stemma logo

Patriarch

 

Archives

 

 

"ادخلوا من الباب الضيّق. فما أوسع الباب وأسهل الطريق المؤدّية الى الهلاك، وما أكثر الذين يسلكونها. لكن ما أضيق الباب وأصعب الطريق المؤدّية الى الحياة، وما أقل الذين يهتدون اليها." (متى 7: 13-14)

بينما كان أولاد غزّة على وشك الرجوع الى بيوتهم من المدارس يوم السبت 27/12/2008 شنّت الطائرات الحربية الأسرائيلية هجوماً ضخماً وشرساً على قطاع غزَّة. وفي أقل من أربع ساعات قُتل أكثر من 150 شخصاً وجرح 200 شخص من الأولاد والنساء والرجال. وفي نهاية اليوم السادس من الغارات المتواصلة وصل العدد الى أكثر من 420 شهيداً و 2070 جريح هذا بالإضافة الى التدمير الهائل الذي أصاب المباني الحكومية والسكنيّة في أنحاء مختلفة من القطاع.

حقائق وارقام عن غزَّة:

عدد السكان: مليون ونصف فلسطيني.

75% لاجئون هُجّروا الى غزّة من مدن وقرى الجنوب بما في ذلك بئر السبع وأسدود وعسقلان.

مساحة القطاع: 360 كم2

كثافة السكان: 4167 شخصاً / كم2 وهي أعلى كثافة سكانية في العالم.

80 % من عائلات غزّة تعيش تحت خط الفقر بمدخول يقل دخل الفرد فيها عن 12 شيكل في اليوم.

80 % من عائلات غزّة يعتمدون كلياً على المساعدات الغذائية التي توفرها لهم الأمم المتحدة والتي بدونها يمكن أن يتعرضوا إلى الموت بسبب الجوع.

كما نعرف جميعاً أن احتلال قطاع غزّة قد تمّ مع إحتلال الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية ابان حرب حزيران 1967. وفي أيلول 2005 سحبت اسرائيل جيشها من القطاع بعد أن أزالت جميع مستوطناتها غير الشرعية. ولكن الأحتلال الأسرائيلي غير الشرعي لم ينته إذ جعلت اسرائيل من قطاع غزّة سجناً كبيراً وبدأت في تشديد الخناق على سكانه براً وبحراً وجوَاً.

وزادت مصيبة القطاع حين فرضت اسرائيل الحصار عليه في حزيران 2007 مشدّدة الخناق عن طريق اغلاق المعابر حيث تفاقم الوضع الانساني وأخذ في التدهور السريع. فكان كل جانب من جوانب حياة أهل غزّة في قبضة اسرائيل - كالوقود والكهرباء وغاز الطبخ والدواء والمواد الغذائية- (حتى الطحين) وأدوات البناء وكل شيء آخر. وأصبحت أوضاع أهل القطاع صعبة جدا " فبالكاد كانوا عائشين ".

هذا الوضع المأساوي جعل السكرتير العام للأمم المتحدة بان كي مون أن يُصرّح:

" إن الأمين العام قلق بسبب حرمان مئات الآلاف من الناس من الطعام وغير ذلك من المواد اللازمة لإنقاذ الحياة، كما إننا نؤكد بأن الإجراءات التي تزيد من صعوبة الحياة ومعاناة السكان المدنيين في قطاع غزّة غير مقبولة ويجب أن تتوقف فوراً."

ما يجب أن نتذكره:

1. كلمة مهمة حول التهدئة: أن إحدى النقاط الرئيسية للتهدئة التي جرى التفاهم حولها بين حماس وحكومة إسرائيل هي رفع الحصار عن القطاع ثم تمديد التهدئة تدريجياً الى الضفة الغربية الأمر الذي لم تقم به إسرائيل. فإسرائيل لم تتقيّد بهذا الاتفاق لكنها رفعت الحصار جزئياً وسمحت بدخول عدد قليل من المواد الغذائية الى القطاع. وأبقت الشعب الفلسطيني على حَافة الجوع. وفي نفس الوقت واصلت إسرائيل في إجتياحاتها اليومية للضفة الغربية، وأعتقلت وقتلت العديد من الفلسطينيين.

كتبت صحيفة الهيرولد تريبيون بتاريخ 19-12-2008 أن إسرائيل لم تف بتعهداتها بحسب تفاهم التهدئة، فلم تُرجع إسرائيل الوضع كما كان قبل تشديد الحصار بالسماح بدخول بين 500 و600 شاحنة يومياً محملة بالمواد الغذائية، فقد ذكرت الصحيفة أن عدد الشاحنات إرتفع من 70 الى 90 شاحنة يومياً فقط.

من المحزن حقاً أن الكثيرين من قادة العالم الغربيين قد أصمّوا آذانهم وأغلقوا عيونهم وأفواههم أمام صراخ المظلومين الفلسطينيين ووقعوا في فخاخ الخداع الأسرائيلية. فحكام العالم اليوم يحكمون على إسرائيل بما تتفوه به وليس بما تفعله على الأرض. بينما يصمُون آذانهم عن سماع المبادرات العربية العملية للسلام كالمبادرة العربية التي تقدّم بها القادة العرب بما في ذلك الفلسطينيون سنة 2002. وقد وافقت حماس أيضاً على قيام دولة فلسطينية في حدود 1967 كما عبّرت عن ذلك للرئيس السابق جيمي كارتر أثناء زيارته الأخيرة إلى دمشق.

