لماذا يا رب تحتجب وتقف بعيداً في آونة الضيق؟
قم أيها الرب الاله وارفع يدك ولا تنسَ البائسين
بل قد رأيت لأنك تبصر الضرر والكرب لتجازي بيدك، اليك يفوض البائس امره واليتيم كنت أنت له ناصراً.
(مزمور 10، 1و12و14)
الى الكهنة والرهبان والراهبات
والى جميع أبنائنا الاعزاء،
والى جميع محبي الحقيقة والراغبين في ممارسة العدل حتى يروا بأعينهم السلام.
السلام لكم في المسيح يسوع، الذي صالحنا مع الله أبينا، ومع كل واحد من إخوتنا.
"فما من أحد منا يحيا لنفسه وما من أحد يموت لنفسه. فإذا حيينا فللرب نحيا، وإذا متنا فللرب نموت. سواء حيينا ام متنا فإنّا للرب." (روما 14، 7-8)
لا نجد قولا أفضل من قول الرسول هذا، في هذا الزمن الذي نعيشه بين الموت وأعمال العنف. فانا مع القديس بولس نرى وجه الرب في كل شيء، في الموت وفي الالام. ونحاوا جاهدين ان نتبيّن مشيئته تعالى، من خلال المأسات التي نعيشها في تاريخنا.
في يوم العنصرة هذا، وفي هذه المدينة المقدسة، حيث تمت العنصرة، اذ نتأمل في "محبّة الله التي افيضت في قلوبنا، بالروح القدس الذي وهب لنا" (روما 5، 5)، نوجه إليكم، إيها الأخوة والأخوات، هذه الرسالة. فيها نريد أن نتأمل معكم في الصراع الذي نعاني منه جميعاً، منذ سنوات طوال، في هذه المدينة المقدسة وفي هذه الأرض المقدسة، موضوع اهتمامنا ومصدر إلهامنا.
مع آباء المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني نقول: "ان أفراح الناس في هذا الزمن وآمالهم وأحزانهم وقلقهم، ولا سيما الفقراء والمتألمين منهم، هي أيضاً أفراح تلاميذ المسيح وآمالهم وأحزانهم وقلقهم، وكل شأن من شؤون الناس له الصدى في قلوبهم" (الكنيسة في عالم اليوم، 1).
أيّها المؤمنون الأعزاء، انّا نرى ان ألمكم في هذا الصراع لكبير. ونريد أن نقول لكم ان ألمكم هو ألمنا ومعاناتكم عي معاناتنا. وانكم لتنتظرون منا كلمة تشجيع وهداية. لقد تكلّمنا مراراً في هذا الموضوع، وها نحن في هذه الرسالة، نتابع حديثنا معكم، ونتابع مشاركتكم في المعاناة الشديدة التي تعيشونها. ولكن معكم أيضاً نريد ان نستوحي إيماننا، لنرى معاً ما يقوله لنا في هذا الوضع المأسوي الذي نعاني منه. ونوجه اليكم هذه الرسالة لأننا نريد أن نقوم بواجبنا راعياً وإنساناً ومواطناً لهذه الأرض المقدسة.
"اسألوا السلام لأورشليم… لأجل محبّة اخوتي وأخلائي أدعو لك بالسلام" (مزمور 122، 6و8). "في بهاء السلام"، هذا هو الشعار الذي بدأنا به خدمتنا الأسقفيّة، وسوف يبقى السلام هدفنا.
ان الذين يعيشون هذا الصراع مباشرة، هم أبناؤنا في المناطق المحتلة. إلا أن جميع المؤمنين، في جميع أجزاء الأبرشيّة، متأثرون به بطريقة او بأخرى، ويشعرون أنهم متضامنون ومرتبطون إرتباطاً وثيقاً مع اخوتهم وأخواتهم في المحنة. فالى الجميع نوجّه كلامنا، وندعوهم الى مشاركتنا في هذا التأمل، إنطلاقاً من إيماننا الواحد. ونوجه كلامنا ايضاً الى كل إنسان له صلة بهذا الصراع في الأرض المقدسة، أيّاً كان، ومهما كان إنتماؤه الديني او القومي.
