stemma logo

Patriarch Emeritus

Pastoral Letters

 

Archives

 

 

 

جبل التطويبات
الأحد 28/1/2007

1) تحية : المطارنة – الكهنة – الرهبان والراهبات ولا سيما الراهبات الفرنسسكان في هذا المقام المقدس – وأنتم المؤمنين جميعا من جميع الرعايا وجميع الكنائس.

2) جئنا نصلي معا حيث صلى يسوع. ونستمع إلى تعاليمه حيث علم.
تعاليمه كانت جديدة لسامعيه. وما زالت جديدة لنا.
استمعنا إلى الإنجيل المقدس قبل قليل.

3) طوبى لفقراء الروح فإن لهم ملكوت السماوات.
طوبى للفقراء، لمن يملكون المال ويتصرفون به وهم عالمون أنهم فقراء إلى رحمته تعالى في كل وقت. وأن كثرة المال لا تغني عن رحمة الله. طوبى لهم إن لم تصبح كثرة المال لهم مجرِّدةً من القيم والإيمان.
طوبى للفقراء الذين يملكون المال ويعرفون أنه من مال الله، ومن ثم أنه شركة، فهو لهم ولكل أخ محتاج بينهم. ومن ثم يظلون على استعداد لتقديم مالهم لله ليشرَكَ فيه كلُّ أخ محتاج.
طوبى لمن يملكون المال ويذكرون كيف تصرفت الكنيسة الأولى بالأموال قبالة حاجة المؤمنين إذذاك، حيث كان مال الجميع، بحكمة الرسل ثم الشمامسة، يسد حاجة الجميع.
طوبى للفقراء، الذين إذا افتقروا، كدوا واجتهدوا ليحصلوا على رزقهم، وفي كدهم وجهدهم وطموحاتهم وهمومهم الكثيرة لا يفقدون إيمانهم ولا القيم التي علمها يسوع المسيح، بل ظلوا يسعون إلى المال وهم يجددون في الوقت نفسه إيمانهم ويجددون أمانتهم لكل القيم والأخلاق التي علمها يسوع المسيح.
طوبى للفقراء الذين إذا افتقروا ظلوا حامدين لنعمة الله. لأن كل شيء مصدر نعمة وسعادة في الحياة، المال والفقر على السواء، إن بقي المؤمن يرى نفسه، في المال والفقر، سائرا أمام نظر الله ورعايته. الهدف في الحياة هي السعادة، وإحدى الوسائل إليها هو المال. ولكن من الوسائل المؤدية إلى السعادة أيضا: السير أمامه تعالى في مخافته، ومحبة الإخوة، والعطاء مع فقرنا للإخوة. فكلما تجردنا زادنا الله غنى، وكلما خفَّفنا من ثقل المال على قلوبنا زادنا الله امتلاكا لنعمته وزادنا سعادة في حياتنا.

3) طوبى لفقراء الروح فإن لهم  ملكوت السماوات.
ويكون لهم ملكوت السماوات إذا عرفوا، في وسط الهموم والضغوط والمظالم، أن يكونوا هم الغالبين في هذه الأرض. إذا عرفوا أن يكونوا هم الأقوياء بمحبتهم، والأقوياء بفقرهم، والأقوياء بتجردهم، والأقوياء برؤيتهم لله في كل إنسان وفي كل حادثة. بذلك يكونون هم الغالبون. وعكسهم الضعاف ومرضى النفوس، ومن قبلوا أن يظلوا فريسة الخوف والقلق والحيرة والبكاء والشكوى، عاجزين عن الخروج من هذه المواقف الضعيفة، ليبدأوا فيروا الله في وسط أحداث الناس. إذا ظلوا يحكمون على الأمور والأحداث بحسب رؤى ذاتية أنانية ضيقة ولم يدخلوا في رحابة الرؤية التي أتى بها السيد المسيح ولا عرفوا مجال القوة الذي يدخله كل مؤمن به، قوةٍ في الروح والإرادة الحازمة وقوةِ المحبة التي تجنِّب المؤمن كل موقف نعرة أو اعتداء.
طوبى لفقراء النفوس فإن لهم ملكوت السماوات، هنا في هذه الحياة، في وسط همومها وقسوتها ومظالمها، ومن بعد هذه الحياة، حين تأتي الساعة ويستعيدنا الله إلى رحمته الأبدية.

