stemma logo

Patriarch Emeritus

Pastoral Letters

 

Archives

 

 

 

ماذا قال البابا بندكتس السادس عشر في المانيا عن الإسلام؟
ماذا حصل بالضبط في محاضرة البابا بندكتس السادس عشر في ألمانيا والتي أثارت العالم الإسلامي؟
زار البابا ألمانيا في الأسبوع الماضي، وزار بالتحديد مقاطعة بافاريا حيث ولد وترعرع ودرَس وعلَّم. وقد دعي إلى إلقاء محاضرة في جامعة ريجنـزبورغ حيث كان أستاذا ونائبا للرئيس بين عامي 1969 و1971. واختار لمحاضرته موضوع "العلاقة بين الإيمان والعقل".
لماذا اختار البابا هذا الموضوع؟
لأن البابا مهتم بأوروبا التي عدلت عن الإيمان أو هي آخذة بالعدول عنه، بحجة التقدم العلمي والقول إن العلم والإيمان لا يتفقان. فهو يريد أن يبين أنه لا تناقض بين العقل والإيمان. وأن التقدم العلمي ليس مبررا لترك الإيمان. فاختياره لهذا الموضوع جاء ضمن الخط التعليمي الذي اتبعه منذ أن تبوأ رئاسة الكنيسة الكاثوليكية. وقد انتهى من محاضرته بالقول: إن التقدم العلمي ضروري ولازم ولا يقضي حتما بالتخلي عن الإيمان. فالإيمان والعقل يتكاملان. والحضارة التي تتخلى عن عنصر الإيمان بالله تصبح عاجزة عن الحوار مع سائر الحضارات. ولهذا لا بد من الإبقاء على الإيمان مع التقدم العلمي الكبير الذي حققته الإنسانية.
وكيف تطرق البابا في هذه المحاضرة إلى الإسلام؟
بدأ حديثه بكل بساطة قال: قرأت كتابا نشر حديثا ويحوي مناظرة لاهوتية بين الإمبراطور المسيحي اليوناني منويل الثاني، إمبراطور القسطنطينية، وعالم فارسي مسلم. وهو كتاب وضعه على الأرجح الإمبراطور نفسه بين السنوات 1394 و1402 أي في السنوات التي كان الأتراك المسلمون يحاصرون فيها القسطنطينية. ومن هنا يفهم القارئ لهجة الإمبراطور الهجومية على الإسلام. وقد أخذ البابا اقتباسا من هذا الكتاب كمدخل لحديثه، ليقول إن هذا الموضوع أي العلاقة بين الإيمان والعقل موضوع مطروح في كل الديانات.
قضية المناظرة كانت فقط مدخلا للموضوع. وقد أورد اقتباسا من كاتب آخر فرنسي معاصر اسمه أرنالدز الذي يستشهد بالعلامة ابن حزم الأندلسي المتوفى في بلدته قرب إشبيلية عام 1064، والذي يعالج الموضوع نفسه أي العلاقة بين العلم والإيمان. كما استشهد أيضا بلاهوتي مسيحي آخر يتقارب موقفه من موقف ابن حزم وهو اللاهوتي دونس سكوت.
وما المثير للإسلام في كل هذا؟
يعالج الفصل السابع من المناظرة بين الإمبراطور اليوناني منويل الثاني والعالم الفارسي العلاقة بين الإيمان والعقل، ويربطها بقضية استعمال العنف في الدين بصورة عامة. وفي المناظرة كلام واستشهاد من الشرائع الثلاث أي العهد القديم والجديد والقرآن الكريم. يتكلم الإمبراطور على الجهاد ويقول: "إن نشر الإيمان بالعنف هو أمر يناقض العقل. لأن العنف لا يتفق وطبيعة الله وطبيعة النفس البشرية. وإن الله لا يرضيه الدم. وعدم الانقياد لما يقوله العقل مناقضٌ لطبيعة الله... من أراد أن يهدي إنسانا ما إلى الإيمان يفعل ذلك بالكلام الحسن من غير قوة ولا تهديد... لإقناع روح عاقلة لا يحتاج الإنسان إلى ذراع قوية أو إلى سلاح أيا كان أو إلى أية وسيلة تهدد الإنسان بالموت...". ثم ذكر جملة قالها الإمبراطور في مناظرته وهي الجارحة في حق الإسلام. قال الإمبراطور اليوناني في حديثه عن العنف مع مناظره الفارسي: "أرني أي خير أتى به محمد. إنه لم يأت إلا بما هو مسيء ومناقض للإنسان، وإنه نادى بنشر الدين بالسيف". يقول هذا الكلام الإمبراطور المسيحي الواقع تحت الحصار التركي عام 1394، وليس البابا. ومن هنا يمكن للقارئ أن يحلل الموقف.
والآن ما رأيك في ردود الفعل في العالم الإسلامي والمسيحي؟
أولا أنا أتساءل: من أوصل إلى الإعلام العربي والإسلامي هذا المقطع الصغير من هذه المحاضرة العلمية الموجهة إلى اوروبا العلمانية وليس إلى الإسلام؟  ألا يمكننا أن نشك أن من أبرز هذه الأسطر القليلة في هذه المحاضرة يريد أن يحدث فتنة، ويريد أن يوجد في العالم الإسلامي ردود فعل يظهر فيها الإسلام بصورة تضاف إلى الصور السلبية عن الإسلام في العالم اليوم؟
وثانيا يجب أن تكون ردود فعلنا على مضمون المحاضرة ككل: فالبابا يوجه كلامه إلى أوروبا العلمانية. وليس إلى الإسلام. ويتكلم على موضوع العقل والإيمان ولا يتكلم على الإسلام.   
وثالثا لعل هذه "الخضّة" تكون "خضّة" حضارية فتدعونا مسيحيين ومسلمين إلى أن نقرأ معا تاريخنا، المسيحي والمسلم، لنفهمه معا ونجعل له معنى واحدا مشتركا.

القدس - 15/9/2006

 

Home Page