1- صراع وآلام
مأساة مفروضة
بدأ هذا الصراع بين العبين الفلسطيني والاسرائيلي، منذ سنوات بعيدة. والكثيرون منكم ولدوا فيه. ومذ رأوا النور فتحوا أعينهم على المأساة التي فرضت على آبائهم. فوجدوا أنفسهم، وقد زجّ بهم في المأساة بلا رحمة، منذ بداية حياتهم. وما زال الوضع يسوء يوماً بعد يوم.
المعاناة اليوميّة
معكم ايها الأخوة والأخوات نعيش هذه المأساة. لقد صلّينا من أجل الموتى الذي ما زالوا يتساقطون في كل يوم. وحاولنا ان نوجه كلمة عزاء ومشاركة الى الجرحى والمعوقين للحياة. وددنا لو أتيح لنا ان نزور السجناء والموقوفين الداريين. واستمعنا الى روايات المعذبين، وما زلنا نتألم مع الذين ما زالوا يعذّبون. وانا لنتألم كذلك مع الذينيرغمون على تنفيذ مثل هذه الأوامر، وهم يشعرون غالباً بمعارضة ضميرهم وإرادتهم. ولا يسعنا الا ان نأسف للجرح الذي يحدثه ذلك في نفوسهم، والذي سوف يترك فيها أثراً باقياً.
ورأينا المبعدين عن وطنهم وذويهم، والبيوت المشموعة او المهدمة، والعائلات التي أصبحت بلا مأوى.
العقوبات الاقتصاديّة
وما زالت العقوبات الاقتصاديّة تزيد الحياة مشقة: وضع اليد على مصدر المياه، ومصادرة الاراضي، وقلع الأشجار، وإتلاف المزروعات، والقيود المفروضة على الأسواق، والضرائب الباهظة.
في مجال التربية
وشملت المعاناة بصورة خاصة مجال التربية أيضاً. فأغلقت المدارس مدّة طويلة. وما زالت عمليّة التعليم في وضع مضطرب. والجامعات ما زالت مغلقة منذ ثلاث سنوات تقريباً. وفي هذا الإغلاق نتائج خطيرة ووخيمة لمستقبل الألاف من الشباب، الذين منعوا من متابعة دراساتهم بإنتظام، ولمستقبل المجتمع الفلسطيني الآخذ بالتكوين، والمحتاج الى جميع طاقات أبنائه العلميّة والأدبيّة، ليتابع نموه وتنظيم نفسه.
مخيمات اللاجئين
ومعكم نمر ونشاهد المخيمات العديدة. نراها وقد تحولت الى أقفاص بشريّة، يحيط بها الأسلاك الشائكة والحرس. وكل مخيم هو في حد ذاته نداء مستمر للعدل والحريّة والكرامة، وبقاؤه شهادة لإرادة شعب صمم أن يبقى، وأن يحتل مكانه بين شعوب الأرض.
2- نتائج هذه المعاناة
ان للوضع الراهن نتائج سلبيّة وإيجابيّة متعددة، قد لا تكون ظاهرة الآن، ولكنها حقيقيّة وعميقة. وهي من الخطورة بمكان اذ ان الصراع القائم أصبح عاملاً رئيساً في صياغة وتكوين الاجيال ىالصاعدة.
إنعكاسات الوضع على الفلسطينييّن
النتائج السلبيّة
تدمير البنية الاجتماعيّة
ومن هذه النتائج السلبيّة، تدمير البنيّة الاجتماعيّة، بتدمير تدريجي للبنى الحتيّة الاقتصاديّة والزراعيّة والتربويّة. ويزيد الوضع خطورة غياب حياة سياسيّة منتظمة يمكنها أن تعمل في وضح النهار. ومن جهة أخرى فان غياب سلطة تشريعيّة وقضائيّة وتنفيذيّة، مجسمة في مؤسسات ظاهرة، يحترمها الشعب، يؤدي حتماً الى تصفيات مؤسفة في الخفاء.
