stemma logo

Patriarch Emeritus

Pastoral Letters

 

Archives

 

 

 

 

صلاة في الجسمانية
في ذكرى ستين عاما للنكبة

1      عنوان صلاتنا في هذا المساء هو: "تعرفون الحق، والحق يحرركم" (يوحنا 32:8). ونصلي حيث صلى يسوع قبل أن يموت على الصليب من أجلنا. هنا صلى وهنا رأى الموت وارتعش لهذه الرؤية وطلب أن تبتعد عنه هذه الكأس. ولكنه سلم أمره لله، وقال: فلتكن مشيئتك يا الله.

2      وبعد صلاة يسوع في الجسمانية، استمعنا إلى القديس بولس في رسالته إلى أهل أفسس  (6: 10 – 18) يقول لنا:  "تقوّوا في الربّ وفي قدرته العظيمة. تسلحوا بسلاح الله الكامل لتقدروا أن تُقاوموا مَكايد إبليس". وإبليس هو شر فينا وشر في الناس من حولنا. وأمام هذا الشر يقول لنا القديس بولس أيضا: "اثُبتوا إذاً مُتمنطقين بالحق، لابسين درع الاستقامة، مُنتعلين بالحماسة في إعلان بشارة السّلام. واحمِلوا الإيمان تُرساً في كُلّ وقتٍ، لأنّكم به تَقدرون أنْ تُطفئوا جميعَ سِهام الشّريّر المُشتعلة".

أمامنا صراع والقديس بولس يبين لنا الطرق. ليست طرق الناس. بل طرق الله. هي قوة الله، وهي قوة المحبة وليست القوة المعتدية ولا المدمرة ولا قوة البغض والكراهية. بل قوة القلب الصافي المطمئن أمام الله، وبطمأنينة الله يقف في وجه الشر الذي نواجهه كل يوم في حياتنا بسبب الأوضاع السياسية المضطربة في أرضنا المقدسة.

3      ستون سنة، نتوقّف من بعدها فنراها مملؤة بالمخاصمة والدماء والشهداء وعذاب الألوف من الأسرى الذين مروا بالسجون الإسرائيلية أو الذين ما زالوا قابعين فيها. ستون سنة نرى دولة إسرائيل قامت، ونرى الدماء التي نزفت من جهتها أيضا، ونرى الخوف الذي ما زال يملأ القلوب فيها، قلوب الحكام والأفراد، الخوف من الزوال. نذكر  ضحايانا ونذكر ضحاياهم. فكلهم أمام الله خليقته. وكلهم سفكت دماؤهم وكان بالإمكان ألا تسفك، لو عدل المسؤولون عن العدل، لو عدل قادة الشعوب، ولو أحسن التصرف قادتهم وقادتنا.
ستون سنة ذكرى تضعنا لا أمام الخصم بل أمام أنفسنا: ماذا صنعنا وماذا رأينا وماذا بوسعنا أن نرى اليوم وأن نصنع. الذكرى قوة لنرى أنفسنا وقوة لنرى ضعفنا. صنع الآخر ما يستطيع أن يصنع. وظلم وتجبر وحرمنا أرضنا وحريتنا وقض مضاجعنا ودمر منازلنا وأسر وقتل. ولكن المهم ماذا صنعنا وماذا سنصنع الآن؟.
تعرفون احلق والحق يحرركم. ومعرفة الحق يبدأ بمعرفة نفوسنا، لا بتغطيته بما يظلمنا به الخصم. نحن بحاجة إلى مراجعة نفوسنا وتقييم أفكارنا وخططنا. وهم بحاجة إلى ذلك أيضا. رؤية الحرب أو إلقاء مسؤوليتها على الآخر ليست طريقة وليست حقيقة. الحرب مثل الخطيئة كامنة قي صدور كل من يميل إليها، في أية جهة كان. الكل يجب أن يكشف هذا الشر الكامن في ذاته والكل يجب أن يرى وجه الله في قبيله أو في خصمه.

