stemma logo

Patriarch Emeritus

Pastoral Letters

 

Archives

 

 

 

عيد انتقــال السيــدة
الناصرة  2006
صلاة من أحل السلام

1      صاحب السيادة، المطران أنطونيو فرانكو،
السفيرَ البابوي لدى إسرائيل والقاصدَ الرسولي للقدس وفلسطين، والحاضرَ بيننا باسم قداسة أبينا البابا بندكتس السادس عشر، الذي أراد أن يعبر لنا بواسطتكم عن بالغ اهتمامه للشدة التي نحن فيها، وعن صلاته لنا ومعنا، ومشاركته لنا آلامَنا وآلامَ المنطقة كلها. سمعنا صوته في هذه الأيام منذ بدأت الحرب وأكثر من مرة، وهو يدعو إلى وقف إطلاق النار وإلى التحوُّل عن طرق الحرب إلى طرق السلام. سمعناه صوتا صادقا قويا فيه إصرار ووضوح لا لَبسَ في ما يقول، مُقِرًّا لحقوق الجميع: "حق اللبنانيين في سيادتهم على كامل تراب أرضهم، وحق الإسرائيليين على العيش في دولتهم بسلام، وحق الفلسطينيين في وطن حر ذات سيادة" (بندكتس السادس عشر). 
إننا نشكر لسيادتكم حضوركم بيننا اليوم. كنائسنا وإخوتي الأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات والمؤمنون كافة يشكرونكم ويطلبون منكم أن تبلغوا شكرنا إلى قداسة أبينا الحبر الأعظم بندكتس السادس عشر الذي أراد أن يكون حاضرا اليوم بيننا برعايته وصلاته وكلمته.

إخوتي أصحاب السيادة المطارنة الأجلاء
إخوتي الكهنة والرهبان والراهبات، أيها الإخوة الأعزاء
2      نحتفل اليوم بعيد انتقال سيدتنا مريم العذراء إلى مجد السماء. وهذا العيد هو تتويج لعيد البشارة الذي كان البداية الإلهية في حياة سيدتنا مريم العذراء هنا في مدينة الناصرة. قال الملاك لها : "سلام يا ممتلئة نعمة، الرب معك. والرب اصطفاك لتكوني أما للكلمة الأزلي. ستحملين وتلدين ابنا فسميه يسوع. الروح القدس سينـزل عليك وقدرة العلي تظللك، لذلك يكون المولود قدوسا وابن الله يدعى".  في حادثة البشارة، نتأمل في بداية حياة مريم على هذه الأرض والرسالة التي اصطفاها الله لها. واليوم نتأمل في المجد الذي وهبها في السماء بعد أن أتمت رسالتها على الأرض. وكما وهب الله مريم نعمته، فإنه يرافق كل واحد منا أيضا بنعمته ورحمته. ولهذا فنحن نعلم أننا في جميع أحداث حياتنا، في أيام السلم وفي أيام الحرب، إنما نحن نسير ونتعامل ليس فقط مع الناس وشرهم أو صلاحهم، بل مع الله سبحانه ونعمته ومحبته لنا جميعا. واليوم نرفع أنظارنا إلى سيدتنا مريم العذراء في السماء، ونسألها أن ترنو بنظرها إلى وادي الدموع الذي نحن فيه. ننظر إلى الأبدية ومنها نعود إلى الشدة التي نحن فيها والتي نعيشها مع كل أرضنا بجميع شعوبها.

