Beta Version

المطران ماركوتسو يتأمل في فعل الصدقة وأعمال الرحمة في زمن الصوم الأربعيني

نشرت بتاريخ: April 11 Thu, 2019

مقابلة – ها قد اقتربنا من الاحتفال بقيامة السيد المسيح من بين الأموات، وها نحن نعيش الزمن الأربعيني في ملئه، من صلاة وصوم وصدقة، حيث يتجدد المرء من خلال هذه الأعمال روحياً، ليصل نهاية هذا الزمن وهو مستعد لزيارة القبر الفارغ وللفرح بقيامة الرب من الأموات. وبعد التأمل في فعل الصلاة والصوم، نتأمل في هذا المقال فعل الصدقة وارتباطه بأعمال الرحمة من خلال مقابلة مع المطران بولس ماركوتسو، النائب البطريركي للاتين في القدس وفلسطين.

وكانَ جَماعةُ المُؤمنينَ قَلبًا واحدًا ورُوحًا واحِدَةً،

لا يَدَّعي أحدٌ مِنهُم مُلْكَ ما يَخُصُّهُ،

بل كانوا يتَشاركونَ في كُلِّ شيءٍ لهُم.” (أعمال ٤:٣٢).

إن الصدقة هي من أعمال زمن الصوم الأربعيني بصورة خاصّة، ولكنها أيضا من أعمال المؤمنين التي يقومون بها بصورة عامّة في أي زمان وأي مكانيقدّم لنا موضوع الصدقة المجال لعدّة اعتباراتلماذا؟ الى من؟ بماذا؟ وكيف؟

لماذا نتصدق؟

تنبع الأسس البشرية واللاهوتية للصدقة من مبدأ ملكية الله لجميع ما خلقفما يُمطره الله من نعم هو ملك له لخير الجميع وليس لفئة محدودة من الناسوللتعبير عن هذه الملكية الجماعية، يتوجب على المرء مشاركة ما يملكه مع الآخران الصدقة واجب على المؤمن لخلق روح المشاركة والمقاسمة والتضامن مع الآخرفمن يملك يشاطر الآخر ومن لا يملك، خصوصا بسبب الظروف المرضية أو العائلية أو الاجتماعية أو المهنية المعاكسة، أ ليس من الطبيعي أن يشترك في خيرات الجميع؟ لذلك قال آباء الكنيسة: ” انّ الصدقة من اعمال العدل“.

ونرى ممارسة هذه الروحانية الاشتراكية” في الجماعة المسيحية الأولى، كما يصفها سفر أعمال الرسل: “وكانَ جَماعةُ المُؤمنينَ قَلبًا واحدًا ورُوحًا واحِدَةً، لا يَدَّعي أحدٌ مِنهُم مُلْكَ ما يَخُصُّهُ، بل كانوا يتَشاركونَ في كُلِّ شيءٍ لهُم.” (أعمال ٤: ٣٢).

هذه هي عبقرية الصدقةانّها تجعلنا نرى في الآخر أخا وأختا لي.وتساهم في خلق الأخوّة الشاملة“. فان الخيرات التي يحصل عليها المرء هي عطية من الله، أي ليست ملكه وحده، مما يترتب على الإنسان واجب المشاركة والتعاون لخلق المساواة مع الآخر حتى لا يبقى أحد محتاج.

نحن نمارس الصدقة أيضا لأسباب روحية وايمانيةبالصدقة يتجرّد الانسان عن ذاته وعن ممتلكاته لكي يملأ نفسه بعواطف المسيح كما كتب الرسول بولس” الذي اذ كان في صورة الله، لم يحسب خلسة ان يكون معادلا للهلكنه اخلى نفسه، اخذا صورة عبد، صائرا في شبه الناس.واذ وجد في الهيئة كانسان، وضع نفسه واطاع حتى الموت موت الصليب “(فليبي٢،٨-٦). هي نوع من أنواع التقرب لله وهي احدى أعمال الرحمة التي أوصى بها الآب السماوي كونوا رحماء كما أن أباكم رحيم” (لوقا ٦: ٣٦فنحن نطلب الرحمة منه والمغفرة عن الخطايا من خلال الصدقة. “فإن أحببتم من يحبكم، فأي أجر لكم؟ أوليس الجباه يفعلون ذلك؟ وإن سلمتم على إخوانكم وحدهم، فأي زيادة فعلتم؟ أوليس الوثنيون يفعلون ذلك؟ فكونوا أنتم كاملين، كما أن أباكم السماوي كامل“. (متى ٥:٤٦٤٨).

تذهب ثمار الصدقة حتى أبعد من الأخوّة.يشبّه الانجيل المقدس عمل الخير هذا بعمل إلهيالسيد المسيح نفسه في الكلام الرائع عن الدينونة العظمىيستخدم هذه العبارة القوية جدّا: “كلما صنعتم شيئا من ذلك لواحد من إخوتي هؤلاء الصغار، فلي قد صنعتموه” (متى ٢٥:٤٠).