ونتيجة لتمرد الشبيبة على السلطة القائمة، ولثورتها العارمة على جميع الأطر الاجتماعيّة التي أدت بها ثم أبقتها في مأساة الاحتلال العسكري، فإنا نراها تزداد تمرداً على جميع أشكال السلطة، سواء ذلك في المدرسة ام في الأسرة.
تصلّب في نفوس الاطفال
وأن أعمال العنف والآلام والإذلال التي يشهدها او يخضع لها الأطفال أنفسهم، او اخوتهم وأهلهم تطبع في أنفسهم الغبطة آثاراً نفسيّة ومعنويّة مدمرة، تولّد الحقد والتعطش للانتقام او الخوف او اليأس من كل عدالة بشريّة. وكلّها طرق تؤدي الى الغاية نفسها، وان اختلفت في ظاهرها،، الا وهي تغذية دائرة العنف الجهنميّة واللاإنسانية.
تطرف في مواقف الكبار
ونرى من جهة أخرى تطرفاً في مواقف الكبار، ناجماً من الاحباط نفسه ازاء التصلبات الايديولوجيّة والمواقف السياسيّة المتشددة، التي تحول دون اى تقدّم في مسيرة السلام.
رقابة الصحافة
وتزيد رقابة الصحافة من جهتها هذا التشدد، اذ تحول دون إظهار حقائق قد تكون مفيدة في التوجه نحو السلام.
استغلال المشاعر الدينيّة
ولا بد من شجب استغلال المشاعر الدينيّة لخلق النعرات، وهو اعتداء على اقدس ما في صميم الانسان والمجتمع البشري. وانما يهدف هذا الاستغلال الى دك أسس الامانة للوطن، والى تفويت كل فرصة للسلام، من خلال الصراعات الأخويّة والمواقف المتطرفة.
الهجرة
ومن أخطر النتائج الناجمة عن هذا الوضع المتردي، هو ازدياد الهجرة وتسارعها، وبالتالي حرمان المجتمع الفلسطيني والكنيسة المحليّة من الكثير من قواها الحيويّة. وقد سبق ان نبهنا في رسالة الصوم لهذا العام، للنتائج السلبية الناجمة عن الهجرة، للكنيسة والوطن على السواء. وقلنا ان الايام الصعبة ليست ايام هرب، بل في الايام الصعبة يصمد الاخوة ليشدوا أزر بعضهم البعض. وان العيش في الأرض المقدسة هو في الوقت نفسه نعمة منه تعالى ودعوة خاصة، وهي دعوة الى الحياة الصعبة. فلا بد من العمل على فهم هذه النعمة المعطاة لنا، ولا بد من ان نقبل بشجاعة الدعوة والرسالة التي تتضمنها.
ويرى الفلسطينيون ان جميع هذه النتائج السلبيّة تحيط بهم احاطة خانقة، ومثل كماشة قد احمكت قبضتها حولهم، فلم تترك لهم خياراً: فاما الافلات من هذه القبضة واما الخضوع لنظام لا يقبل به المحتل نفسه لنفسه في اي حال من الأحوال.
النتائج الايجابيّة
يقظة شعب
وكان لهذه الالام نتائج ايجابية ايضاً. فقد تجلت ارادة شعب يتطلع الى تحمل مسؤوليّاته. وبرزت شبيبة تنبهت لدورها في بناء السلام والوطن. وبالرغم من بعض عناصر الفوضى المؤسفة التي لا يمكن تجنبها في مثل هذه الاوضاع، فانا نلاحظ النظام والتضامن اللذين تولدا في هذه الالام في جميع صفوف الشعب. ففي ايام منع التجول، وفي ايام الاضراب، وفي الحياة اليوميّة، ولا سيما في المعاناة المشتركة في السجون، في الصيف وفي الشتاء، ظهرت وتوطدت عرى اخوة جديدة وقديمة في الوقت نفسه.