3      وأولا نؤكد موقفنا من كل إنسان في هذه الحرب. إننا نقف أمام آلام الفلسطينيين واللبنانيين والإسرائيليين، وأمام الجنود الإسرائيليين المرسَلين إلى القتال، وأمام مقاتلي حماس في غزة ومقاتلي حزب الله في جنوب لبنان، وأمام المهجَّرين من كل مكان، وأمام كل شكل من أشكال الدمار التي شهدناها في هذه الأيام، وأولها تدمير الإنسان في حياته وكرامته. ونستنكر ونقول إن الدمار والموت الذي صُبَّ على جنوب لبنان، - ونحمد الله اليوم على توقفه ونأمل أن يتوقف فعلا وبصورة نهائية -، بينما هو مستمر في غزة، إنما هو جريمة في حق الإنسان وخالقِ الإنسان. ونقول إن المماطلة سنة بعد سنة في صنع العدل والسلام في هذه الأرض المقدسة وإبقاءَ عدم الاستقرار في المنطقة هو الخطيئة. ونقول إن الطريق لبناء السلام والأمن ليس هذا، أعني ليست الحرب. وإلى ذلك نقول اليوم في صلاتنا وفي مثولنا في حضرة الله عز وجل:  إننا نرى في كل واحد وواحدة من هؤلاء جميعا، فلسطينيين وإسرائيليين ولبنانيين، ومقاتلي حزب الله وحماس وكل الفلسطينيين وجنودا إسرائيليين، فيهم جميعا وفي كل واحد منهم، نرى إنسانا خلقه الله على صورته وكرَّمه بكرامة لا يحق لأحد الاعتداءُ عليها. وإنه سبحانه يدعو الجميع إلى الحياة لا إلى الموت، وإلى السلام لا إلى الحرب، وإلى المحبة لا إلى الكراهية. هذا هو موقفنا المسيحي من كل إنسان، ونُصِرُّ على قولنا إن الكرامة التي منحها الله كلَّ إنسان بصورة متساوية هي الأساس المحتوم لكل جهد نحو السلام والعدل وإعادة البناء. 
في هذه الأيام، أصابتنا الحرب بصورة مباشرة في أهلنا وفي بيوتنا وفي أديارنا، فقتلت بعضنا ودمَّرت وهجرت بعضنا. وفي هذا نقول إننا جزء لا يتجزأ من أرضنا ومن مجتمعنا، ومن الطبيعي أن نشارك الجميعَ في التضحيات التي أصابت الجميع.
وفي وجه الموت والخوف والدمار الذي حل هنا في إسرائيل، نحن عربا في إسرائيل، نقول: أيها الشعب الإسرائيلي إننا نريد لكم الأمن والأمان. نعم، في عالم عربي نحن جزء لا يتجزأ منه، في عالم عربي غاضب عليكم، نحن نقول لكم: نريد لكم الأمن والأمان ونحبكم بالمحبة التي يحبكم بها الله، ونحب في الوقت نفسه عالمنا العربي المليء بالعداء والغضب والكراهية المتنامية لكم. نحبكم ولكننا نقول لكم إن الدمار والموت الذي نُفِّذَ في لبنان ويُنفَّذُ حتى الآن في غزة وفي المدن الفلسطينية ليس طريقا إلى السلام. أنتم تصنعون الحروب وتقولون، والعالم يقول معكم، إنكم تدافعون عن أنفسكم، ولكنكم في الواقع، بدلا من الدفاع عن أنفسكم فإنكم تعرِّضون أنفسكم لمزيد من العداء وانعدام الأمن. إن نصركم الحقيقي هو أن تضعوا حدا للاحتلال الذي تفرضونه على الشعب الفلسطيني. بهذا تبلغون وتبلغ المنطقة كلها الاستقرار والأمن المنشودين. وأنتم بحاجة إلى مزيد من الأصدقاء يقولون لكم هذا، مكررين قول صاحب المزمور: "أطلبوا السلام واسعوا إليه (مزمور 33: 15)، ومؤكدين لكم إن الطرق التي تتبعونها ليست طرق السلام، وإنه لا بد من طرق جديدة تسلكونها لبلوغ السلام والأمن لكم ولكل المنطقة. 

4      أيها الإخوة والأخوات الأعزاء، هذا هو واقعنا، حرب وموت ودمار وكراهية متنامية. ولهذا جئنا نصلي اليوم، بناء على دعوة قداسة أبينا البابا بندكتس السادس، يمثله بيننا سيادة السفير البابوي المطران أنطونيو فرانكو. دعانا إلى الصلاة من أجل سلامنا وسلام أرضنا وسلام كل إنسان فيها.
جئنا نصلي واستمعنا إلى كلام الله في الإنجيل المقدس يُتلَى علينا. وهو نشيد مريم العذراء تمجد الله في عظائمه فتقول: "تعظم الرب نفسي وتبتهج روحي بالله خالقي" إلى أن تقول، ونحن معها نردد أيضا ونسأل الله أنه ينطبق كلام النشيد على واقعنا: "إن القدير... شتت المتكبرين بأفكار قلوبهم، وحط المقتدرين عن الكراسي، ورفع المتواضعين. وأشبع الجياع خيرا، والأغنياء أرسلهم فارغين" (لوقا 1: 46- 56). فنحن نسأل الله أن يبدد كل ظلم يفرضه الناس علينا في أرضنا وفي كل بقعة في العالم، حتى يُكمِّلَ هذا النشيدَ نشيدُ الملائكة للرعاة في سماء بيت لحم: "المجد لله في العلى والسلام على الأرض لكل ذي نية صالحة".
نسأل الله أن تتحول هذه الشدة الكبيرة التي مررنا بها إلى خطوة حاسمة نحو سلام شامل عادل ونهائي. ولنبق نحن أيها الإخوة أقوياء في وجه كل شدة، ولنتعاون مع بعضنا البعض، ولنملأ قلوبنا وأنفسنا بمحبة الله وقوته. ولنستمر في بناء السلام والعدل مع كل من يبنيه في هذه الأرض المقدسة. ولنسأل سيدتنا مريم العذراء في عيدها اليوم أن تشملنا وتشمل أرضنا والمنطقة كلها بشفاعتها القديرة. ولنقل دائما: يا سيدة السلام امنحي بلادنا السلام. آمين.


+ البطريرك ميشيل صباح
الناصرة، 15 آب 2006

Home Page