stemma logo

Patriarch

 

Archives

 

 

تعود أجراس كنيسة المهد في بيت لحم لتقرع من جديد مع ملائكتها وتردد نشيدها الخالد " المجد لله في العلى وعلى الأرض السلام للناس الذين بهم المسرة"(1) ، ومن بيت لحم، الضيعة الوادعة، أوجه رسالة الميلاد هذه لجميع سكان الأرض المقدسة،في الأردن وفلسطين وإسرائيل من يهود ومسيحيين وإسلام ودروز وحجاج، ولجميع محبي الأرض المقدسة وأناشدهم الصلاة كي يجعل الله من هذه الأرض "مُلك حق وحياة، ملك قداسة ونعمة، ملك عدل وحب وسلام"(2). وأمنياتنا أن يجلب هذا العيد السلام الذي تنشده كل الأطراف، والقائم على العدل والحقيقة فتصبح حياتنا في هذه البلاد التي قدسها الأنبياء، عيد ميلاد جديد يتكرر ويزداد بهجة في الشوارع والبيوت والقلوب، فيرى حجاجنا الكرام مدى إيماننا، ومدى محبتنا المتبادلة، ومدى كرمنا وتعايشنا المشترك، وكم تجمعنا الديانات وتوحدنا لمصير واحد لا خيار لنا بغيره.
نصلي إلى الله كي يعطينا السلامة فتزدهر البلاد وتكثر فرص العمل وفرص اللقاءات بين كل المواطنين وفرص الحوار بين الأديان والثقافات، ويعم الاستقرار، فيزيل قلق العائلات على مستقبل أبنائها، فلا تلتجئ إلى الهجرة وتفقد بذلك جذورها الدينية وهويتها.
يأتي العيد وكلنا أمل إذ تحققت في الأيام الأخيرة لقاءات دولية على أعلى مستويات بين رجال الدين من جهة، وصانعي السلام من جهة أخرى، ترتكز على ارادات صادقة في تحقيق المزيد من العدل والحوار والتعايش وقبول الآخر، بعيدين عن التشنج والأحكام المسبقة والتكفير.
نعمة عيد الميلاد وصلاة المؤمنين الصادقين تصحب القائمين على هذه المبادرات وتبارك جهودهم وتكللها بالنجاح.
هذا الأمل وهذا التفاؤل لا ينسينا ما نتخبط به من عدم الاستقرار وعدم وضوح الرؤية المستقبلية وفلتان الأمن والتعدي على المواطنين في أموالهم وممتلكاتهم.
مع بيت لحم التي انتظرت عبر التاريخ من " يكسر نير مشقتها وعصا كتفها وقضيب مسخرها"(3) ، لا زلنا ننتظر من يرفع الاحتلال والظلم عنا ويبعد الخوف والضيق والإنقسامات الداخلية، كما ننتظر أنبلاج عصر جديد يستسلم فيه الانتقام للغفران ويتغلب الحب على البغضاء: عصر تشرق فيه شمس السلام والعدل وتتلاشى فيه الأحقاد والأطماع وتنحسر فيه العداوات، عصر تلتقي فيه الشعوب على الألفة والوئام " فيسكن الذئب مع الحمل ويربض النمر مع الجدي ويكون العجل والشبل معاً وصبي صغير يسوقها"(4) .
لن ننسى بهذه المناسبة أورشليم، القدس، الأمانة الكبرى في أعناقنا والتي تشغل بالنا، وعن حقوقها وعلى قدسيتها ندافع وعلى طابعها المميز نحافظ، ففيها يلتقي أتباع "الأديان التوحيدية" الثلاث: اليهودية والمسيحية والإسلامية، تجتمع في وحدة الإيمان بالله، وانتماء أبنائها لأبيهم إبراهيم. كنيسة القدس تعاني اليوم من الخناق عليها ببناء المستوطنات الغير شرعيّة ومن نزيف هجرة أبنائها المسيحيين إلى الخارج في ظل انعدام السلام وتردي الأوضاع السياسية، كل هذا يبعث فينا القلق على مستقبل كنائسنا وعلى أوضاع المسيحيين فيها.
مع إخوتنا بطاركة الشرق الأوسط: "نتوجه إلى أبنائنا وإلى جميع المواطنين في الأراضي المقدسة، في ظل الأوضاع المتردية في فلسطين، ولاسيما الحصار الجائر المضروب على غزة وعلى مئات الألوف من الأبرياء فيها. وفي ما نشكر ونقدر الجهود التي يبذلها جميع ذوي الإرادة الحسنة لكسر هذا الحصار، إنما نناشد المسؤولين المحليين والدوليين للتوصل أخيرا إلى السلام العادل والنهائي في الأرض المقدسة لتعود فتكون مصدر فداء ومصالحة وعدل ومغفرة لأهلها وللعالم. وإننا نناشد الفلسطينيين أنفسهم ليعودوا إلى الوحدة في ما بينهم في إطار الشرعية الفلسطينية المعترف بها وليجنبوا أهلهم استمرار الحصار والمذلة"(5).
بهذا العيد نصلي لأجل مدن وقرى الأراضي المقدسة التي تعاني ضيقا وشدة لصعوبة المواصلات بينها. وبألم وحسرة نشاهد ضرب الحصار على المدنيين ونصب الحواجز  وبناء الجداران، مما يولد القهر والعنف، فتتنامى مشاعر العداء والبغضاء بين الشعوب، ونحن أشد ما نكون بحاجة إلى هدوء وسكينة وثقة متبادلة وتعاون.
المأساة الثانية التي لا يمكن السكوت عنها، هي ما يتعرض له العراق شعباً وحضارة وارثا وتاريخا، بعد احتلاله وهدم أركان دولته، فأصبح مسرحا للإرهاب، والعنف، ونلفت الانتباه إلى ما تتعرض له الكنائس والجوامع من نسف وتدمير وخطف الكهنة والأساقفة وقتلهم وهدم بيوت المسيحيين وتهديدهم وتهجيرهم. نود من كل أهل العراق أن يبقوا في أوطانهم، ندعو ونصلي من اجل وحدة هذا الوطن، والعمل لإعادة الحياة الطبيعية إلى ربوعه.
أيها الإخوة الأحباء
نود أن نبشركم برغبة قداسة الحبر الأعظم بندكتس السادس عشر لزيارة الأراضي المقدسة في أيار المقبل، للحج والصلاة لنا ومعنا والاطلاع على الأوضاع الصعبة في منطقتنا. نرفع إلى الله صلاتنا كي تكون زيارة قداسته لبلادنا بركة لنا جميعاً  وسبباً لمزيد من التفاهم بين الشعوب ورفع الحواجز وحل المشاكل، وإزالة المعاناة، وتوطيد العلاقات، فتنعم كل شعوب المنطقة بالأمن والسلام.

