stemma logo

Patriarch Emeritus

Pastoral Letters

Archives

 

رســالة الصــوم
1 آذار 2006

1        نبدأ زمن الصوم وهو زمن صلاة وتوبة وصوم. فيه نذهب مع يسوع إلى الصحراء في خلوة قلوبنا، لنضع أنفسنا في حضرة الله، ولنسجد ونتعبد ونتأمل ونصبح قادرين على استقبال الحياة الوافرة التي يمنحنا إياها الله في كل لحظة. تتكلم الأناجيل الخمسة في آحاد الصوم على تجربة يسوع، وعلى التجلّي، وتجّارِ الهيكل، ومحبةِ الله لنا، وعلى صعود يسوع إلى أورشليم قبل آلامه. 
          نتأمل في كلمة الله لنا في هذه الأناجيل ونجد أن حياتنا هي أيضا تجربة وصراع مستمر للثبات في السير في حضرة الله، ولنجعل جميع لحظاتِ حياتنا لحظاتِ تجلٍّ ونعمة، لحظاتٍ فيها نطهِّرُ هيكل قلبنا، فنصبح أكثر وعيا وإدراكا لمحبة الله لنا، ولنجعل من حياتنا صعودا مستمرا إلى أورشليم حيث نصبح نحن أيضا مشاركين في الذبيحة التي كانت مصدر فدائنا، ومثل يسوع ربنا ومخلصنا نفتح ذراعنا وقلبنا للجميع مبشرين بالخلاص والقيامة.

2        أراد قداسة البابا بندكتس السادس عشر في رسالته بمناسبة الصوم في هذا العام أن يتكلم على الفقراء والتنمية. أراد أن يذكِّرَنا "بصراخ الجماهير المتعطشة إلى الفرح والسلام والمحبة..." وبوقائعَ بشريةٍ يسودُها "الشقاءُ والعزلة والعنف والجوع"، وهي صور من المعاناة "تنتاب الجميع من غير تمييز فتشمل المسنين والبالغين والأطفال". ولكنه يذكِّرُنا أيضا أمام هذه الشرور أن "الله لا يسمح أن تكون ظلمات الشر هي الغالبة"، ويقتبس من سلفه البابا يوحنا بولس الثاني فيقول إن الله "وضع حدا للشر وهو رحمته الإلهية"، ومع الرحمة المقدرةُ على المحبة وعلى الصلاح التي وضعها الله في قلب كل واحد منا.
وقد كرس قداستُه رسالتَه البابوية الأولى للحب في مختلف أوجهه، الحبُّ لله وللقريب والحبُّ الذي يظهر في الحياة الجماعية بشتى الأعمال والمشاريع التنموية.

3        إنَّ وضْعَنا هنا في القدس وفي المنطقة كلها هو جزء من رسالة البابا: الخوف والقلق وانعدام الأمن والبحث عن العدل والسلام والمصالحة التي تبدو وكأنها سراب بعيد. أتتنا الانتخابات الفلسطينية في هذه الأيام بقوى جديدة تمسك بمصيرنا، ونحن ننتظر الانتخابات الإسرائيلية لنرى في أيةِ أيدٍ سيوضع مصيرنا. أمام كل ذلك، الصوم يقول لنا إننا إذ نسير في حضرة الله فإننا نسير مع جميع الناس أيا كانوا. لأننا نرى وجه الله في وجه كل واحد، ولأن آمالنا وآلامنا هي آمال وآلام الجميع. ومن ثم، نستمر في بناء مجتمعنا مع وعينا المتزايد لمقدرتنا على الصلاح والحب التي وضعها الله فينا. ولهذا نكرر ونقول إن المسيحي لا يجوز له أن يَضعُفَ أو يستضعف نفسه ولا يجوز له أن يخاف.
ومع الأوضاع التي نعيشها فإن الفقراء بيننا كثيرون: الفقراء الذين حُرِموا حريتَهم  ووسائلَ العيش اليومي الكافية، والفقراءُ الذين لا يقدرون على تجديد إيمانهم ولا يعرفون كيف يعيشون في الرعية عيش أسرة مؤمنة واحدة.

