stemma logo

Patriarch Emeritus

Pastoral Letters

 

Archives

 

 

رسالة رعويّة

لصاحب الغبطة

المنسنيور ميشيل صباح

البطريرك اللاتيني الاورشليمي

في بهاء السلام

"اسألوا السلام لأورشليم"

(مزمور 122، 1)

بمناسبة عيد العنصرة 1990

 

لماذا يا رب تحتجب وتقف بعيداً في آونة الضيق؟

قم أيها الرب الاله وارفع يدك ولا تنسَ البائسين

بل قد رأيت لأنك تبصر الضرر والكرب لتجازي بيدك، اليك يفوض البائس امره واليتيم كنت أنت له ناصراً.

(مزمور 10، 1و12و14)

الى الكهنة والرهبان والراهبات

والى جميع أبنائنا الاعزاء،

والى جميع محبي الحقيقة والراغبين في ممارسة العدل حتى يروا بأعينهم السلام.

السلام لكم في المسيح يسوع، الذي صالحنا مع الله أبينا، ومع كل واحد من إخوتنا.

"فما من أحد منا يحيا لنفسه وما من أحد يموت لنفسه. فإذا حيينا فللرب نحيا، وإذا متنا فللرب نموت. سواء حيينا ام متنا فإنّا للرب." (روما 14، 7-8)

            لا نجد قولا أفضل من قول الرسول هذا، في هذا الزمن الذي نعيشه بين الموت وأعمال العنف. فانا مع القديس بولس نرى وجه الرب في كل شيء، في الموت وفي الالام. ونحاوا جاهدين ان نتبيّن مشيئته تعالى، من خلال المأسات التي نعيشها في تاريخنا.

 في يوم العنصرة هذا، وفي هذه المدينة المقدسة، حيث تمت العنصرة، اذ نتأمل في "محبّة الله التي افيضت في قلوبنا، بالروح القدس الذي وهب لنا" (روما 5، 5)، نوجه إليكم، إيها الأخوة والأخوات، هذه الرسالة. فيها نريد أن نتأمل معكم في الصراع الذي نعاني منه جميعاً، منذ سنوات طوال، في هذه المدينة المقدسة وفي هذه الأرض المقدسة، موضوع اهتمامنا ومصدر إلهامنا.

 مع آباء المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني نقول: "ان أفراح الناس في هذا الزمن وآمالهم وأحزانهم وقلقهم، ولا سيما الفقراء والمتألمين منهم، هي أيضاً أفراح تلاميذ المسيح وآمالهم وأحزانهم وقلقهم، وكل شأن من شؤون الناس له الصدى في قلوبهم" (الكنيسة في عالم اليوم، 1).

أيّها المؤمنون الأعزاء، انّا نرى ان ألمكم في هذا الصراع لكبير. ونريد أن نقول لكم ان ألمكم هو ألمنا ومعاناتكم عي معاناتنا. وانكم لتنتظرون منا كلمة تشجيع وهداية. لقد تكلّمنا مراراً في هذا الموضوع، وها نحن في هذه الرسالة، نتابع حديثنا معكم، ونتابع مشاركتكم في المعاناة الشديدة التي تعيشونها. ولكن معكم أيضاً نريد ان نستوحي إيماننا، لنرى معاً ما يقوله لنا في هذا الوضع المأسوي الذي نعاني منه. ونوجه اليكم هذه الرسالة لأننا نريد أن نقوم بواجبنا راعياً وإنساناً ومواطناً لهذه الأرض المقدسة.

"اسألوا السلام لأورشليم… لأجل محبّة اخوتي وأخلائي أدعو لك بالسلام" (مزمور 122، 6و8). "في بهاء السلام"، هذا هو الشعار الذي بدأنا به خدمتنا الأسقفيّة، وسوف يبقى السلام هدفنا.

 ان الذين يعيشون هذا الصراع مباشرة، هم أبناؤنا في المناطق المحتلة. إلا أن جميع المؤمنين، في جميع أجزاء الأبرشيّة، متأثرون به بطريقة او بأخرى، ويشعرون أنهم متضامنون ومرتبطون إرتباطاً وثيقاً مع اخوتهم وأخواتهم في المحنة. فالى الجميع نوجّه كلامنا، وندعوهم الى مشاركتنا في هذا التأمل، إنطلاقاً من إيماننا الواحد. ونوجه كلامنا ايضاً الى كل إنسان له صلة بهذا الصراع في الأرض المقدسة، أيّاً كان، ومهما كان إنتماؤه الديني او القومي.

1- صراع وآلام

مأساة مفروضة

 بدأ هذا الصراع بين العبين الفلسطيني والاسرائيلي، منذ سنوات بعيدة. والكثيرون منكم ولدوا فيه. ومذ رأوا النور فتحوا أعينهم على المأساة التي فرضت على آبائهم. فوجدوا أنفسهم، وقد زجّ بهم في المأساة بلا رحمة، منذ بداية حياتهم. وما زال الوضع يسوء يوماً بعد يوم.

المعاناة اليوميّة

 معكم ايها الأخوة والأخوات نعيش هذه المأساة. لقد صلّينا من أجل الموتى الذي ما زالوا يتساقطون في كل يوم. وحاولنا ان نوجه كلمة عزاء ومشاركة الى الجرحى والمعوقين للحياة. وددنا لو أتيح لنا ان نزور السجناء والموقوفين الداريين. واستمعنا الى روايات المعذبين، وما زلنا نتألم مع الذين ما زالوا يعذّبون. وانا لنتألم كذلك مع الذينيرغمون على تنفيذ مثل هذه الأوامر، وهم يشعرون غالباً بمعارضة ضميرهم وإرادتهم. ولا يسعنا الا ان نأسف للجرح الذي يحدثه ذلك في نفوسهم، والذي سوف يترك فيها أثراً باقياً.

ورأينا المبعدين عن وطنهم وذويهم، والبيوت المشموعة او المهدمة، والعائلات التي أصبحت بلا مأوى.

العقوبات الاقتصاديّة

 وما زالت العقوبات الاقتصاديّة تزيد الحياة مشقة: وضع اليد على مصدر المياه، ومصادرة الاراضي، وقلع الأشجار، وإتلاف المزروعات، والقيود المفروضة على الأسواق، والضرائب الباهظة.

في مجال التربية 

 وشملت المعاناة بصورة خاصة مجال التربية أيضاً. فأغلقت المدارس مدّة طويلة. وما زالت عمليّة التعليم في وضع مضطرب. والجامعات ما زالت مغلقة منذ ثلاث سنوات تقريباً. وفي هذا الإغلاق نتائج خطيرة ووخيمة لمستقبل الألاف من الشباب، الذين منعوا من متابعة دراساتهم بإنتظام، ولمستقبل المجتمع الفلسطيني الآخذ بالتكوين، والمحتاج الى جميع طاقات أبنائه العلميّة والأدبيّة، ليتابع نموه وتنظيم نفسه.