4      وقضيتنا هي قضية الشرق الأوسط كله. لبنان والعراق ومصر وسوريا والأردن. كلها أطراف في الصراع وكلها في المحنة نفسها وفي وجه النار نفسها على وشك أن تلتهم في كل لحظة الأخضر واليابس.
فالقضية قضية عربية. وهي قضية مسيحية. الحضور المسيحي ماذا يصنع؟ العدد القليل ليس عذرا. المؤمن الواحد ينقل الجبال. ولكن هنا أيضا يجب أن ينبثق فكر موحد متكامل وعلى مستوى الشرق الأوسط يقدم حلولا ورؤى جديدة لمواجهة الشر المراد بنا وبالمنطقة في سبيل رؤى مخالفة لرؤى السلام والحقيقة. لأنهم حتى اليوم يقولون سلام ويصنعون الحرب. ويقولون حقيقة ويشوهون وجه الإنسان ويصنعون منه إرهابيا. ونحن ننجرف في منطقهم. فعلينا أن نرسّخ منطقا لنا، وبحسبه نعمل.
السلام ممكن. والشعبان يمكن أن يعيشا معا. نقول هذا في وجه من يقول، من أي طرف كان، إن السلام غير ممكن وإن الشعبين لا يقدران أن يعيشا بسلام.
والمحبة ممكنة في قلوب الناس. فقد أفاضها الله في الناس، ولم يفض في قلوبنا الكراهية والقتل.

60 سنة للذكرى صنعْنا منها صلاة. وحسنا صنعنا. ويجب أن نصنع منها رؤية جديدة. رؤية لذاتنا وضعفنا. أمرا بتوحيد قوانا وفكرنا ومحبتنا، مستلهمين ما قال لنا القديس بولس: "اثُبتوا إذاً مُتمنطقين بالحق، لابسين درع الاستقامة، مُنتعلين بالحماسة في إعلان بشارة السّلام. واحمِلوا الإيمان تُرساً في كُلّ وقتٍ، لأنّكم به تَقدرون أنْ تُطفئوا جميعَ سِهام الشّريّر المُشتعلة".
5      وعد الله بالأرض للشعب اليهودي. نعم وعد ابراهيم ونسله. وكان الوعد لخلاص البشرية لا لاستثار سياسي بالأرض. وعد بالأرض وأمر بالوصية قال: لا تقتل. هناك وعد وهناك أمر . وهناك كيان الله الذي هو محبة. ويجب التوفيق بين ذلك كله. هو إله المحبة وإله العدل. فمن سمع بكلام الوعد بالأرض يسمع أمر الله يقول: لا تقتل. ويسمع صوت الله يقول: أحبوا بعضكم بعضا.

يسوع هنا صلى، لم يقاتل. لم يقتل بل قتل هو. لأنه أحب خاصته وأحب الناس أحبهم إلى أقصى الحدود. الإنسان قوي بإيمانه أو بسلاحه. وقوة الإيمان أقوى. ولو فهم العدو نفسه عدوا ومعتديا لتوقفت المعركة وخرج الطرفان منتصرين. ويجب أن يعلم الجميع أن كتاب الله لا يمكن أن يكون سلاحا أو أداة حرب، لأن كتاب الله يغرس في القلوب محبة بين الناس لا حربا.

6      لنصل ولنسأل الله ويسوع الذي صلى هنا أن يعلمنا الحق.
غدا عيد العنصرة وحلول روح الله على الرسل وفي البشرية. به هو الذي يجدد وجه الأرض يمكن أن نجدد نفوسنا ووجه أرضنا وقلوب الناس فيها. هو الذي يعلمنا الحق الذي يحررنا. وتبقى ذكرانا صلاة ولكنها تكون قوة تقدمنا نحو الحرية والكرامة التي أرادها الله لنا ولكل إنسان خلقه سبحانه على صورته ومثاله. آمين.

كنيسة الجسمانية، القدس 10 ايار 2008

+ البطريرك ميشيل صباح
بطريرك القدس للاتين

Home Page