتماع رؤساء الكنائس في القدس؛ وكان عضوا رسميا في اللجنة الثنائية للمفاوضات بين الكرسي الرسولي وإسرائيل؛ وفي اللجنة الفاتيكانية للحوار الديني؛ وأخيرا في المجموعة العفوية تسمّى (Brain storming) لإثارة وتحريك الأفكار الرعوية.

بإيجاز، اكتسب المطران بولس في هذه السنين الطويلة من الخدمة خبرة رعوية وافرة وفريدة في بلادنا ولأجل بلادنا (٦٠ عام في الأرض المقدسة، ٥١ عام كهنوت، ٢٧ سنة اسقفية). وبهذه المناسبة، التقى مكتب اعلام البطريركية اللاتينية مع سيادته ليتحدث لإفادة أكبر عدد ممكن من الاخوة والاخوات. ونستهلّ هذا الحوار بعرض قصير عن سيرة حياته وخدمته الرسولية.
وُلد سيادة المطران جياتشينتو - بولس ماركوتسو (Giacinto-Boulos Marcuzzo) في ٢٤ نيسان ١٩٤٥ في سان بولو دي بيافي (San Polo di Piave) في شمال إيطاليا، والتحق باكليريكية البطريركية اللاتينية في بيت جالا في ٢٥ آب ١٩٦٠، وبقسم الفلسفة واللاهوت في ١ أيلول ١٩٦٢، حيث تعلّم اللغة العربية. في ١ تشرين الثاني ١٩٦٨ سُيّم شمّاساً انجيليا وبعدها كاهناً في ٢٢ حزيران ١٩٦٩في بازيليكا الجسمانية.

في ٢٩ نيسان ١٩٩٣ عيّنه البابا يوحنّا بولس الثاني أسقفاً فخرياً لعمواس ونال السيامة الأسقفية في ٣ تموز من نفس العام في بازيليكا القيامة في القدس بوضع يدي البطريرك ميشيل صبّاح، إلى حين تمّ تعيينه في ١٠ أيلول ١٩٩٤ نائباً بطريركياً للاتين في الناصرة لمدّة ٢٣ سنة، ومن ثم نائباً عاماً في القدس وفلسطين منذ آب ٢٠١٧حتى يومنا هذا.

١.  ما هي أهم المحطات الرعوية الرئيسية في مسيرتك الكهنوتية؟

إن أولى المحطات بعد الرسامة الكهنوتية هي بالطبع خدمتي الراعوية في البلاد المقدسة عامة، وتحديداً في بيت جالا ورام الله (١٩٦٩-١٩٧٢) ككاهن رعية مساعد. وكان اهتمامي الأكبر الشباب وتعليم الدين وتاريخ الفلسفة في المدارس. وكانت خلاصة هذه الخبرة غريبة! خيبة امل في البداية أضحت تعزية قوية في النهاية. اختبرت في عمق كياني ما معنى "جاذبية الكنيسة الأمّ"، مغناطسية الأرض المقدسة بمؤمنيها، ورثة المسيحيين الاوائل، واماكنها المقدسة. وهذا ما يبرّر شعاري الكهنوتي: "الحياة لي هي المسيح" (بولس الرسول).

أما المحطّة الثانية فهي الخدمة الرسولية في جنوب السودان، وتحديدا في ابرشية ملكال ضمن رعاياها المختلفة ومعهدها الاكليريكي إضافة إلى التعليم في المدارس (١٩٧٢-١٩٧٧). اشكر الربّ على هذه القفزة النوعية في العمل الرسولي لكهنة البطريركية: تعاون كنسي صادق، تعب مثمر جدّا، تنمية اجتماعية وأنثروبولوجية جميلة، ومغامرات "انجيلية" عديدة بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ! وكنّا اول الكهنة الذين عادوا الى جنوب السودان بعد مضي ٨ سنوات من الحرب الاهلية المدمّرة، اجتماعيا وكنسيا، وطرد المرسلين الأجانب. كانت هناك حاجة ملحّة لوجود كهنة يستجيبون إلى الأعداد الكبيرة من الأشخاص المنتمين للقبائل النيلية والراغبين في دخول الديانة المسيحية، فيرشدونهم ويعلمونهم ويقدّمون لهم التنشئة الصحيحة ويقومون من ثم بمتابعتهم. وبالرغم من الوضع المادي والاجتماعي الشاقّ، كانت لنا السعادة ان نكرّس لهم عنفوان شبابنا الكهنوتي وكان العمل في الحقيقة مثمرا جدّا.  

