stemma logo

Patriarch Emeritus

Pastoral Letters

 

Archives

 

 

 

البطريركية اللاتينية – القدس

عيد سيدتنا مريم العذراء سيدة فلسطين

العظـــة

أيها الإخوة
في هذا النهار، في عيد سيّدتنا مريم العذراء سيّدة فلسطين، جئنا نصلّي ونطلب شفاعة سيّدتنا مريم العذراء لنعرف كيف نعيش في هذه الأرض المقدسة، وهي أرض للأقوياء وللقدّيسين، وليست أرضا للحياة السهلة. أرض لسيّدتنا مريم العذراء التي قبلت كلمة الله وسلَّمت أمرها له فقالت:" ليكن لي بحسب قولك". ثم ظلَّت كلَّ حياتها مصغية لكلمة الله تفكر فيها في قلبها ولا سيما خلال الأحداث الصعبة التي مرّت بها حياتها.

ايها الإخوة، قبل أسبوعين عقد اجتماع في لبنان لمجلس بطاركة الشرق الكاثوليك، - والبطاركة الكاثوليك في الشرق سبعة هم بطريرك الأقباط الكاثوليك في مصر، وبطريرك الكلدان في العراق، وبطريرك اللاتين في القدس، وأربعة بطاركة يقيمون في بيروت أو دمشق وهم بطريرك الموارنة وبطريرك الروم الكاثوليك والسريان الكاثوليك والأرمن الكاثوليك. وكان موضوع حديثنا ودراستنا هجرة المسيحيّين من الشرق الأوسط بصورة عامة.

وفي الأسبوع الماضي، انعقد هنا بالقرب من جبل التطويبات في بيت الجليل للموعوظين، الاجتماع السنويّ لمجلس المطارنة اللاتين في البلدان العربيّة، وبقي اثنان منهم يصلّون معنا اليوم، مطران بغداء جان سليمان ومطران جيبوتي جورج بيرتين. وكان موضوع حديثنا ودراستنا الكتاب المقدس في حياة المسيحيّ.

أيها الإخوة،
موضوع حديثنا وهمّنا كرعاة وأساقفة هو كلُّ مؤمن في كلِّ أبرشية من أبرشياتنا. هو أنتم. وأنتم يعني افراحكم وأحزانكم وهمومكم وسعيكم في هذه الحياة، والإيمان الذي يجب أن يهديكم في هذه الأرض المقدَّسة. فماذا نقول لكم.
نقول إنّه يجب أن تكون لنا مبادئ نستنير بها. وأود أن أذكر مبدأين هما:
المبدأ الأول: يدعونا الله إلى أن نكون مسيحيّين هنا في هذه الأرض المقدّسة وليس في أيِّ مكان آخر في العالم. كلُّ واحد منكم مدعوٌّ إلى أن يكون مسيحيًّا هنا. وهنا، ماذا يعني هنا؟ يعني هموم كلِّ واحد منكم في حياته الخاصة والجماعيّة. في حياته العائليّة والزوجيّة وفي تحصيل رزقه اليوميّ، وفي علاقاته مع غيره، مع الكبير والصغير، ومع القريب والبعيد. وهنا يعني أيضا الواقع الذي يظلِّل حياتنا جميعا ويؤثِّر فيها، أي الصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ وكلَّ ما ينجم عنه، وهو بعيد من أن ينتهي ويستقرّ. فهو مسبِّب لمعاناة كبيرة للفلسطينيِّين، وهو مسبِّب أيضا انعدامَ أمن وخوفا كبيرا في قلوب الإسرائيليّين، ومولِّد للكراهية في كلا الجانبين. هو للفلسطينيّين السور العازل والحواجز العسكريّة والإذلالات اليوميّة وصعوبة الحياة الاقتصاديّة والاجتماعيّة وصعوبة تربية الأبناء وصعوبة الخبز اليوميّ. هذا ما يعني "هنا"، عندما نقول إنّ الله يريدنا أن نكون مسيحيّين هنا. هنا يريدكم ويريدنا الله أن نكون، مواجهين لجميع مسؤوليات حياتنا العادية، وطرفا في الصراع وبناةَ سلام وأخُوَّةٍ فيه.         