يقظة دينيّة
ومن الثنار الايجابيّة ايضاً، يقظة دينيّة ظهرت في اللجوء الى الايمان، مصدراً لتجديد القوى ولتجديد الامانة للوطن ولقيم السلام والعدل. ورأينا ايضاً بداية تفكير مسيحي حول دور المسيحي والعلماني والكنيسة المحليّة بأجمعها. وسمعنا النداءات المتعددة الموجهة الينا، لمساعدة الفكر، وللاسهام فيه بالقاء بعض الاضاءة في سبيل تنضيج الايمان في مثل هذه الظروف.
تقارب وأخوة
ونمت في هذا الصراع اخوة وتقارب بين رؤساء الكنائس في المدينة المقدسة، وقد رحب المؤمنون بهذا التقارب، اذ انهم يشعرون منذ زمن طويل بالحاجة الى توطيد القوى امام القضايا الحقيقيّة في حياة الشعب، وبضرورة التعامل معها، كتعامل السيد المسيح نفسه لو واجهها.
ونما كذلك تضامن مسيحي اسلامي قوّى الاواصر بين المواطنين والتفاهم المتبادل، اذ يشارك الجميع في خدمة المجتمع نفسه والوكن نفسه، انطلاقاً من القيم الروحيّة نفسها، وفي امانة كل مؤمن لإيمانه وعقيدته ومتطلباتها.
وفي المجتمع الاسرائيلي، ظهرت حركات للسلام. فبدأ تقارب شجاع مع العناصر اليهوديّة ذات الارادة الصالحة، والتي تحاول ان تتجاوز المواقف التقليديّة، مواقف الخوف والعنف والاعتداء، عاملة بصدق في سبيل العدل والسلام.
ولادة شعب
وإنا لنرى أخيراً، بين النتائج الايجابية لهذه المعاناة، ولاة امة وشعب يستفيق في وسط الواقع القاسي الذي عليه أن يواجهه، وخهو مصمم على أن يستخرج من محنته سلاماً عادلاً، ينعم به هو وخصمه. وهمناك أكثر من ولادة، فهو شعب أدرك قوّته وبات يرى بوضوح القوى السلبيّة التي تحاول ان تحد من نموّه ومن ممارسة حقوقه ومسؤوليّاته، فقرر أن يتحرر منها.
هي مرحلة حاسمة في حياة شعب يبحث عن الاعتراف بدولته، مطالباً بالحريّة وبحق إختيار نظامه السياسي وبحق إنتخاب قادته.
ارادة السلام والعدل
ولقد ولدت أيضاً بين الفلسطينين في هذه المعاناة رغبة في تحقيق السلام والعدل لهم أنفسهم ولخصمهم. فما زلنا نسمع، في هذه الايام، من الأفراد ومن المسؤولين، تعبيراً صريحاً عن الرغبة في تحفقيق السلام العادل والتعايش مع الخصم. ولعل هذا هو أهم عنصر ايجابي ولد في الانتفاضة، فجعل الحديث عن السلام امراً ممكناً.
فإن شعوراً حاداً بالظلم ورؤية أكثر دقة ووضوحاً للظالم، ولّد رؤية إنسانيّة وموضوعيّة للخصم وللسلام الذي يجب بناءه معه.
ولإرادة السلام هذه يجب أن نشهد. من واجبنا ومن واجب كل إنسان ذي إرادة صالحة ان يشهد لرسالة السلام هذه التي يقدمها الفلسطينيّون.
انعكاسات الوضع على الاسرائليّين
النتائج السلبيّة
بعد ان فرَّ الشعب اليهودي من الاضطهادات، ومن الموت الذي لاقاه في الغرب، لجأ الى هذه البلاد بين أبناء الشعب الفلسطيني. ولكنه ما زال حتى اليوم يعاني من الخوف نفسه في سبيل البقاء والخوف هو الذي يملي غالباً مواقفه العمليّة.