مخيمات اللاجئين

 ومعكم نمر ونشاهد المخيمات العديدة. نراها وقد تحولت الى أقفاص بشريّة، يحيط بها الأسلاك الشائكة والحرس. وكل مخيم هو في حد ذاته نداء مستمر للعدل والحريّة والكرامة، وبقاؤه شهادة لإرادة شعب صمم أن يبقى، وأن يحتل مكانه بين شعوب الأرض.

2- نتائج هذه المعاناة

ان للوضع الراهن نتائج سلبيّة وإيجابيّة متعددة، قد لا تكون ظاهرة الآن، ولكنها حقيقيّة وعميقة. وهي من الخطورة بمكان اذ ان الصراع القائم أصبح عاملاً رئيساً في صياغة وتكوين الاجيال ىالصاعدة.

إنعكاسات الوضع على الفلسطينييّن

النتائج السلبيّة

تدمير البنية الاجتماعيّة

ومن هذه النتائج السلبيّة، تدمير البنيّة الاجتماعيّة، بتدمير تدريجي للبنى الحتيّة الاقتصاديّة والزراعيّة والتربويّة. ويزيد الوضع خطورة غياب حياة سياسيّة منتظمة يمكنها أن تعمل في وضح النهار. ومن جهة أخرى فان غياب سلطة تشريعيّة وقضائيّة وتنفيذيّة، مجسمة في مؤسسات ظاهرة، يحترمها الشعب، يؤدي حتماً الى تصفيات مؤسفة في الخفاء.

ونتيجة لتمرد الشبيبة على السلطة القائمة، ولثورتها العارمة على جميع الأطر الاجتماعيّة التي أدت بها ثم أبقتها في مأساة الاحتلال العسكري، فإنا نراها تزداد تمرداً على جميع أشكال السلطة، سواء ذلك في المدرسة ام في الأسرة.

تصلّب في نفوس الاطفال

وأن أعمال العنف والآلام والإذلال التي يشهدها او يخضع لها الأطفال أنفسهم، او اخوتهم وأهلهم تطبع في أنفسهم الغبطة آثاراً نفسيّة ومعنويّة مدمرة، تولّد الحقد والتعطش للانتقام او الخوف او اليأس من كل عدالة بشريّة. وكلّها طرق تؤدي الى الغاية نفسها، وان اختلفت في ظاهرها،، الا وهي تغذية دائرة العنف الجهنميّة واللاإنسانية.

تطرف في مواقف الكبار

ونرى من جهة أخرى تطرفاً في مواقف الكبار، ناجماً من الاحباط نفسه ازاء التصلبات الايديولوجيّة والمواقف السياسيّة المتشددة، التي تحول دون اى تقدّم في مسيرة السلام.

رقابة الصحافة

وتزيد رقابة الصحافة من جهتها هذا التشدد، اذ تحول دون إظهار حقائق قد تكون مفيدة في التوجه نحو السلام.

استغلال المشاعر الدينيّة

ولا بد من شجب استغلال المشاعر الدينيّة لخلق النعرات، وهو اعتداء على اقدس ما في صميم الانسان والمجتمع البشري. وانما يهدف هذا الاستغلال الى دك أسس الامانة للوطن، والى تفويت كل فرصة للسلام، من خلال الصراعات الأخويّة والمواقف المتطرفة.

الهجرة

 ومن أخطر النتائج الناجمة عن هذا الوضع المتردي، هو ازدياد الهجرة وتسارعها، وبالتالي حرمان المجتمع الفلسطيني والكنيسة المحليّة من الكثير من قواها الحيويّة. وقد سبق ان نبهنا في رسالة الصوم لهذا العام، للنتائج السلبية الناجمة عن الهجرة، للكنيسة والوطن على السواء. وقلنا ان الايام الصعبة ليست ايام هرب، بل في الايام الصعبة يصمد الاخوة ليشدوا أزر بعضهم البعض. وان العيش في الأرض المقدسة هو في الوقت نفسه نعمة منه تعالى ودعوة خاصة، وهي دعوة الى الحياة الصعبة. فلا بد من العمل على فهم هذه النعمة المعطاة لنا، ولا بد من ان نقبل بشجاعة الدعوة والرسالة التي تتضمنها.

 ويرى الفلسطينيون ان جميع هذه النتائج السلبيّة تحيط بهم احاطة خانقة، ومثل كماشة قد احمكت قبضتها حولهم، فلم تترك لهم خياراً: فاما الافلات من هذه القبضة واما الخضوع لنظام لا يقبل به المحتل نفسه لنفسه في اي حال من الأحوال.

النتائج الايجابيّة

يقظة شعب

وكان لهذه الالام نتائج ايجابية ايضاً. فقد تجلت ارادة شعب يتطلع الى تحمل مسؤوليّاته. وبرزت شبيبة تنبهت لدورها في بناء السلام والوطن. وبالرغم من بعض عناصر الفوضى المؤسفة التي لا يمكن تجنبها في مثل هذه الاوضاع، فانا نلاحظ النظام والتضامن اللذين تولدا في هذه الالام في جميع صفوف الشعب. ففي ايام منع التجول، وفي ايام الاضراب، وفي الحياة اليوميّة، ولا سيما في المعاناة المشتركة في السجون، في الصيف وفي الشتاء، ظهرت وتوطدت عرى اخوة جديدة وقديمة في الوقت نفسه.

يقظة دينيّة

ومن الثنار الايجابيّة ايضاً، يقظة دينيّة ظهرت في اللجوء الى الايمان، مصدراً لتجديد القوى ولتجديد الامانة للوطن ولقيم السلام والعدل. ورأينا ايضاً بداية تفكير مسيحي حول دور المسيحي والعلماني والكنيسة المحليّة بأجمعها. وسمعنا النداءات المتعددة الموجهة الينا، لمساعدة الفكر، وللاسهام فيه بالقاء بعض الاضاءة في سبيل تنضيج الايمان في مثل هذه الظروف.

تقارب وأخوة

ونمت في هذا الصراع اخوة وتقارب بين رؤساء الكنائس في المدينة المقدسة، وقد رحب المؤمنون بهذا التقارب، اذ انهم يشعرون منذ زمن طويل بالحاجة الى توطيد القوى امام القضايا الحقيقيّة في حياة الشعب، وبضرورة التعامل معها، كتعامل السيد المسيح نفسه لو واجهها.

ونما كذلك تضامن مسيحي اسلامي قوّى الاواصر بين المواطنين والتفاهم المتبادل، اذ يشارك الجميع في خدمة المجتمع نفسه والوكن نفسه، انطلاقاً من القيم الروحيّة نفسها، وفي امانة كل مؤمن لإيمانه وعقيدته ومتطلباتها.

وفي المجتمع الاسرائيلي، ظهرت حركات للسلام. فبدأ تقارب شجاع مع العناصر اليهوديّة ذات الارادة الصالحة، والتي تحاول ان تتجاوز المواقف التقليديّة، مواقف الخوف والعنف والاعتداء، عاملة بصدق في سبيل العدل والسلام.