ولا أنسى، بطبيعة الحال، ثالثاً، فترة دراسة التخصّص في اللاهوت العقائدي في روما (١٩٨٨- ١٩٨٠) وهي فترة المفاجآت و’الاكتشافات’ الرومانية: تعرّفت على آفاق فكرية ومجمعية رائعة، عشت "سنة البابوات الثلاث" و"اكتشفت”" الأدب العربي المسيحي القديم (Arab Patrology) وكان شغفي به كبيرا حيث كان مصدر شعور بالمفاجأة والسرور معاً. الأمر الذي شجّعني على الكتابة عنه في أطروحة الدكتوراة، وقمت بتعليمه في المعهد الإكليريكي وفي جامعة بيت لحم وجامعة حيفا وغيرها من المؤسسات الاكاديمية.    

خدمتي اللاحقة كانت في المعهد الاكليريكي المحبوب في بيت جالا، والتي استمرت مدة ١٤ عامًا (مع بعض الغيابات بسبب أبحاث الاطروحة) حيث كنت مدرّسا ومديرا ومشاركاً في مختلف نشاطات المعهد. وكان هذا الزمن زمن تحدٍّ وزمن الروح، زمن الرجاء والتفاؤل، زمن الاخوّة الكهنوتية الصادقة العميقة. بكلمة، كان زمن بناء سعيد جدّا. وكلّما افكّر بالمعهد أتذكر ما كتبه الرسول بولس: “فمن هو رجاؤنا وفرحنا واكليل فخرنا عند ربنا يسوع؟ أما هو أنتم؟ بلى، أنتم مجدنا وفخرنا”.

هنا نأتي الى محطّة الخدمة الاسقفية في الناصرة (١٩٩٤- ٢٠١٧) والقدس (٢٠١٧-الى اليوم)، كنائب بطريركي في إسرائيل وفلسطين. مارست هذه الخدمة وأنا في عزّ مرحلة العطاء والنضوج الرسولي في حياتي الكهنوتية، وخصوصا مع أحلى وأثمن واقوى خبرة رعوية، روحية، اجتماعية، إصلاحية وثقافية عاشتها معا جميع الكنائس الكاثوليكية في هذه الحقبة وعلى مستوى كافة أنحاء الأرض المقدّسة (فلسطين، اسرائيل، الأردن وقبرص)، الا وهي خبرة "السينودس الراعوي الابرشي العام". تركت كل واحدة من تلك المحطّات بصمتها المميّزة في حياتي ومحبّتي وصلاتي.

٢. ما هي أجمل الذكريات التي تحتفظ بها من عملك كنائب بطريركي في الجليل؟

لقد تركت هذه الخبرة في الجليل علامات مميزة كثيرة في حياتي. أكتفي بذكر البعض منها، تأثّرت بها وتفاعلت معها بصورة خاصّة. فقد اختبرت بقوة حياة الراعي والرعية أي ما نسمّيه "الأبوّة الراعوية"، من اهتمام رعوي متواصل بأبناء الرعية، من تعاون بين الكنائس وحوار بين الأديان (المسلمون واليهود والدروز) والتفاعل الثقافي والاجتماعي والتاريخي مع المجتمع متعدد الألوان في الجليل.

في هذه السنوات، (١٩٩٤ – ٢٠١٧)، كنت اتابع من الناحية الكنسية عن كثب حياة الرعايا والمدارس والجماعات الرهبانية واتّحاد الراهبات في الجليل، والاحتفالات في الأماكن المقدسة واللقاءات العديدة مع الحجّاج، كسائر الأساقفة في ابرشياتهم. بالإضافة الى ذلك، كنت شاهدا متنبّها ومتفاعلا لظاهرة روحية رسولية جميلة جدّا هي نمو وانتشار "الأخويّة المريمية" (Legio Mariae)؛ و"حركة الموعوظين الجدد"؛ وتأسيس وازدهار "المسابقات الكتابية" لنشر معرفة كلمة الله بين الجميع في رعايا مختلفة، كاثوليكية وارثوذوكسية وأنغليكانية؛ إضافة إلى تأسيس وتشجيع الحركات الشبابية.