وقد تسبب الاسرائيليّون لأنفسهم، في مقاومتهم للانتفاضة، بخسارة معنويّة وإنسانيّة، وذلك على مستوى الضمير الفردي والجماعي. ومع أن القسم الأكبر من المجتمع الاسرائيلي ما زال غير قادر على رؤية الواقع وعلى فهم المعنى الصحيح للبطش الاسرائيلي العسكري ولرفض الحوار مع الفلسطينيّين، فهناك عدد متزايد بينهم أخذ يشعر بالجرح في النفس، وبأنه مستعمر لشعب آخر، ويؤلمه أن يعرض على العالم اناساً يضربون ويعذّبون ويقتلون اناساً آخرين، لأنهم يطلبون حريّتهم وحقوقهم. فالشعب منقسم بين رؤيتين للأمور، وفي ضميره انفصام يولد الايديولوجيات المتعارضة التي تصيب بالشلل كل تحرك نحو السلام. وانا لنرى نصيبه من الالام. ففي صفوفه أيضاً الضحايا والجرحى، وجرحهم في الجسم وفي القلب وفي الضمير.
مأساة الجندي الاسرائيلي
25. ونحن نرى ونعيش مأساة الجندي الاسرائيلي اذ نرى انه ليس فقط جندياً مأموراً بأعمال العنف، وإنما هو ايضاً وانما أب او أخ او زوج، يطلب منه ان يعتاد القتل والظلم والاعتداء على كرامة أخيه الفلسطيني.
النتائج الايجابيّة
حركات السلام
26. الى جانب الاتجاه المتشدد والمتطرف الرافض لكل حوار في سبيل السلام والذي يرى اخماد كل طلب فلسطيني بالعنف، نرى ولادة تحركات مختلفة بين الإسرائيليين في سبيل السلام. فقد أخذت أصوات عديدة بين الإسرائيليين ترتفع لتندد بما يجري. وما زالت أقليّة ولا أثر لها على السياسة العامة، إلا أنها تعبر عن تضامن مع الفلسطينيين، وعن ثقتها بالسلام الذي يعرضونه على الاسرائيليين.
كما أن هناك عدداً متزايداً بين يهود العالم أخذ يرى أيضاً البعد الحقيقي للصراع وأخذيعمل في سبيل حل عادل على اساس المساواة بين الشعبين.
الفلسطينيّون والاسرائيليون
يخضع الفلسطينيّون لاحتلال عسكري اسرائيلي منذ أكثر من 22 سنة. ولآن هم يطالبون بحقوقهم وحريّتهم واستقلالهم مثل كل كائن بشري ومثل سائر شعوب الأرض.
والإسرائيليون من جهتهم يبحثون عن الأمان والتحرر من الخوف، وعن ضمانات للمستقبل، ويحسبون ان بقاء الاحتلال هو هذا الضمان للتحرر. فيواجهون المطالبات الفلسطينيّة بالرفض والعنف.
في جهتي الصراع أناس خلقهم اله وأحبهم على السواء. هذه هي الرؤية الإنسانية والإلهية التي تلهم كلامنا. الإنسان في جهتي الصراع يتألم وهو بحاجة الى خلاص: الفلسطيني حتى ينال استقلاله وحريّته، والإسرائيلي ليتحرر من الخوف ويضمن طمأنينته وبقاءه.
ولا بد من الإشادة بالموقف الإيجابي المتولد هنا وهناك، مقاوماً تجربة طبيعته لدى كل واحد، تقوم برسم أقبح الصور للخصم، مكونة من عيوبه الحقيقيّة او المفروضة، فتمنع رؤية أية إيجابيات فيه. وفي الواقع اذا ما أصر الخصم على الاعتقاد ان حريّته تعارض حتماً حريّة الآخر، فإن هذا الموقف يبعث على اليأس من كل خير في البشريّة. ان الطريق الى الحريّة هي حريّة الآخر، فالحرية لا تنقض الحرية بل تكملها. ولهذا لا بد من أن يرى كل طرف الفرح والخصب والمستقبل في لقاء إنساني حقيقي، يجمع بينهما، ويعترف فيه كل واحد اعترافاً كاملاً بنفسه وبالآخر، وبه يقق كل طرف ذاته وذات الآخر.