2. ما دامت إسرائيل محتلَة لقطاع غزّة والضفة الغربية فللفلسطينيين الحق بحسب القانون الدولي أن يقاوموا هذا الاحتلال الذي يبدو انه لا نهاية له. لذلك فلا يحق لأسرائيل أن تتوقع من المجتمع الدولي أي دعم سياسي أو تعاطف ولا من الفلسطينيين أي أمن أو تهدئة ما دامت تمارس فرض إحتلالها اللاإنساني واللاأخلاقي وغير الشرعي عليهم.

فعندما تنهي إسرائيل إحتلالها فقط يحق لها شرعياً حماية أراضيها. لأن إسرائيل اليوم هي المعتدية وهي المخالفة لقرارات القانون الدولي باحتلالها العنيف.

3. نحن نعتقد أن بإستطاعة الرؤساء العرب لعب دور أكبر في عملية إحلال السلام. فالكثيرون من أبناء الشعوب العربية يتهمّون الرؤساء بمؤامرة الصمت. وتشعر هذه الشعوب بالخجل من مواقف الحكومات العربية التي لم تستعمل طاقاتها لانهاء الاحتلال. إننا في مركز السبيل لا نتحدث عن المقاومة المُسلحة مع أننا ندرك أن عدداً كبيراً من إخوتنا العرب يتحدثون عن ذلك. نحن نعتقد أنه بإمكان الحكومات العربية أن تساهم أكثر بكثير لايجاد الحل العادل للقضية الفلسطينية بواسطة استراتيجية اللاعنف. من المؤسف أن ذلك لم يحدث.

4. كان بود مركز السبيل لو أن حركة حماس والفصائل الفلسطينية الاخرى قد إختارت المقاومة اللاعنفية بدل الكفاح المُسلح ضد قوى الاحتلال والحصار. ولكن بالرغم من ذلك فإننا ندين بشدة الاستعمال المفرط للسلاح الذي تقوم به القوات الإسرائيلية ضد الفلسطينيين والعدد الهائل من القتلى والجرحى الذي نتج عن ذلك.

إنه من المُخجل حقا أن نرى فشل قادة الغرب في رؤية حقيقة الامور التي تحدث. فقد اختاروا أن يقفوا مع المُحتل ويدعموه بدل أن يقفوا مع الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال. ووقفوا مع الظالم ضد المظلوم ومع القوي ضد الضعيف.

من المهم جداً أن نستمرّ في مقاومة الاحتلال الغشيم ولكننا نناشد شعبنا الفلسطينى أن يتخلى عن الكفاح المُسلح وأن يختار ويتبنى كفاحاً أفضل وأقوى وأنجع ألا وهو الكفاح اللاعنفي على مستوى الشعب بأكمله. باستطاعتنا أن نفعل ذلك وأن ننجح وننتصر. فبإمكان الفلسطينيين أن يُقدموا مثالاً رائعاً إلى بقية العالم. وهذا ما علينا أن نفعله وهو كفيل بإرجاع الكرامة والعزّة لنا.

علينا أن ننظر الى عالم يحرّم الحروب ويحظر إستعمال أسلحة العنف والدمار. نحن ننظر الى عالم يلجأ فيه المقموعون والمظلومون الى استخدام أساليب اللاعنف ضد الظالمين وبذلك يرتفعون ويرتقون الى مستوى أخلاقي أسمى بكثير من إستخدام أسلحة الدمار. نحن ننظر إلى عالم افضل حيث يتم إصلاح هيئة الأمم المتحدة فلا تقع فريسة لضغوطات الحكومات القوية بل تتمتع بالحرية والقدرة لاحقاق الحق والعدل للشعوب المقهورة.

5. نحن نعتقد ونعلن جهارة أن رسالة الفلسطينيين الى العالم أجمع هي رسالة وصرخة للتحرر والحرية. فالفلسطينيون لم يبادروا الى العنف. الاحتلال الاسرائيلى الطويل وغير الشرعي هو المُسّبب الرئيس للعنف في منطقتنا. فإسرائيل قد أغلقت الباب في وجه السلام. لذا نؤكد أن الطريق الوحيد الذي يضمن السلام الدائم هو في جرأة الإدارة الأمريكية الجديدة وقدرتها على فتح باب الحق والعدل الذي أغلقته إسرائيل.

نحن نعتقد أن هذا هو الباب الضيق الذي تكلم عنه السيد المسيح. إنه الباب الذي يقود الى حياة السلام والامن. "ادخلوا من الباب الضيق. فما أوسع الباب وأسهل الطريق المؤدّية الى الهلاك، وما أكثر الذين يسلكونها. لكن ما أضيق الباب وأصعب الطريق المؤدّية الى الحياة، وما أقل الذين يهتدون إليها." هذا هو الباب الضيق للعدل. هذا هو الاساس للقانون الدولي. إن طريق التسلط العسكري والاحتلال والعنف والحرب هو الباب الواسع الذي يقود الى الدمار والخراب. بينما الباب الذي يبدو ضيقاً وصعباً هو الباب الذي يقود الى العدل والسلام والأمن للجانبين المتنازعين. لقد جربنا طويلاً طريق الباب الواسع ولم تجلب لأنفسنا سوى الدمار. حان لنا الوقت الأن كي نجرب طريق الباب الضيق للعدل لكي نحصل على الحياة.

مركز السبيل المسكوني للاهوت التحرر

القدس 2 كانون الثاني 2009

 
Home Page