ورحّبت، باسم البطريركية، بحركات كنسية جديدة مثل جماعة "الطريق الجديد" والمؤسسة الدولية "مركز مريم الناصرية"، وحركة "الترنيم الجديد") (Canção Nova في الناصرة، و” جماعة عمانوئيل" (Emmanuel) في طبرية، و"حركة السلام" في حيفا والناصرة، و"جماعة إخوة يسوع محبّة" ورهبنة "مرسلي المحبّة التأمّليين" للامّ تريزا. ومن بداية خدمتي الناصرية، نالت البطريركية نعمة خاصة وقبلتُ في مقرّ نيابة البطريركية في الناصرة رهبنة جديدة، هي راهبات “عائلة الناصرة المقدسة” وعشت معهن في مشاركة رعوية اخوية.

من الناحية السياسية-الاجتماعية، في هذا الزمان جرت بعض الاحداث التي أَثّرت بصورة عميقة، سلبيا او إيجابيا، في المجتمع وحتّى في الكنيسة. اذكر فقط على سبيل المثال: وصول الملايين من الروس الى إسرائيل ابتداء من ١٩٩١؛ والانشراح الشعبي الاجتماعي"Euphoria)) اثناء اتفاقيات أوسلو (١٩٩٣-١٩٩٦)، مع خيبة الامل الكبرى التي تبعت غياب محقّقي ذلك التحوّل نحو العدالة والسلام؛ و"مشكلة الناصرة" من قبل بعض المتطرّفين (١٩٩٧-٢٠٠٢). من الطبيعي، كان على الكنيسة ان تتّخذ مواقف مناسبة امام كل تلك الظروف. 

من الناحية الثقافية-الاجتماعية، كنا نلتقي في العديد من المحاور الاجتماعية والثقافية كالندوات والمحاضرات في النوادي والمراكز الرعوية وحتى في "الصالونات الثقافية البيتية"، حيث كنا نناقش مواضيع الساعة ومشاكل الكنيسة الحالية، والتقاليد الشعبية، وظاهرة الهجرة وخصوصا الأدب العربي المسيحي وحتى الغناء والموسيقى مع أبناء الرعايا والمثقفين والجامعيين. وكنت افرح كثيرا عندما كانوا يعبّرون عن اهتمامهم وسعادتهم إزاء معرفة هذا الادب وتعاليم الكنيسة، حيث شعروا بوجود تراث وتاريخ يجمعهم بالأرض والوطن والتاريخ. أذكر هنا بكل سرور الشاعر الشعبي طه محمّد علي والشاعر الزجّال سعود الأسدي والدكتور منذر قعوار والكاتبة نهى زعرب قعوار، والموسيقار الموهوب يوسف الخلّ.

ومن الناحية الليتورجية-الرعوية، سررت جدا بإحياء الأماكن المقدسة وبتقريب الكنيسة المحلية من أماكن الاسرار الانجيلية وهذا كله من تراثنا التاريخي الثمين. فكان من دواعي السرور ان نستمرّ بإقامة الاعياد التقليدية المرتبطة بالأماكن المقدسة او بتجديدها؛ او بتأسيس احتفالات جديدة، على سبيل المثال: قداس جبل التطويبات، وقداس ذكرى معجزة تكثير الخبز والسمك في الطابغة، وقداس عمواس التاريخية، وقداس قيصرية البحر، وسهرة النبي إيليا وعيد المحرقة-عسفيا ومبادرات أخرى. 