4) وكل التطويبات مرتبطة بهذه الرؤية : السير أمامه تعالى والبحث عنه هو، وطلب نعمته مصدرا أوليا للسعادة، ووضع كل المصادر الأخرى بما فيها المال في موضعها الثاني لنبقى مؤمنين أحرارا في تصرفاتنا بخيرات هذا العالم.
طوبى للرحماء
طوبى للودعاء
طوبى لأطهار القلوب
طوبى للمضطهدين فإن لهم ملكوت السماوات
وطوبى لصانعي السلام فإنهم أبناء الله يدعون

الرحمة في مجتمعنا. والوداعة. تجاه ما في مجتمعنا من قسوة، في الصراع الأساسي القائم في هذه الأرض المقدسة، بين الفلسطينيين والإسرائيليين. والقسوة في عدد من المجالات اليومية في الحياة العادية. وتجاه هذا الواقع، يسوع ينادي بالرحمة والوداعة في النفس، في التعامل مع كل أخ وأخت من غير تفرقة. الكل إخوة وأخوات، المسيحي والمسلم والدرزي واليهودي والمسيحي.

وفي هذا المجال، قد يكون لدى بعض المؤمنين بيننا، تحفظات على كلام يسوع وتعليمه. يقول بعضنا: "كيف يعاملوننا هم. كيف يتألبون علينا. كيف ينظرون إلينا. في المجتمع التفرقة حاصلة: كل فئة لنفسها". ونحن نقول: المسيحي يجب أن يخرج من كل إطار فئوي. مثل محبة المسيح المسيحي يحب. والمسيح أحب الجميع. نعم، هناك من جهة واقعية تضغط وتولد المواقف السلبية، فبعض التعاملات قاسية أو ضاغطة أو ظالمة. ومع ذلك المسيحي يجب أن يجد القوة في سيره أمام الله ليعرف كيف يتعامل مع كل ظلم أو ضغط: فيرفض كل ظلم وكل ضغط وفي الوقت نفسه يبقى قلبه رحبا واسعا لكل إنسان من غير تمييز أو تفرقة، لا من حيث الدين ولا من حيث كيفية التعامل الذي يلقاه.

5      لما علم يسوع هنا الجموع على هذا الجبل، كان تعليمه لهم جديدا. وهو تعليم جديد لنا، إذ بعضنا، كما قلنا، له تحفظات، ويقبل به إلى حد ما. ويحتفظ بطرقه الخاصة، لمواجهة مجتمعه وفئوياته. هناك نفوس ترفض تعاليم يسوع. وتريد أن ترد على القسوة بالقسوة، وعلى التمييز بالتمييز وعلى الظلم بالظلم.

ونحن نقول إن المسيح لا يتجزأ كما قال القديس بولس، وكذلك المسيحي لا يتجزأ: إما يقبل إيمانه وتعليم يسوع كاملا وإما لا. ومن ثم فطريقنا في قبول إيماننا ما زالت أمامنا طويلا. هي جهاد طويل مع الروح. ونحن بحاجة إلى نعمة الله لنهذِّب أنفسنا ونطوِّعها لقبول تعاليم يسوع كلها.
يسوع ما زال يكلمنا هنا وفي الإنجيل المقدس وفي كل ما يحدث لنا في كل لحظة من لحظات حياتنا. ويسوع حاضر دائما بيننا. وما زال يمنح كل من يريد القوة ليولِّد في ذاته إنسانا جديدا وفي هذه الأرض المقدسة مجتمعا جديدا، فيه يعترف كل إنسان بكل إنسان أخا وأختا له، على أي دين وعلى أية قومية كانوا.

أيها الإخوة هذا كلام يسوع لنا على هذا الجبل في الأمس واليوم. لنصغ إليه. لنتأمل فيه. اسأل الله أن يملأ قلوبكم وأذهانكم بنوره لتدركوا ما آمنتم به. أسأله أن يمحكم القوة والمحبة معا لتعيشوا بإيمانكم أقوياء ومحبين لجميع الناس. آمين.

 

Home Page