stemma logo



 

 

" الايمان والحياة"
             أيّوب العربي والفلسطيني                            (بقلم الاب د. بيتر مدروس)
     كتب ارميا النبي ، متسائلا، في شأن "رجُل الالام" – وهو صورة عن المسيح ولوحة عن شعبنا :"قولوا لي ، أيا عابري السبيل ،  أبصروا وتأملوا :هل رأيتم وجعا كوجعي ؟" هل بقي شعب في الشرق الاوسط ما نال استقلاله ؟ هل تتلاعب "السياسة" بمقدرات أحد مثلما تعبث بنا معشر الفلسطينيين ، وسائر  اخوتهم في هذه البلاد ؟ متى سنيتهي النفق المظلم وينبلج الصبح؟  من وراء هذه المأساة التي طالت – والعمر قصير ؟ الى متى سنبقى في سجن كبير ، نحتاج فيه لكل خطوة لتصريح ، والتصريح غالبا مرفوض ؟ الى متى سيبقى "جواز سفرنا" مشبوها ، و"هويتنا" – ممغنطة أم لا – عرضة للفحص ؟ حتى متى سننتظر في "الطوابير" وسترفض لنا "القنصليات" تأشيرة أو تؤجّلها الى أجل غير مسمّى؟ أغيرنا ظالمنا أم نحن أيضا – وخصوصا نحن – لانفسنا ظالمون ؟
   الالم واقع مرير  أشار اليه ايوب البار في عبارات مؤثرة منها : "الرب أعطى ، الرب أخذ فليكن اسم الرب ممجدا! اننا نقبل الخيرات من الله فلماذا لا نتقبل الشدائد؟" وكان المفكر الاغريقي اوريبيدس  قد كتب ان "الالم قاعدة حديدية من قواعد الطبيعة" . أمّا الشاعر الفرنسي الفيلسوف الرواقي الفرد ده موسه فقد أعلن ان " الانسان تلميذ وان الالم معلّمه"، بحيث ان الانسان يبقى فقط صورة لانسان او ذكرى ان لم يتألم ولم يحزن.
   بالالم يصل الانسان الى اعماق انسانيته  متسائلا عن هدف الحياة ، مرهفا في ذاته الشعور، معترفا بحدوده ، وقد تدرّب على فهم "الذين يتوجعون  لكونه هو ايضا  متسربلا بالضعف". فعلا ، يصدم الالم كبرياء البشرية وينفض سطحيتها  كما  كتب  صاحب المزامير :"انني  قلت في سعادتي : لن أتزعزع مدى الاجيال" وكأن الانسان الضعيف "جبل ما تهزّه ريح" .  وتأتي نوائب الحياة "ريحا" تعصف بالسفينة واعصارا يعصر الفؤاد فيسيل الدمع من المآقي  وتنطلق شرارة التفكير ويتعمق الاحساس . ويتجلى صدق الفيلسوف الروماني اسباني الاصل "سينكا" في قوله ان "أعظم أنواع الالم صامتة". وما أحوج البشرية الى السكينة والتأمّل لتجيب بمساعدة الوحي - على الاسئلة الوجودية المصيرية ولتخفف العناء ولترفع الى العزة الالهية الدعاء .
   حبّذا لو تعلّم المؤمن ، في مدرسة الالم ، من الصدّيق الادومي العربي "ايوّب" الذي يعني اسمه "عائد" ، من آب يؤوب ،أي رجع الى الله ، فننهل من صبره  سلوانا وتتلمذ على سائر الانبياء والاولياء  عارفا ان "حياة الانسان على الارض مشقّة وجنديّة ، الانسان وليد المرأة قليل الايام كثير العناء" . ولكنّ الصبر والايمان والاطمئنان الى الحكمة الالهية  تجعل "الحمل لطيفا والنير خفيفا". ولنتعلّمنّ من المسيح ابن مريم الصمود والقوّة والتمسك بالمبدأ ، من الجلجلة  القاهرةالى القيامة الظافرة!

 

Home Page