من الناحية المعمارية-المادّية، في تلك السنين وبمساعدة فرسان القبر المقّدس ومحسنين اخرين، بنت البطريركية في الجليل كنيسة جديدة في المقيبلة؛ وديرا جديدا في شفا عمرو ومدرسة جديدة في الرينة والرامة وثانوية يافا الناصرة؛ كما وتبنّت البطريركية إدارة مدرسة راهبات الناصرة في حيفا؛ واشترت قطعتي ارض مجاورة للنيابة البطريركية في الناصرة ورمّمت عليها دير الراهبات والمحكمة الكنسية ومكتب المدارس والمركز الرعوي البطريركي؛ إضافة إلى شراء قطعتي ارض بالقرب من الكنيسة اللاتينية في شفاعمرو وكنيسة قديمة أثرية في يافا الناصرة، ضمن تبادل اراض مع حراسة الأرض المقدسة. 

وهنا اسمح لي ان اعود الى الناحية الكنسية. لا بدّ أن نتوقّف قليلا عند أعظم انجاز لكنائس بلادنا المقدّسة في عصرنا وهو "السينودس الراعوي الابرشي العام"، الذي عُقد على مدى ٩ سنوات في التسعينيات والذي سجّل أثرًا هامًا جدّا في حياة الجماعة المسيحية في بلادنا. تميّز هذا السينودس بأسلوبه وتنظيمه وبالأعضاء المشتركين فيه. وأصدر في ختامه "مخطّطاً رعوياً عاماً"، وهو قد أضحى بوصلة حقيقية وبرنامجاً رائعاً لمسيرة الكنيسة في بلادنا خلال هذه الألفية الجديدة.

سينودس كان شعاره القوي "معاً"، تبلورت منه مبادرات ناجحة جدا، لأنها تتجاوب مع احتياجات الكنيسة المحلية اليوم وخصوصا مع متطلبات الإنجيل المقدس: الحوار ما بين الديانات والثقافات، والوحدة ما بين الكنائس، الوحدة ما بين الرهبان والراهبات والكنيسة المحلية، والتعاون الرعوي بين العلمانيين والاكليروس، والانسجام بين الأماكن المقدسة والجماعة المسيحية اليوم؛ إضافة إلى مركزية العائلة والمدرسة وعنصر العلمانيين، وضرورة التزام المؤمنين في الشؤون العامّة وتكاتفهم في مكافحة أسباب الهجرة. أمام هذا كله شعرت مرّات كثيرة بصحّة رسالة القديس بولس ورسالة الكنيسة: “وهدم الحاجز"، وهو شعاري الاسقفي أيضا.

اما أجمل وأسعد حدث كلّل عمل الكنيسة في بلادنا في هذا الزمان بهالة مقدّسة وأنار أيضا أيام خدمتي الكهنوتية، فهو تطويب الاخت مريم بواردي (١٩٨٣) والاخت ماري ألفونسين غطاس (في الناصرة ٢٠٠٩) ومن ثم اعلان قداستهما في روما معاً سنة ٢٠١٥. وكانت لي النعمة والسعادة ان اعمل في دعوى اعجوبة الأخت ماري الفونسين وتنظيم احتفالات تطويبها وتقديسها في الناصرة.

٣.  لقد عُرفتَ بشغفك ومحبتك للعائلات وللشبيبة والعمل معهم، لماذا؟

في عملي الكهنوتي قمت بالتركيز على مواضيع العائلة والشباب والعمل معهم، وهذا مقصود، وهنالك أسباب معيّنة جعلتني أقتنع فعلا بأهمية هذا الخطّ الرعوي. ان تجربتي مع العائلات تنبع من خبرة شخصية أولا، فعائلتي كانت محور حياتي وأصل دعوتي، والحمد لله. فجميعنا نحصل على تربيتنا الأساسية والاجتماعية من قدوة الأب والأم ومن ثم باقي أفراد الأسرة قبل وفوق كل شيء اخر، فضلاً عن الرعية والمدرسة والمجتمع. اسمح لي أن أشارك في نقطة شخصية صغيرة: في صليبي الأسقفي أحببت ان أنقش تاريخ زواج الوالد والوالدة وهو تاريخ تكوين العائلة وتاريخ مصدر خيرات كثيرة، شكرا لله على نعم العائلة.