ولادة شعب

وإنا لنرى أخيراً، بين النتائج الايجابية لهذه المعاناة، ولاة امة وشعب يستفيق في وسط الواقع القاسي الذي عليه أن يواجهه، وخهو مصمم على أن يستخرج من محنته سلاماً عادلاً، ينعم به هو وخصمه. وهمناك أكثر من ولادة، فهو شعب أدرك قوّته وبات يرى بوضوح القوى السلبيّة التي تحاول ان تحد من نموّه ومن ممارسة حقوقه ومسؤوليّاته، فقرر أن يتحرر منها.

هي مرحلة حاسمة في حياة شعب يبحث عن الاعتراف بدولته، مطالباً بالحريّة وبحق إختيار نظامه السياسي وبحق إنتخاب قادته.

ارادة السلام والعدل

ولقد ولدت أيضاً بين الفلسطينين في هذه المعاناة رغبة في تحقيق السلام والعدل لهم أنفسهم ولخصمهم. فما زلنا نسمع، في هذه الايام، من الأفراد ومن المسؤولين، تعبيراً صريحاً عن الرغبة في تحفقيق السلام العادل والتعايش مع الخصم. ولعل هذا هو أهم عنصر ايجابي ولد في الانتفاضة، فجعل الحديث عن السلام امراً ممكناً.

فإن شعوراً حاداً بالظلم ورؤية أكثر دقة ووضوحاً للظالم، ولّد رؤية إنسانيّة وموضوعيّة للخصم وللسلام الذي يجب بناءه معه.

ولإرادة السلام هذه يجب أن نشهد. من واجبنا ومن واجب كل إنسان ذي إرادة صالحة ان يشهد لرسالة السلام هذه التي يقدمها الفلسطينيّون.

انعكاسات الوضع على الاسرائليّين

النتائج السلبيّة

بعد ان فرَّ الشعب اليهودي من الاضطهادات، ومن الموت الذي لاقاه في الغرب، لجأ الى هذه البلاد بين أبناء الشعب الفلسطيني. ولكنه ما زال حتى اليوم يعاني من الخوف نفسه في سبيل البقاء والخوف هو الذي يملي غالباً مواقفه العمليّة.

وقد تسبب الاسرائيليّون لأنفسهم، في مقاومتهم للانتفاضة، بخسارة معنويّة وإنسانيّة، وذلك على مستوى الضمير الفردي والجماعي. ومع أن القسم الأكبر من المجتمع الاسرائيلي ما زال غير قادر على رؤية الواقع وعلى فهم المعنى الصحيح للبطش الاسرائيلي العسكري ولرفض الحوار مع الفلسطينيّين، فهناك عدد متزايد بينهم أخذ يشعر بالجرح في النفس، وبأنه مستعمر لشعب آخر، ويؤلمه أن يعرض على العالم اناساً يضربون ويعذّبون ويقتلون اناساً آخرين، لأنهم يطلبون حريّتهم وحقوقهم. فالشعب منقسم بين رؤيتين للأمور، وفي ضميره انفصام يولد الايديولوجيات المتعارضة التي تصيب بالشلل كل تحرك نحو السلام. وانا لنرى نصيبه من الالام.  ففي صفوفه أيضاً الضحايا والجرحى، وجرحهم في الجسم وفي القلب وفي الضمير.

مأساة الجندي الاسرائيلي

25. ونحن نرى ونعيش مأساة الجندي الاسرائيلي اذ نرى انه ليس فقط جندياً مأموراً بأعمال العنف، وإنما هو ايضاً وانما أب او أخ او زوج، يطلب منه ان يعتاد القتل والظلم والاعتداء على كرامة أخيه الفلسطيني.

النتائج الايجابيّة

حركات السلام

26. الى جانب الاتجاه المتشدد والمتطرف الرافض لكل حوار في سبيل السلام والذي يرى اخماد كل طلب فلسطيني بالعنف، نرى ولادة تحركات مختلفة بين الإسرائيليين في سبيل السلام. فقد أخذت أصوات عديدة بين الإسرائيليين ترتفع لتندد بما يجري. وما زالت أقليّة ولا أثر لها على السياسة العامة، إلا أنها تعبر عن تضامن مع الفلسطينيين، وعن ثقتها بالسلام الذي يعرضونه على الاسرائيليين.

            كما أن هناك عدداً متزايداً بين يهود العالم أخذ يرى أيضاً البعد الحقيقي للصراع وأخذيعمل في سبيل حل عادل على اساس المساواة بين الشعبين.

الفلسطينيّون والاسرائيليون

يخضع الفلسطينيّون لاحتلال عسكري اسرائيلي منذ أكثر من 22 سنة. ولآن هم يطالبون بحقوقهم وحريّتهم واستقلالهم مثل كل كائن بشري ومثل سائر شعوب الأرض.

            والإسرائيليون من جهتهم يبحثون عن الأمان والتحرر من الخوف، وعن ضمانات للمستقبل، ويحسبون ان بقاء الاحتلال هو هذا الضمان للتحرر. فيواجهون المطالبات الفلسطينيّة بالرفض والعنف.

            في جهتي الصراع أناس خلقهم اله وأحبهم على السواء. هذه هي الرؤية الإنسانية والإلهية التي تلهم كلامنا. الإنسان في جهتي الصراع يتألم وهو بحاجة الى خلاص: الفلسطيني حتى ينال استقلاله وحريّته، والإسرائيلي ليتحرر من الخوف ويضمن طمأنينته وبقاءه.

            ولا بد من الإشادة بالموقف الإيجابي المتولد هنا وهناك، مقاوماً تجربة طبيعته لدى كل واحد، تقوم برسم أقبح الصور للخصم، مكونة من عيوبه الحقيقيّة او المفروضة، فتمنع رؤية أية إيجابيات فيه. وفي الواقع اذا ما أصر الخصم على الاعتقاد ان حريّته تعارض حتماً حريّة الآخر، فإن هذا الموقف يبعث على اليأس من كل خير في البشريّة. ان الطريق الى الحريّة هي حريّة الآخر، فالحرية لا تنقض الحرية بل تكملها. ولهذا لا بد من أن يرى كل طرف الفرح والخصب والمستقبل في لقاء إنساني حقيقي، يجمع بينهما، ويعترف فيه كل واحد اعترافاً كاملاً بنفسه وبالآخر، وبه يقق كل طرف ذاته وذات الآخر.

3- عبر التاريخ

28. جذور الصراع بعيدة في التاريخ. وللتاريخ قراءات وتفسيرات مختلفة ومتضاربة. وقد غذت مشاعر إيجابيّة في حد ذاتها وهي مشاعر الولاء للوطن والأمانة للقيم، أثارت في الوقت نفسه أعمال العنف، ناقضة قيم السلام واعدل، التي يبحث عنها الطرفان.