الى من نتصدق؟

الصدقة إذا ليست محصورة على طائفة او فئة معيّنة، بل هي منفتحة على كل انسان محتاججميل جدّا أن نرى معظم الديانات مشتركة في هذا القانون الذي يسمى بـ “القانون الذهبي“. ويقدّم لنا الإنجيل المقدس شرحا رائعا عن هذا القانون: “وكما تريدون أن يعاملكم الناس فكذلك عاملوهمفإن أحببتم من يحبّكم، فأي فضل لكم؟ لأن الخاطئين أنفسهم يحبون من يحبهموإن أحسنتم إلى من يحسن إليكم، فأي فضل لكم؟ لأن الخاطئين أنفسهم يفعلون ذلكوإن أقرضتم من ترجون أن تستوفوا منه، فأي فضل لكم؟ فهناك خاطئون يقرضون خاطئين ليستوفوا مثل قرضهمولكن أحبوا أعداءكم، وأحسنوا وأقرضوا غير راجين عوضا، فيكون أجركم عظيما وتكونوا أبناء العلي، لأنه هو يلطف بناكري الجميل والأشرار” (لوقا ٦:٣١٣٥).

ان بعض الفئات مثل اليتامى والفقراء والأرامل والمرضى والعاطلين عن العمل هم الذين يتمتّعون بالأولوية القصوى، دون شك، في تقديم العون والصدقة.إنه من الرائع ان نقوم بمساعدة الأهل والأصدقاء، ولكن، أي أجرٍ لنا؟ إن التشبه برحمة المسيح ومساعدة المحتاج الآخر هو ما يترتب على المؤمن.

بما نتصدق؟

طبعا نتصدق بما لدينا، بما اعطانا الله من خيرات جسدية وروحيةنتصدق بمواهبنانتصدق بأوقاتنانتذكر هنا شرائع الكنيسة التي تطلب منا أن نمارس أعمال الرحمة الجسدية والروحيةوهي من أعمال المحبة التي تُقدم للآخر في ضروراته الجسدية والروحيةوتشمل أعمال الرحمة الجسديةزيارة المرضى، وإطعام الجياع، وإرواء ظمأ العطاش، وإيواء من ليس له منزل، وإكساء ذوي الثياب الرثة، وزيارة السجناء ودفن الموتىأما أعمال الرحمة الروحية هي:إعطاء النصيحة للمحتاج إليها، وتعليم من لا يعرف، وتقويم عزم المخطئ، مسامحة من يقوم بأي أذى، تعزية الحزين، احتمال مساوئ الآخر بصبر، والصلاة لله من أجل الأحياء والأموات (تعليم الكنيسة الكاثوليكية، ٢٤٤٧).

وأخيرا، أكمل صدقة على الاطلاق وأسمى عمل من اعمال المحبّة هو بذل الذات في خدمة الاخرين كما قال السيد المسيح: “فليس لأحد حب أعظم من أن يبذل نفسه في سبيل أحبائه.” (يو ١٥:١٣). السيد المسيح نفسه اعطانا المثل، لم يقدم المسيح بالصدقة أو بأعمال الرحمة فحسب، بل انه قد بذل ذاته من أجل أحبائه:ل قد تعذّب المسيح ومات على الصليب، لأجل خلاصنا، وهذه أعظم صدقة يمكن تقديمها.

كيف نتصدق؟

أحسن طريقة لممارسة الصدقة هي الفرح، وهذ واضح في تعليم الرسول بولس: “ُكلُّ وَاحِدٍ كَمَا يَنْوِي بِقَلْبِهِ، لَيْسَ عَنْ حُزْنٍ أَوِ اضْطِرَارٍ.لأَنَّ الْمُعْطِيَ الْمَسْرُورَ يُحِبُّهُ اللهُكَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «فَرَّقَ.أَعْطَى الْمَسَاكِينَبِرُّهُ يَبْقَى إِلَى الأَبَدِ.وَالَّذِي يُقَدِّمُ بِذَارًا لِلزَّارِعِ وَخُبْزًا لِلأَكْلِ، سَيُقَدِّمُ وَيُكَثِّرُ بِذَارَكُمْ وَيُنْمِي غَلاَتِ بِرِّكُم” (٢ كور ٦، ٨ ٩). نتصدق بما لدينا ليس اكراها وغصبا، بل طوعا وبكل سرورليس حبا للمظاهر لكي يرانا الناس، لكن لمجد الله، معطي كل الخيرات، ولبناء المساواة والأخوّة في المجتمع.

تتكلم العديد من الأمثال عن الصدقة والرحمة في الكتاب المقدس من بينها مَثل فلس الأرملة التي قدمت فيه فلساً أي مبلغاً زهيداً، ولكنها قد قدمته من حاجتها وليس من مالها الفائض، على عكس الآخرين الذين قدموا مبالغ أكبر كانت قد فاضت عن حاجتهم.

مكتب اعلام البطريركية اللاتينيةمقابلة أجرتها رولا شوملي

Photo credit: ©John McColgan/ Trócaire