بعد التلميح إلى هذه الخبرة الشخصية، أود أن انتقل الى السبب الثاني والأهمّ لهذا التركيز المميّز، ونجده بكلّ بساطة في مخطط العمل الرعوي الكنسي الحديث. لذا، عملت كثيرا على تنشئة الخُطّاب المقبلين على الزواج في عدة رعايا في الناصرة والجليل وحيفا وبيت لحم وبمختلف الكنائس. وعيّنني مجلس الأساقفة للإشراف على نشاطات العائلة المشتركة وانا مسرور جدا ان أرى أن مجلس الشؤون الرعوية لبطريركية اللاتين نظّمت "مسيرة العائلات" لخلق لجان رعوية للعائلات في كل الرعايا.

وهنالك سبب اخر. فقد شاركت في عدة مؤتمرات دولية للعائلات (وعددها ١٠). أهمّها بالنسبة لي هو مؤتمر ريّو دي جانيرو (البرازيل) عام ١٩٩٧، والذي في اثنائه أطلق قداسة البابا فكرة تأسيس “المركز الدولي لروحانية العائلة في الناصرة" (والذي ما زال على قيد التخطيط والإنشاء لأسباب عملية) وفي هذه المناسبة، قدّمت عائلات الناصرة ايقونة كبيرة وجميلة جدا لتكون مخصصة لهذا المركز.

أما بالنسبة للشباب، كنت مهتما بالشبيبة طبعاً وانا شماس وكاهن جديد وكاهن رعية دائما مثل كل الكهنة. وكانت لي ظروف مؤاتيه جدا ساعدتني على إعطاء افضلية، إذا صحّ القول، في العمل الرعوي لهذه الفئة المميّزة من المؤمنين. في الستّينيات، في اجواء المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، كنت بين الشمامسة الحاضرين والمشتركين، على قدر ا إمكانيتنا المحدودة طبعا، عندما أسّس الاب ميشيل صبّاح (الذي صار بطريركا فيما بعد) الشبيبة الطالبة المسيحية "ش.ط.م" (JEC, JOC) الى جانب حركة الكشّاف الموجودة في البلد منذ سنين.

امّا في الثمانينيات، فكنت كاهنا طالبا في روما عندما بادر قداسة البابا بتدشين "أيام الشبيبة العالمية"، وكانت خبرة تتمتّع بروح جديدة، بآفاق واسعة وأهداف مشجعة. ومن تلك السنة، كنت اهتمّ بتحضير الشباب ومتابعتهم لكل اللقاءات العالمية للشبيبة (١٥ لقاء)، ما عدا الأخير الذي أقيم في بناما. اذكر بتأثّر خاص أيام الشبيبة في (تشينستوكوفا Czestochowa, Polonia) عام ١٩٩١، وفي روما عام اليوبيل ٢٠٠٠ حيث كنّا ٨٥٠ شاباً وشابة من الأرض المقدسة.

٤. ما هي خطوتك القادمة في مسيرتك الأسقفية؟

لقد قمت بتقديم استقالتي لبلوغي سنّ الخامسة والسبعين، ولكن هذا لا يعني انتهاء خدمتي الكهنوتية. سأستمرّ بصفتي أسقفًا مساعدا إلى أن يقبل قداسة البابا استقالتي. أرغب في جميع الأحوال، بالتأكيد على أنني سأبقى في الأرض المقدسة وسأواصل رسالتي فيها، فأنا مستعدّ بعد ذلك لأي خدمة مفيدة تُطلب منّي، في قدر الامكان. على كلّ، لدي برنامج شيّق وطويل من الاهتمامات الشخصية والكنسية احبّ ان اكرّس لها وقتي: كالمزيد من الصلاة ومطالعة بعض الكتب، وكتابة بعض الذكريات المشتركة او بعض المواضيع الرعوية والثقافية التي أراها مفيدة للكنيسة المحلّية، والإشتراك في حياة الجماعة المسيحية في الكنيسة الأمّ.

الحمد لله، لا اعرف ما معنى الملل أو الزهق! ولا أحبّ ان أنظر الى الوراء. وبنعمة الربّ، أتطلّع الى الأمام وكما قال الرسول بولس، وكما كتبته في يوبيلي الكهنوتي: "أسير بقيادة الروح القدس" في الخدمة. فصلّوا لي وشكرا.