الفلسطينيون

29. فالشعب الفلسطيني يرى اليوم، ان تاريخه نفسه أصبح موضوع مصادرة. وأنه محظور عليه ان يعبر عنه كما يراه وكما يفهمه. ورأى العالم يقول عنه أنه "إرهابي"، فجرده من كل صلاحيّة، ورضي لهذا السبب بتجريده من حقوقه.

            وقد عاش الشعب الفلسطيني دائماً، المسيحي والمسلم على السواء، في هذه الأرض. فلسطين وطنه وتراثه السياسي والثقافي ولا يريد غيره وطناً وتراثاً.

            ولهذا فقد رأى في هجرة اليهود المتزايدة الى فلسطين، في النصف الأول من القرن العشرين، تهديداً متزايداً له في عقر داره، تهديداً لوجوده ولهويّته واستقلاله. فحاول جهده مقاومة هذه الأكثريّة القادمة من الخارج والتي لن تترك له خياراً اذا تكونت، سوى الخضوع او الرحيل. ولقد ظهر له ان الحكومات الغربية كان لها غالباً ضلع في هذه القضيّة. واتخذت المقاومة الفلسطينيّة الوطنية جميع الطرق الممكنة مثل التوعية السياسيّة والاتصالات الدوليّة والعمل المسلح.

الإسرائيليون

30. ويرى الشعب اليهودي في هذه الأرض نفسها أرضه المقدسة وهي أرض الآباء والأنبياء، وعدهم الله بها ليبارك بهم جميع شعوب الأرض. وقد تشتتوا في العالم وقاسوا الكثير من جراء التفرقة العنصريّة ومن الاضطهادات التي تعرضوا لها. وقد بلغ الاضطهاد اوجه مع النظام النازي الذي قرر إبادة الشعب اليهودي. وتبقى هذه الجريمة في حق الإنسانية جرحاً نازفاً غير ملتئم في تاريخ القرن العشرين، وهي عبرة تصلح لكل زمان تحذر من الشر الكامن في قلب الإنسان ومن إمكانات الشر التي يمكن ان تنمو وتتقوى ضمن كل جماعة بشريّة وضمن كل أيديولوجية تبتعد عن حقيقة الإنسان وعن مصدره الإلهي.

            وقد ارادت الصهيونيّة ان تخلص الشعب اليهودي من هذه التهديدات بإيجاد كيان مستقل له في فلسطين. الا ان تحقيق هذه الرؤية القوميّة اصطدم مع تطلعات الشعب الفلسطيني صاحب الأرض نفسها.

المواجهات المسلحة

31. وبدأت المواجهات وأعمال العنف، منذ العشرينات من هذا القرن. ولما تفاقم الوضع وأخذت فرص الحل السلمي بالتضاؤل حتى باتت شبه مستحيلة، تخلّت بريطانيا العظمى عن حكم فلسطين. وعام 1947 أصدرت هيئة الامم قراراً يقضي بتقسيم فلسطين الى دولة فلسطينيّة ودولة يهوديّة وتبقى القدس منطقة دوليّة. ورفض الفلسطينيون آنذاك هذا القرار، اذ رفضوا ان تبت الأسرة الدوليّة في مصير بلادهم، من دون موافقتهم، وهم الأكثرية الساحقة، وان تعطي أكثر من نصفها لأقليّة حديثة العهد في البلاد.

            وتلا ذلك مواجهات مسلحة نجم عنها استيلاء دولة إسرائيل المنشأة حديثاً (1948) على نحو 77% من فلسطين.

حرب عام 1967

32. ثم تلا ذلك حالة لا سلم ولا حرب وقعت فيها صدامات متعددة. أهمها حرب 1967 حيث احتلت القوات الإسرائيلية القسم الباقي من فلسطين، محدثة بذلك تغييرات جذريّة في الوضع القائم.

نظام الاحتلال العسكري

33. وأخذ الكبت بالازدياد في المناطق المحتلة وفي غزة. فرأى الفلسطينيون أوضاعهم تزداد سوءا يوما بعد يوم: بسبب مصادرة الأراضي، ووضع اليد على مصادر المياه، وبناء المستوطنات، والأحكام بالإبعاد او بالسجن، وإقالة رؤساء البلديات. وفرضت الحدود والمضايقات على التنقلات ومشاريع البناء والاقتصاد. كل هذا جعل الفلسطينيين يشعرون انهم على هامش الحياة العامة وأنهم غرباء ومظلومون في أرضهم.

الانتفاضة

34. واذ لم تنفع الاحتجاجات والنداءات الموجهة الى الأسرة الدوليّة والإقليمية، ولم تجد جواباً شافياً، تكون شيئاً فشيئاً وضع متفجر أدى بصورة طبيعيّة الى الانتفاضة في كانون الأول 1987. فكانت هذه صرخة احتجاج، لتقول ان الوضع بات لا يطاق وأن الإذلال غير جائز، وأنه لا يجوز أن يستمر الاحتلال وأن الوضع كلّه بحاجة الى علاج. وهي لغة عبر بها الشعب عما في النفس، مطالباً بالعدل والحريّة جاره وأخاه الإسرائيلي الذي أصبح محتلاً وظالماً له. ويقول الفلسطينيّون انهم لن يرضوا بحكم ذاتي وهمي، ولا بحكم يخضعهم لشعب آخر، فيكونون شبه رديف له او مصدراً لليد العاملة لسوق عملهم.

تاريخان وشعبان ومستقبل مشترك

35. أرض فلسطين اذن ارض واحدة وفيها اليوم شعبان وتاريخان، ووحضارتان تتواجهان، وحساسيات وايدويولوجيات كثيرة ومواقف متعددة. وهناك بين الشعبين اختلاف جوهري، اذ توصل احدهما الى إنشاء الدولةالاسرائيلية، وما زال الشعب الفلسطيني يواصل الجهود لانشاء دولته.

            والخطر يكمن في إنغلاق الطرفين كل دون الآخر، وفي تصلّب يرفض الاعتراف بالآخر فيؤدي الى مأزق لا مخرج منه. وقد تبنت منظمة التحرير الفلسطينيّة ياسم الفلسطينيين في مؤتمر الجزائر في نوفمبر 1988 موقف الحوار والاعتراف بالآخر، أعني بدولة اسرائيل، وما زالوا ينتظرون الرد الاسرائيلي على اليد الفلسطينيّة الممدودة للسلام.

            ويبدأ كل حق بصرخة المولود الجديد وبدعاء الارملة واليتيم والمظلوم. وهذه الصرخة وذا الدعاء يبحثان عن جواب فيه إنسانيّة وفيه حقيقة. ففي سبيل هذه الحقيقة، المؤسسة على طبيعة الانسان نفسه، كلّنا مدعوون لبناء المستقبل معاً، ولإيجاد لغة مشتركة تمكننا من التفهم المتبادل للمشاعر والأفكار، ومن تحديد الخيارات وإتخاذ القرارات، وتسجيل المعاهدات البناءة في التاريخ.