والمبدأ الثاني هو: إن الله سيّد التاريخ. وله نظرة خاصة بهذه الأرض المقدسة. ويجب أن نصل إلى فهم هذه النظرة لنسير بنورها. الله يحب هذه الأرض ويحب جميع سكانها حبا خاصا. ويجب أن يصل كل واحد منا إلى هذا الحب. قد يقال: هذا خيال. بل هذا واقع وصحيح. الله موجود وحبه موجود وحبه لهذه الأرض وسكانها موجود. وفي وسط صراعاتنا الخاصة وفي وسط الصراع الكبير في هذه الأرض نحن نسمع كلمة يسوع ونرددها بعزم: كونوا كاملين كما أن أباكم السماوي كامل. الله يحب الكل ومثله نحب الكل.

 مبدآن: الأول الله يدعونا إلى أن نكون مسيحيين هنا وليس في أي بلد آخر في العالم. والثاني الله سيد التاريخ ويجب أن نراه في كل ما يحصل هنا. ومعه نعمل.

ونعمل. نصلي ونعمل. لا نخضع للأحداث ولا نستسلم بل نعمل.
نعمل وسعنا لوضع حد للمعاناة التي نحن فيها، نعمل مع جميع إخوتنا، وإخوتنا هم كل إنسان ذي نية صالحة يعمل للعدل والسلام، فالحرب ليست بيئة حياة لأحد لا للفلسطيني ولا للإسرائيلي، والكل يجب أن يخرج منها، لنبني معا بيئة سلام نعيش فيها جيرانا طيبين بعضنا لبعض، بل إخوة لأننا كلنا على السواء خليقة لله خالقنا. حريتنا مفقودة ولا بد من أن نستردها. ولا يجوز لأحد أن يبقى متفرجا. ولاستردادها لا بد من دفع الثمن. ولا بد من من أن يشارك كل واحد منا على طريقته في دفع الثمن المطلوب، أقله المشاركة في تقبّل صعاب الحياة اليومية. هذه ارض أحبها الله وأرادها ارضا مصدرا للمصالحة والحب، كذلك يجب أن نجعلها.

ونعمل ولا نشكي ولا نبكي. وإن اشتدت بنا الحال وكان لا بد من البكاء، نضع بكاءنا وشكوانا أمامه تعالى هو الذي يسمع ويجيب. نضع شكوانا على هذا المذبح: ونقول اللهم تطلع من عليائك وانظر. ولا نستسلم بل نستمد قوة جديدة مثل إيليا النبي يوم كان هاربا من وجه الملوك في أيامه، فأرسل الله من يزوده بالخبز الضروري وتابع مسيرته في البرية. 

أيها الإخوة نصلي اليوم ونطلب شفاعة سيدتنا مريم العذراء سيدة فلسطين، نسألها أن تمحنا القوة والنور لنعرف كيف نعيش في هذه الأرض المقدسة، وهي أرض للأقوياء وللقدّيسين، كما قلنا، وليست أرضا للحياة السهلة. هذا كلام يجب أن نذكره. ونجعله حزءا من صميم حياتنا. قوة وقداسة. بهذا نعيش في هذه الأرض. نصلي من أجل السلام والعدل، وإلى أن تحين الساعة نحن مسؤولون عن صنع السلام والعدل، بالقوة والقداسة التي يجب أن تكون فينا.

ونصلي من أجل جميعكم في مواجهة الأفراح والأحزان والآمال والآلام في حياتكم اليومية. ليكون كل بيت من بيوتكم بيتا لله تملأه نعمته تعالى وبركته ومحبته، وليعرف كيف يواجه أفراحه وأحزانه، وكل الصعاب والمسؤوليات. نسأل ذلك بشفاعة سيدتنا مريم العذراء سيدة فلسطين. آمين.

 

 

Home Page