4        رسالتنا في هذا الصوم هي لَفتُ الانتباه إلى المحبة في حياتنا كرعية وككنيسة. نعم، نحن كنيسة فقيرة لا بد لها من أن تأخذ لتعيش وتبقى، ولكن يجب أن نتذكَّر أنّنا قادرون أيضا على المحبة ومن ثَمَّ على العطاء. كارتاس-القدس، مؤسسةُ المحبة في كنيستنا، هي مؤسسةٌ تأخذ من كنائس أخرى. ويجب أن تكون في الوقت نفسه هيأةً تنظَّمُ محبة مؤمنينا وعطاءهم، في كافة رعايانا، أغنياء وفقراء، حتى نصبح جميعا قادرين على العطاء. هناك تربية جديدة لا بد منها، يُنشَّأُ عليها  المسيحي في الأرض المقدسة ليتعلم فيقدر أن يعيش، حتى في العوز والفقر، غِنى الشركة الكنسية، كما ورد ذلك في كنيسة القدس الأولى: "كان جماعة الذين آمنوا قلبا واحدا ونفسا واحدة، لا يقول أحد منهم إنه يملك شيئا من أمواله، بل كان كل شيء مشتركا بينهم...ولم يكن فيهم محتاج" (أعمال 4:32 و34). يجب أن يخرج كل واحد من فرديته ويتجاوز حدود ذاته وعائلته وأقاربه ليعانق الرعية كلها ومن بعد الرعية المجتمع كله. والذين بيننا يقولون إنهم يتصدقون ويحسنون يجب أن يتجاوزوا مرحلة الإحسان والصدقة ويتعلموا أن يعطوا أكثر من ذلك، فيعيشوا حياة الرعية العائلة، ويتعلموا أن "يَنمُوا ويَكبُروا معا" مع جميع الإخوة والأخوات، حتى لا يبقى أحد في الجماعة المؤمنة في عوز المادة أو العزلة أو التفرقة.

5        يسأل البعض : كيف نصوم، أبحسب التقاليد أم بحسب التعليمات الجديدة للكنيسة؟ ونقول إنه يجب اتِّباع التقاليد والقوانين الجديدة. ولكن قبل ذلك يجب أن ندرك هدف الصوم: وهو أن نرجع إلى الله وأن نجعل له مكانا في حياتنا، ومعه وبحضوره نبني مجتمعنا. لأننا، مع الله حاضرا بيننا ومعنا، لا يسعنا أن نبقى حيارى أو خائفين أو متذمِّرين متشكّين. الله معنا، وهذا يعني أن نمتلئ بروح الله وبقوته ومحبته. وبهذه القوة والمحبة نواجه كل الحالات، في حياتنا الخاصة والعامة. ومحبتنا التي تعانق الجميع من غير تمييز هي الكفيل بألا يتحوَّل إيمانُنا وروحُ العائلة في الرعية إلى طائفية أو فئوية دينية أو تعصب معتدٍ على أحد. "اصنعوا لكم قلبا جديدا وروحا جديدا" يقول حزقيال النبي (18: 31). إلى هذا يجب أن نسعى، أن نجدد روحنا وقلبنا، لنصبح دائما أكثر مقدرة لاستقبال الحياة التي يريدها الله لنا وللجميع.
لترافق مريم العذراء القديسة صومَنا وصلاتنا، ولتعلِّمنا أن نحوِّل حياتَنا كلها إلى حياة شركة وعائلة نعيشها في رعيتنا، وإلى قوّةٍ مُحِبَّةٍ بها نُسهِم مع الجميع في بناءِ مجتمعنا. وليباركْكم الله القادر على كل شيء، الآب والابن والروح القدس، الإلهُ الواحد. آمين.
                                              + البطريرك ميشيل صبّاح

 

Home Page