4- مبادئ للحل

المسيحيّون في الصراع

36. في هذا الصراع وفي كلا الجانبين، يوجد مسيحيّون أيضاً. جميع المناطق المحتلة هي قسم من الأبرشيّة ومن همومنا وقلقنا وجهودنا المتواضعة لبناء الإيمان بالله وبالإنسان، الذي يثمر العدل والسلام.

            ولهذا الحضور المسيحي، في قلة عدده فهو "القطيع الصغير"، رمزيّته ومعناه الخاص.

            والمبادئ التي يمكن أن نقدمها للحل انما هي المبادئ التي نجدها في الكتاب المقدس وفي تعاليم الكنيسة. فكلاهما مصدر تفكيرنا ورؤيتنا المسيحيّة للوضع الذي نعيشه. وهذه المبادئ هي: المحبة والحقيقة والعدل الذي يولد الحريّة، وكرامة الفقير والمظلوم، والتعاون مع الآخر.

المحبة طريق العدل

37. المحبة هي الطرق الى العدل. وهي الاولى. قال السيد المسيح: "احبوا أعداءكم وصلوا من أجل مضطهديكم لتصيروا بني أبيكم الذي في السماوا" (متى 5، 43). ففي المحبة الحقيقة والصادقة يرى كل واحد نفسه وخصمه متسامياً فوق العداوة والصراع، أخاً لكونه ابناً لله. وهي هذه المحبة التي تدفع العدو والمضطهد الى الحوار الذي يبني العدل.

الحق يحرركم

38. قال السيد المسيح: "الحق يحرركم" (يوحنا 8، 32). فمعرفة الحقيقة مطل

32). Aمعرفةؠ'لحقيقةؠEطل؀

ب أساسي لكل حل. ومعرفة الحقيقة وقبولها يتطلبان ترفعاً وزهدا وإيمانا بالله. ولهذا فان السيد المسيح يقول ايضاً: ان روح الله هو الذي "يرشدنا الى الحق كلّه" (يوحنا 16، 13) وهو وحده الذي ينضج كل ضمير وينيره بالحقيقة: "حيث يكون روح الرب تكون الحريّة" (2كور 3، 17). واذا امتلأ المؤمن بروح الرب اصبح قادراً على احترام كل كرامة بشريّة، وكان الروح فيه منطلقاً لكل شجاعة وجرأة وتضحية.

كرامة الفقير والمظلوم

39. "لقد بيّن الإنجيل لكل إنسان انه كائن حر من ثم مدعو الى بلوغ الوحدة مع الله سبحانه، فأحدث بهذا البيان يقظة في أعماق الحريّة الإنسانية وإدراكاً  لأبعاد لم يكن متنبهاً لها من قبل." (مجمع تعليم الإيمان: الحرية المسيحيّة والتحرر، 5) فيجب أن يعلم الفقراء والمظلومون والصغار، أنهم موضوع حب الله اللامتناهي وموضوع اهتمام الكنيسة. وكل واحد منهم يمكنه ان يقول: "انا حي بالإيمان بابن الله الذي أحبني وضحى بنفسه من أجلي" (غلاطية 2، 20). وهذه الكرامة الناجمة عن محبّة الله سبحانه وتعالى لهم، لا يستطيع أي كبير في العالم ان ينتزعها منهم.

بالتعاون تستقيم الإرادة

4. "ان كل إنسان موجه من طبعه الى سائر الناس وفي نفسه حاجة للتعايش معهم. ولا يستطيع ان يخلق في ذاته ارادة مستقيمة الا اذا سعى الى التوفيق بين إرادته وارادة الآخرين في سبيل ما هو خير حقاً. فهو التمشي حقاً مع متطلبات الطبيعة البشرية الذي يضفي على الارادة نفسها صيغة الانسانيّة. وهذا يعني ان التعامل مع إرادة الآخر يجب ان يقوم على اساس الحقيقة والعدل. فالحقيقة والعدل هما مقياس الحريّة الحقيقيّة. واذا ما أبعد الانسان عن هذا الاساس، ووضع نفسه في موضع الله، فإنه يقع في الكذب. وبدلاً من ان يحقق ذاته فإنه يدمرها.  الحريّة لا تتحقق بإكتفاء ذاتي مطلق، وبغياب جميع العلاقات بل تقوم على العكس بالعلاقات المتبادلة التي تربط بين الافراد، مسترشدة بالحقيقة والعدل. وحتى تصبح هذه العلاقات ممكنة، يجب ان يكون كل واحد صادقاً وقابلاً للحقيقة". (المرجع نفسه، 26).

الحقيقة والعدل مقياس الحرية

41.  الحقيقة والعدل هما مقياس الحرية، وهما أيضاً الأساس الوحيد لسلام ثابت ونهائي. ومن معطيات الحقيقة والعدل أن تحقيق الحرية ونموها الكامل حق وواجب لكل فرد ولكل شعب وعلى المجتمع والسلطة المعنية فيه، أن تساعد هذا النمو الكامل للفرد وللشعب، ل أن تضع أمامه العراقيل.

موقف الكنيسة ونداءات البابوات

42.  ما إنفكت الكنيسة الكاثوليكية منذ بداية الصراع تبرز وتتبع خط العدل والمساواة بين الشعبين المتخاصمين. وما إنفك البابوات ينادون بالإعتراف والقبول المتبادل، وبالمساواة في الحقوق من حيث الوطن والأمان وتقرير المصير ووقف العنف واللجوء إلى الحوار. وما زالوا يبذلون المساعي ويتطلعون باهتمام بالغ إلى اليوم الذي يحل فيه السلام الدائم بين الشعبين الفلسطيني والإسرائيلي، على أسس الحقيقة والعدل.

تصريحات رؤساء الكنائس المسيحية

43.  ومع أخوتنا رؤساء الطوائف المسيحية في المدينة المقدسة، عبرنا عن مشاركتنا مع جميع المتألمين، وأعربنا أكثر من مرة عن أسفنا لإستخدام العنف أياً كان، ونادينا باللجوء إلى الحوار.

القيم الدينية المشتركة

44.  جميع الديانات ذات العلاقة بهذا الصراع، وهي الإسلام واليهودية والمسيحية، تعترف بقيم مشتركة يمكنها أن تكون هي أيضاً، بل يجب أن تكون هي القاعدة لايجاد الحلول.

أولا خلق الله الإنسان على صورته ومثاله، حرا سيد نفسه  ومصيره. هذا هو أساس كرامته وحقه على تقرير مصيره بحرية. ولهذا يجب أن يتسم التعامل معه فردا أو جماعة بالإحترام.