3- عبر التاريخ
28. جذور الصراع بعيدة في التاريخ. وللتاريخ قراءات وتفسيرات مختلفة ومتضاربة. وقد غذت مشاعر إيجابيّة في حد ذاتها وهي مشاعر الولاء للوطن والأمانة للقيم، أثارت في الوقت نفسه أعمال العنف، ناقضة قيم السلام واعدل، التي يبحث عنها الطرفان.
الفلسطينيون
29. فالشعب الفلسطيني يرى اليوم، ان تاريخه نفسه أصبح موضوع مصادرة. وأنه محظور عليه ان يعبر عنه كما يراه وكما يفهمه. ورأى العالم يقول عنه أنه "إرهابي"، فجرده من كل صلاحيّة، ورضي لهذا السبب بتجريده من حقوقه.
وقد عاش الشعب الفلسطيني دائماً، المسيحي والمسلم على السواء، في هذه الأرض. فلسطين وطنه وتراثه السياسي والثقافي ولا يريد غيره وطناً وتراثاً.
ولهذا فقد رأى في هجرة اليهود المتزايدة الى فلسطين، في النصف الأول من القرن العشرين، تهديداً متزايداً له في عقر داره، تهديداً لوجوده ولهويّته واستقلاله. فحاول جهده مقاومة هذه الأكثريّة القادمة من الخارج والتي لن تترك له خياراً اذا تكونت، سوى الخضوع او الرحيل. ولقد ظهر له ان الحكومات الغربية كان لها غالباً ضلع في هذه القضيّة. واتخذت المقاومة الفلسطينيّة الوطنية جميع الطرق الممكنة مثل التوعية السياسيّة والاتصالات الدوليّة والعمل المسلح.
الإسرائيليون
30. ويرى الشعب اليهودي في هذه الأرض نفسها أرضه المقدسة وهي أرض الآباء والأنبياء، وعدهم الله بها ليبارك بهم جميع شعوب الأرض. وقد تشتتوا في العالم وقاسوا الكثير من جراء التفرقة العنصريّة ومن الاضطهادات التي تعرضوا لها. وقد بلغ الاضطهاد اوجه مع النظام النازي الذي قرر إبادة الشعب اليهودي. وتبقى هذه الجريمة في حق الإنسانية جرحاً نازفاً غير ملتئم في تاريخ القرن العشرين، وهي عبرة تصلح لكل زمان تحذر من الشر الكامن في قلب الإنسان ومن إمكانات الشر التي يمكن ان تنمو وتتقوى ضمن كل جماعة بشريّة وضمن كل أيديولوجية تبتعد عن حقيقة الإنسان وعن مصدره الإلهي.
وقد ارادت الصهيونيّة ان تخلص الشعب اليهودي من هذه التهديدات بإيجاد كيان مستقل له في فلسطين. الا ان تحقيق هذه الرؤية القوميّة اصطدم مع تطلعات الشعب الفلسطيني صاحب الأرض نفسها.
المواجهات المسلحة
31. وبدأت المواجهات وأعمال العنف، منذ العشرينات من هذا القرن. ولما تفاقم الوضع وأخذت فرص الحل السلمي بالتضاؤل حتى باتت شبه مستحيلة، تخلّت بريطانيا العظمى عن حكم فلسطين. وعام 1947 أصدرت هيئة الامم قراراً يقضي بتقسيم فلسطين الى دولة فلسطينيّة ودولة يهوديّة وتبقى القدس منطقة دوليّة. ورفض الفلسطينيون آنذاك هذا القرار، اذ رفضوا ان تبت الأسرة الدوليّة في مصير بلادهم، من دون موافقتهم، وهم الأكثرية الساحقة، وان تعطي أكثر من نصفها لأقليّة حديثة العهد في البلاد.