من بيت لحم أوجه ندائي إلى أخوتي الأساقفة ورؤساء الأديان في العالم عامة، والى الرهبان والراهبات ومؤسسات الحياة المكرسة والى كل الأنفس الخيرة، إلى الكهنة والاكليريكيين والى الحجاج وسائر المؤمنين بالله، والى جميع محبي الأرض المقدسة، أن أذكروا بيت لحم والقدس الشريف في صلاتكم: أن الأراضي المقدسة تستصرخ ضمائركم وتنشد دعمكم  ألا تتركوها وحيدة في شدتها، كي تبقى أرض سلام وصلح ومساواة بين جميع أبنائها.
يا طفل بيت لحم، يا من أردت أن تولد في الصمت والهدوء، أزرع في قلوبنا الحب وهدوء البال. يا من عرفت معنى الفقر والتشريد واللجوء، أشفق على فقرائنا والمشردين والمساجين وساكني المخيمات.
أيها الإله الذي لا حد له، لقد ارتضيت بميلادك أن تعرف حدود الزمان والمكان. عرفت حدود المكان فولدت في مغامرة وهربت وتجولت، كما عرفت حدود الزمان عندما حللت في أحشاء العذراء، فكنت في المغارة مثال المشردين، وفي الهرب إلى مصر مثال اللاجئين والمنبوذين.
 قدّس بلادنا فيتقدس اسمك في كل مكان، فتقودنا كل الظروف الصعبة التي نعيشها، إلى مزيد من القداسة والتقرب منك ومن بعضنا البعض.
يا طفل المغارة، يا من نبذ العنف والقتل والبغضاء
يا من شطر التاريخ بمولده إلى قديم وجديد،
أبعد عن أرضك الحروب وخراب البيوت وأزرع في قلوبنا الإخاء،
 وامنح الحزانى والفقراء الأمل والعزاء،
أيها الفقير المهاجر المشرد والمضطهد، انظر إلى من سافر وهاجر من الأردن وفلسطين ولبنان والعراق وسائر البلاد المظلومة، واجعل من وطنك أرض خيرات وبركات يلتقي فيها كل أبناء الديانات، فلا ترفع امة على أمة سيفا
وليكن ميلادك ميلاد عهد جديد ملؤه السلام والاستقرار والأمان.
آمين
(1). لوقا 14:2
(2) مقدمة قداس يسوع الملك.
(3) أشعيا (4:9).
(4) أشعيا (11:6)
(5) البيان الختامي للمؤتمر الثامن عشر لمجلس بطاركة الشرق الكاثوليكي.
† البطريرك فؤاد طوال

 

Home Page