ثانياً أن عدل الله وعفوه، هما من القيم التي تنادي بها جميع الكتب المقدسة. فكل مؤمن على صلة بهذا الصراع، مدعو لاتخاذ العفو والمصالحة طريقا إلى العدل وإحقاق جميع الحقوق. المؤمن المطالب بالعدل لنفسه يطالب بالعدل لقريبه أيضاً، وإذ يرى العفو الذي يحتاج إليه هو نفسه، يجب أن يكون مستعدا ليعفو عن قريبه. هكذا علمنا الرب ان نصلي فنطلب مغفرة خطايانا بقدر ما نغفر نحن لكل من أخطأ إلينا (متى 6،12).

ثالثا أن القيم الشرقية التقليدية، قيم الضيافة وإيواء الغريب، وكل ما في الشرق من كرم في الأخلاق، يجب ان يساعد على أنسنة هذا الصراع، الذي ما زال يتخذ صوراً أكثر وحشيّة يوماً بعد يوم. وان هذا الوجه للروح الشرقيّة يجب أن يرشد المعنيين والمسؤولين في الالتزام بالعدل، وفي إعادة الحق الى نصابه. وانا لنشهد في كل يوم بعض الدلائل التي تشير الى هذه السمة الانسانيّة، وانا لنرى فيها ضمانا لحسن الجوار في المستقبل، حيث ينعم كل واحد بحقوقه ويحترم حقوق الاخر، الا انا نشهد في الوقت نفسه تشدداً متزايداً في هذا الصراع المستديم، حيث لا يرى كل طرف في خصمه الا اسوأ ما فيه، نابذاً بذلك جميع القيم التي كانت، في هذا الشرق، مجد الديانة والحضارة والتاريخ.

سر مشيئة الله

45.  وأخيراً فان كل فرد بشري وكل شعب يحمل في ذاته وعبر تاريخه سر مشيئة الله. وهنا ايضاً  يدعى المؤمن للسمو فوق الشر الكامن في نفسه، وفوق بنية الخطيئة في التارخ البشري، ليرى، في ذاته وفي خصمه، سر الله ومشيئته فيه.

            فنحن نوجه نداءنا الى كلا الطرفين، للاعتراف المتبادل بوجود الآخر، وبحقوقه وبمشيئة الله عليه، انطلاقاً من الحقوق التي يطالب بها كل واحد لنفسه، ومن الحرية التي يريدها لنفسه، والتي هي مشاركة في حريّة الله، الذي تجلى بكلمته للناس وتجلى لهم اباً وخالقاً للجميع. فليعترف كل واحد بالآخر بقدر ما يريد ان يعترف به الآخر. قال السيد المسيح: "كل ما أردتم ان يفعله الآخرون بكم فافعلوه أنتم لهم" (متى 7، 12).

حلول ممكنة

الحوار بين الخصمين

46.  او خطوة للحل هو الحوار ووقف كل عنف. والحوار المباشر بين الخصمين، وحيث يختار كل خصم ممثليه. لأنه ان كان الصديق خياراً بيد الانسانيّة، فالخصم ليس خياراً بل فرض وواقع يجب التعامل معه. والخصمان المتواجهان في هذه القضيّة هما: دولة اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينيّة.

            وان الحجم والبعد الدولي والعربي والديني للقضية يفترض حضور الجماعة الدوليّة والعربيّة في الحوار بين الخصمين.

            ويجب ان يكون هدف الحوار انشاء  سلام عادل ونهائي وليس حلا مؤقتاً يتضمن نوايا خفيّة تنقض السلام.

الاعتراف المتبادل والمساواة

47. وحل الصراع يفترض الاعتراف المتبادل والمساواة بين الخصمين اذ كلاهما انسان مشارك في الطبيعة الانسانيّة نفسها، سواء كانا افراداً ام شعوباً. وعلى هذا اساس  تفرض المساواة السياسيّة بين كلا الطرفين في كافة الحقوق والواجبات.

قبول الشرق

48. كل حل يفترض كذلك اندماج الطرفين في مصير هذا الجزء من العهالم الذي هو الشرق الادنى، وقبول سماته ومميزاته واحترامها. فهو شرق اولا وله قيمه وتقاليده. ثم هو، مع بقاءه شرقاً، مكان لقاء بين الغرب والشرق، ومكان حوار بين الحضارات والشعوب والاديان.

مكانة القدس

49. في هذا الصراع تحتل القدس مكانة مركزيّة، من حيث معناها وأهميّتها للديانات الموحدة الثلاث، الاسلاميّة واليهوديّة والمسيحيّة. ففي كل حل، لا بد من الأخذ بعين الاعتبار، في الوقت نفسه التطلعات القوميّة للشعبين المعنيّين الفلسطيني والاسرائيلي، كما والعلاقة الروحيّة العميقة التي تشد جميع مؤمني العالم من مسلمين ويهود ومسيحيّين الى المدينة المقدسة، والبلاد التي تحوطها.

            لا بد اذن من التوصل الى ايجاد وضع خاص للمدينة المقدسة حتى تصبح فعلاً مدينة العدل والاخاء، مدينة يؤمها، بحريّة لا يحدها قيد، جميع المؤمنين برسالتها. وانا لمقتنعون ان التصور الواقعي الذي يلبي هذين المطلبين، القومي والروحي، ليس بالأمر المستحيل، اذا ما توفرت الارادة الصالحة لدى جميع الفرقاء المعنيين.

            قال قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، في رسالته "سنة الفداء":

"وأني افكر وأتطلع الى اليوم الذي نكون فيه جميعاً "تلامذة الله" (يوحنا 6، 45)، فنسمتع معاً الى رسالة المصالحة والسلام. وأفكر في اليوم الذي يتبادل فيه اليهود والمسيحيّون والمسلمون، السلام الذي وجهه السيد المسيح الى رسله، بعد قيامته من بين الاموات، اذ قال لهم: السلام لكم (يوحنا 20، 19).

"فبالارادة الصالحة وبالآناة يجب ايجاد التصور العلمي والعادل الذي يوفق بشكل ثابت بين المصالح والتطلعات المختلفة، والتي يضمنها بطريقة متكاملة وفعالة نظام خاص مضمون دولياً، بحيث لا يستطيع اي طرف المساس به من بعد".

الوضع الراهن وضع حرج

50. وان الوضع الراهن وضع حرج جدا، والحاجة ملحة الى الاعتراف المتبادل والحوار. فالمأزق الذي وصلت اليه مسيرة السلام، ادى الى تأزم الوضع بصورة خطرة. وأخذ الاحباط يغذي مواقف المتشددين والمتطرفين من كلا الجهتين، وقد يؤدي في كل لحظة الى إنفجار لن يستطيع احد التحكم به. كفى معاناة وكفى ضحايا بريئة. ان مسؤوليّة القادة السياسيّين ثقيلة في هذه الآونة. ويجب على الجميع ان يعي وأن ينتبه لخطورة الموقف ولضرورة اتخاذ قرار وعمل سريعين، قبل فوات الاوان.