وتلا ذلك مواجهات مسلحة نجم عنها استيلاء دولة إسرائيل المنشأة حديثاً (1948) على نحو 77% من فلسطين.
حرب عام 1967
32. ثم تلا ذلك حالة لا سلم ولا حرب وقعت فيها صدامات متعددة. أهمها حرب 1967 حيث احتلت القوات الإسرائيلية القسم الباقي من فلسطين، محدثة بذلك تغييرات جذريّة في الوضع القائم.
نظام الاحتلال العسكري
33. وأخذ الكبت بالازدياد في المناطق المحتلة وفي غزة. فرأى الفلسطينيون أوضاعهم تزداد سوءا يوما بعد يوم: بسبب مصادرة الأراضي، ووضع اليد على مصادر المياه، وبناء المستوطنات، والأحكام بالإبعاد او بالسجن، وإقالة رؤساء البلديات. وفرضت الحدود والمضايقات على التنقلات ومشاريع البناء والاقتصاد. كل هذا جعل الفلسطينيين يشعرون انهم على هامش الحياة العامة وأنهم غرباء ومظلومون في أرضهم.
الانتفاضة
34. واذ لم تنفع الاحتجاجات والنداءات الموجهة الى الأسرة الدوليّة والإقليمية، ولم تجد جواباً شافياً، تكون شيئاً فشيئاً وضع متفجر أدى بصورة طبيعيّة الى الانتفاضة في كانون الأول 1987. فكانت هذه صرخة احتجاج، لتقول ان الوضع بات لا يطاق وأن الإذلال غير جائز، وأنه لا يجوز أن يستمر الاحتلال وأن الوضع كلّه بحاجة الى علاج. وهي لغة عبر بها الشعب عما في النفس، مطالباً بالعدل والحريّة جاره وأخاه الإسرائيلي الذي أصبح محتلاً وظالماً له. ويقول الفلسطينيّون انهم لن يرضوا بحكم ذاتي وهمي، ولا بحكم يخضعهم لشعب آخر، فيكونون شبه رديف له او مصدراً لليد العاملة لسوق عملهم.
تاريخان وشعبان ومستقبل مشترك
35. أرض فلسطين اذن ارض واحدة وفيها اليوم شعبان وتاريخان، ووحضارتان تتواجهان، وحساسيات وايدويولوجيات كثيرة ومواقف متعددة. وهناك بين الشعبين اختلاف جوهري، اذ توصل احدهما الى إنشاء الدولةالاسرائيلية، وما زال الشعب الفلسطيني يواصل الجهود لانشاء دولته.
والخطر يكمن في إنغلاق الطرفين كل دون الآخر، وفي تصلّب يرفض الاعتراف بالآخر فيؤدي الى مأزق لا مخرج منه. وقد تبنت منظمة التحرير الفلسطينيّة ياسم الفلسطينيين في مؤتمر الجزائر في نوفمبر 1988 موقف الحوار والاعتراف بالآخر، أعني بدولة اسرائيل، وما زالوا ينتظرون الرد الاسرائيلي على اليد الفلسطينيّة الممدودة للسلام.
ويبدأ كل حق بصرخة المولود الجديد وبدعاء الارملة واليتيم والمظلوم. وهذه الصرخة وذا الدعاء يبحثان عن جواب فيه إنسانيّة وفيه حقيقة. ففي سبيل هذه الحقيقة، المؤسسة على طبيعة الانسان نفسه، كلّنا مدعوون لبناء المستقبل معاً، ولإيجاد لغة مشتركة تمكننا من التفهم المتبادل للمشاعر والأفكار، ومن تحديد الخيارات وإتخاذ القرارات، وتسجيل المعاهدات البناءة في التاريخ.