5- ارشادات للمؤمنين

وضع صعب ومعقد

51. ايها الأخوة والأخوات، انكم تعيشون في وضع صعب ومعقد، له ابعاد محليّة واقليميّة ودوليّة. فأول واجب عليكم هو ان تكونوا على مستوى الوضع: فتعملوا على تفهّمه والالمام بجميع معطياته. ثم تنظرون إليه بموضوعيّة وبهدوء وبجرأة، من غير خوف، ومن غير ان يصيبكم الاحباط، مهما بدأ الأمر معقداً او صعباً. واسمعوا القديس بولس يقول لكم: "لا تكونوا في هم ابداً بل ارفعوا حاجاتكم الى الله ... وان سلاك الله الذي يفوق كل ادراك يحفظ قلوبكم وأفكاركم في المسيح يسوع" (فيلبي 4، 6-7).

            يجب ان تكّونوا لأنفسكم رؤية واضحة لجميع واجباتكم حتى تلتزموا بها، ولجميع حقوقكم حتى تطالبوا بها، من غير اهمال شيء منها، مهما كانت التضحيات المطلوبة.

الاسهام في الحل

52. انتم جزء من مجتمعكم، وأنتم جزء من الصراع الدائر فيه. فيجب ان تساهموا في حلّه. لا يحق لكم ان تهربوا. ولا يحق لكم ان تنشدوا البقاء منتفعين بتضحيات غيركم. بل على كل واحد ان يقدم تضحيته بنفسه.

53. يسألوننا مراراً: هل تؤيد الكنيسة المظاهرات والضجيج والعنف والانتفاضة؟ وقد اجبنا دوما بما يلي: ليس هكذا يطرح السؤال. وانما السؤال الذي يجب أن يطرحه كل صاحب إرادة صالحة وصادقة هو التالي: هل يحق لشعب ما ان يطالب بحقوقه وهل هو ملزم بذلك؟ فان كان الجواب بالايجاب، فهو اذن ملزم بالمطالبة، ويحق له ان يسمع صوته لينال حقوقه. لا يحق لأحد لأي حجة كانت ان يطالب اناساً مظلومين بالسكوت. وبألا يطالبوا بحقوقهم. ولكنا نقول ايضاً انه لا يحق لأحد ان يملأ بحقد عقيم قلوب المظلومين، اذ ان الهدف ليس كراهيّة الخصم بل تحقيق العدالة.

54. اذن يحق لشعب خاضع للاحتلال ان يطالب بحقوقه، وان ينظم حياته الساياسيّة بالطريقة التي تناسبه، وقد سبق وعبر عن ارادته بتنظيم نفسه في دولة مستقلّة. وهذا حق طبيعي لا يحق لأحد ان يحول دونه. جاء في وثيقة المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني، عن الحياة السياسيّة للشعوب: "من الواضح ان الجماعة السياسيّة والسلطة العامة تجدان اساسهما في الطبيعة البشريّة نفسها. فهما اذن متصلان بنظام وضعه الله. واما تحديد النظم السياسيّة واختيار القادة فهذه شؤون تعود الى ارادة المواطنين الحرة". (المجمع الفاتيكاني الثاني: فرح وأمل، 74، 3).

وللعنف نقول لا

55. ان اختيار الكنيسة والانجيل هو واضح وجلي. هو لا عنف. هو مع كل وسيلة تمكن من تقريب قلوب المتخاصمين، وتعدّها لقبول العدل المتبادل. خيار الكنيسة هو حوار السلام، حوار المتخاصمين، والذي بات مستعداً له الآن قادة الشعب الفلسطيني زكثيرون من الاسرئيليين.

            لن يكون العنف بين ارشاداتنا. بينما ننتظر ان يحقق كبار العالم ومواطنوا هذه الأرض، كل بالطرق التي تلائمه، السلام المنشود، فان موقفنا من كل ظلم ومن جميع مظاهر العنف هو شجب لكل ظلم ولكل عنف وأرهاب، مهما كان مصدره، سواء كان الدولة ام الجماعة او الفرد.

            ويجب ان ننوه ان العنف ليس فقط كل ما ينجم عن اسلحة الدمار. قد يتخذ العنف اشكالا متعددة، ماديّة ومعنويّة. وقد يكمن احياناً في وسائل الاعلام واستخداماتها المختلفة، حين تخفي الحقيقة او تحرّف. وجواب الكنيسة هو تأييد الحقيقة وهو الوقوف الى جانب الفقير والضعيف وضحايا العنف، ايا كانوا.

            ولا بد من ان نذكر ان القوي الذي يستعمل العنف انما يدعو الضعيف ويدفعه الى اللجوء الى العنف ايضاً.

            وان كل صراع بين شعبين لا يشمل تصادم الاجسام فقط، وانما هماك روح الشعب. فان اصاب العنف الجسوم واتلفها، فانه لن يقوى على ابادة الروح، بل تزداد روح الشعب مع الضربات حياة وقوة.

            ولهذا كله، فانا نقول ان طريق السلام وضمان الامان هو التوقف عن كل عنف. واللجوء الى الحوار.

مخلصون للايمان وللوطن

56. ايها الاخوة والأخوات، أنتم مسيحيّون، فيجب ان تبقوا مخلصين لإيمانكم ولكنيستكم. باخلاصكم لايمانكم تكونون أقدر على القيام بواجباتكم تجاه وطنكم ومجتمعكم، في الظروف الصعبة التي نعيشها. أنتم في هذه الأرض المقدسة، تحملون، مع جميع سكانها، رسالة لجميع مؤمني العالم، كمسيحيّين متحدين في روح مسكونية واحدة تحملون رسالة لجميع مسيحي العالم. وهذا يتطلب نفساً كبيرة وروحاً عالية وتهيئة خاصة، حتى تكونوا على مستوى دعوتكم ورسالتكم. تمسكوا بهويّتكم كمواطنين وكمسيحيّين في كنيسة القدس. يجب ان تعوا رسالتكم، رسالة كنيستكم الشاملة، ورسالة ارضكم تجاه العالم.

الاندماج في الحياة العامة

57. ولهذا لا بد من أن تتجذروا أكثر فأكثر في كنيستكم وفي أرضكم، ومن ان تكونوا ملتزمين في جميع مجالات الحياة العامة، لبناء مجتمع الغد ولتدعيم الاخوّة فيه والحرية، بالتعاون مع المؤمنيين من جميع الديانات. معاً يجب ان نعمل منذ الآن لخلق مجتمع حر يوجد فيه مكان للجميع، في الكرامة والاحترام والمحبة.

            وهذه ايام تدعو الى شد الازر والتماسك والوحدة، وتذكر المؤمنيين بحقيقة ايمانهم، انه محبة ووحدة. فبهما فقط يمكن ان تكون الشهادة المسيحيّة حقيقيّة وقويّة، ويمكن ان يكون لها اثرها الروحي في الصراع.