4- مبادئ للحل
المسيحيّون في الصراع
36. في هذا الصراع وفي كلا الجانبين، يوجد مسيحيّون أيضاً. جميع المناطق المحتلة هي قسم من الأبرشيّة ومن همومنا وقلقنا وجهودنا المتواضعة لبناء الإيمان بالله وبالإنسان، الذي يثمر العدل والسلام.
ولهذا الحضور المسيحي، في قلة عدده فهو "القطيع الصغير"، رمزيّته ومعناه الخاص.
والمبادئ التي يمكن أن نقدمها للحل انما هي المبادئ التي نجدها في الكتاب المقدس وفي تعاليم الكنيسة. فكلاهما مصدر تفكيرنا ورؤيتنا المسيحيّة للوضع الذي نعيشه. وهذه المبادئ هي: المحبة والحقيقة والعدل الذي يولد الحريّة، وكرامة الفقير والمظلوم، والتعاون مع الآخر.
المحبة طريق العدل
37. المحبة هي الطرق الى العدل. وهي الاولى. قال السيد المسيح: "احبوا أعداءكم وصلوا من أجل مضطهديكم لتصيروا بني أبيكم الذي في السماوا" (متى 5، 43). ففي المحبة الحقيقة والصادقة يرى كل واحد نفسه وخصمه متسامياً فوق العداوة والصراع، أخاً لكونه ابناً لله. وهي هذه المحبة التي تدفع العدو والمضطهد الى الحوار الذي يبني العدل.
الحق يحرركم
38. قال السيد المسيح: "الحق يحرركم" (يوحنا 8، 32). فمعرفة الحقيقة مطل
32). Aمعرفةؠ'لحقيقةؠEطل
ب أساسي لكل حل. ومعرفة الحقيقة وقبولها يتطلبان ترفعاً وزهدا وإيمانا بالله. ولهذا فان السيد المسيح يقول ايضاً: ان روح الله هو الذي "يرشدنا الى الحق كلّه" (يوحنا 16، 13) وهو وحده الذي ينضج كل ضمير وينيره بالحقيقة: "حيث يكون روح الرب تكون الحريّة" (2كور 3، 17). واذا امتلأ المؤمن بروح الرب اصبح قادراً على احترام كل كرامة بشريّة، وكان الروح فيه منطلقاً لكل شجاعة وجرأة وتضحية.
كرامة الفقير والمظلوم
39. "لقد بيّن الإنجيل لكل إنسان انه كائن حر من ثم مدعو الى بلوغ الوحدة مع الله سبحانه، فأحدث بهذا البيان يقظة في أعماق الحريّة الإنسانية وإدراكاً لأبعاد لم يكن متنبهاً لها من قبل." (مجمع تعليم الإيمان: الحرية المسيحيّة والتحرر، 5) فيجب أن يعلم الفقراء والمظلومون والصغار، أنهم موضوع حب الله اللامتناهي وموضوع اهتمام الكنيسة. وكل واحد منهم يمكنه ان يقول: "انا حي بالإيمان بابن الله الذي أحبني وضحى بنفسه من أجلي" (غلاطية 2، 20). وهذه الكرامة الناجمة عن محبّة الله سبحانه وتعالى لهم، لا يستطيع أي كبير في العالم ان ينتزعها منهم.
بالتعاون تستقيم الإرادة
4. "ان كل إنسان موجه من طبعه الى سائر الناس وفي نفسه حاجة للتعايش معهم. ولا يستطيع ان يخلق في ذاته ارادة مستقيمة الا اذا سعى الى التوفيق بين إرادته وارادة الآخرين في سبيل ما هو خير حقاً. فهو التمشي حقاً مع متطلبات الطبيعة البشرية الذي يضفي على الارادة نفسها صيغة الانسانيّة. وهذا يعني ان التعامل مع إرادة الآخر يجب ان يقوم على اساس الحقيقة والعدل. فالحقيقة والعدل هما مقياس الحريّة الحقيقيّة. واذا ما أبعد الانسان عن هذا الاساس، ووضع نف