مع مواطنيكم المسلمين

58. فمع مواطنيكم المسلمين تستلهمون هذه المحبة والوحدة، اذ تشاركونهم وتقاسمونهم المصير نفسه في وطن واحد وتراث واحد وحضارة واحدة. اما الصعوبات والاحتكاكات التي قد يختبرها اي ةاحد منكم في حياته اليوميّة، فيجب الا تنحر الاخوّة ولا تنسي حقيقة الوحدة في الوطن والتراث والحضارة. وانما تتطلب طوارئ الحياة اليوميّة، من كل طرف، جهوداً طويلة ومثابرة، للتوصل الى أفضل طرق التعايش لبناء المجتمع معاً، في الاحترام والمحبة المتبادلين.

            ةنكرر في هذا الصدد ما قلناه سابقاً، فر رسالة الصوم لهذا العام: يجب ان تكونوا على حذر من كل من يزرع الفتنة بينكم او يبث الخوف في قلوبكم. يجب ان تقاوموا كل خوف وكل تحريض على التفرقة بين المسلم والمسيحي. الايمان الحقيقي والقوي يجب ان يساعد جميع ابناء الله للتلاقي في المحبة نفسها. والحب هو المساعد الحقيقي والباني الحقيقي للمجتمع. بصبركم تفوزون وبمحبتكم. قد يقتضي ذلك وقتاً طويلاً وجهوداً كثيرة وانما المهم هو الاستمرار في المسيرة الطويلة نحو تفهم الأخ.

ومع ابناء الشعب اليهودي

59. ومع ابناء الشعب اليهودي وان كانوا حالباً في نظركم منتسبين الى تاريخ والى سياسة مختلفة فان كلمة الله لهم في العهد القديم هي كلمة لنا، مدونة في كتبنا المقدسة. وانا لنحب الله الذي كلم البشر ونسجد لعزته الالهيّة فيما يختار ويشاء. وانا لنتمنى للشعب المتحدر من آبائنا ابراهيم واسحق ويعقوب كل الخير الذي يريد الله ان يمنحه اياه. لأنا نؤمن ايماناً ثابتاً ان نحبة الله لشعب ما لا يمكن ان تكون ظلماً لشعب آخر. فيجب الا نسمح للسياسة وللشر الذي في الناس ان يشوه محبّة الله لجميع ابنائه.

            ابراهيم هو ابو جميع المؤمنين، فالايمان بالله هو الذي يجب ان يقرب بين الشعوب وان تخاصمت. فعلى المؤمن اذن ان يكون قادراً على اقامة حوار بناء مع كل مؤمن من كل دين، فيساهم بهذا الحوار في بناء العدل والسلام. واعداد القلوب المؤمنة والمتصالحة والقادرة على التعايش  لهو من مستلزمات السلام والعدل.

التضامن ومحبة الاخوة

60. وفيما بينكم، يجب ان تبقوا، ايهتا الاخوة والأخوات، متضامنين متحابين ومتحدين. يجب ان نشارك بعضنا بعضاً في الالام والامال. والقليل او الكثير الذي نملكه في هذه الايام، يجب ان نتقاسمه. ان كان احد في بحبوحة من العيش فليفطن لمن هو في الضيق. وان كان احد بحاجة، فليفطن لمن قد يكون في حاجة اشد منه وفي وضع أصعب. فبهذه المقاسمة المبنيّة على محبة الله لكل واحد منا، يمكن ان نقوي وان نسند بعضنا بعضاً.

            ولا نريد ان تنحصر محبتنا ضمن طائفتنا. فان حبنا يجب ان يكون مثل حب الله لنا، عاماً وشاملاً، لا يستثني ولا يفرق، ولا يستهدف غرضاً، وانما هدفه الوحيد هو الاقتداء بالسيد المسيح مخلصنا الذي قال: "جئت لتكون لهم الحياة ولتكون لهم اوفر" (يوحنا 10، 10). هذه هي وصيّة السيد المسيح ووصيتنا: محبة الله ومحبة القريب كمثل محبتنا لنفسنا وكمثل محبة الله له. "احبوا بعضكم بعضاً كما احببتكم انا" (يوحنا 15، 12).

تضامن الكنائس

61. وانا لسعيدون اذ نلمس ونشعر تضامن ومحبة اخوتنا واخواتنا المسيحيّين في العالم، والذين لا يقصرون محبتهم علةى المسيحيّين، بل يشملون بها كل مظلوم وكل ذي حاجة في هذا الصراع، من غير تمييز ولا تفريق. وانا لنوجه شكرنا لجميع الهيئات والمساعدات الاجتماعيّة والخيريّة، ولجميع الوفود المسيحيّة الكاثوليكيّة وغيرها، التي ارادت زيارة هذه البلاد في وسط الصراع الدائر، لتطلع على الحقائق عن كثب، ولتساهم في تحقيق العدل والسلام. ونشكر جميع الحجاج الذين ارادوا ان يعبّروا، بحضورهم بيننا وبصلاتهم، بالرغم من جميع الصعوبات، عم مشاركتهم وسندهم لنا.

القطيع الصغير

62. أنتم قطيع صغير. وهذا لا يقلل من شأنكم ومن شأن رسالتكم ومسؤولياتكم، بل بالعكس يزيدها أهميّة. انكم تحملون في نفوسكم الروح القدس، روح الحق الذي ارسله الاب للمؤمنيين في هذه المدينة نفسها، وفي يوم العنصرة هذا. هذا الروح يسكن في كلّ منكم. ويستقر في الكنيسة في بلدكم وفي كنائس العالم بأسره. فباسم هذا الروح الذي "يجعلنا حقاً ابناء الله"، وبه نتوجه الى الله قائلين: "يا أبتاه" (روما 8، 15)، وننتظر مجيء الرب ونقول: "هلم ايها الرب يسوع" (رؤيا 22، 17).

الصلوات المستجابة

63. نحن اقوياء بكلمة الله وبروحه، ونؤمن بصلاح الانسان بالرغم من كل الشر الذي نعاني منه منذ سنوات لا تنتهي. ولهذا فانا لا نشك في ان صلواتنا سوف تستجاب يوما، وفي ان جهودنا للسلام سوف تلبى يوماً. انا لنؤمن بالله. وندعوكم جميعاً الى العمل الدؤوب في سبيل السلام القادم، ان شاء الله، والذي من اجله ضحى الكثيرون بحياتهم.

الخاتمة

طوبى للودعاء

64. قال السيد المسيح: "طوبى للودعاء فانهم يرثون الأرض... طوبى للساعين الى السلام فإنهم ابناء الله يدعون وطوبى للمضطهدين من أجل البر فان لهم ملكوت السموات: (متى 5، 4و9-10).

صانعو السلام

65. كان تاريخ البشرية في جميع العصور والخضارات مليئاً بأعمال العنف والحروب. واليوم بالرغم من السلام الظاهر الذي أخذ يتحقق بين كبار هذا العالم، فانا ما زلنا نرى الحروب العديدة قائمة في مختلف انحاء العالم الثالث، وكلّها على صلة مع هؤلاء الكبار ومع تجار الاسلحة في العالم. فللدول الكبيرة دورها في هذه الحروب وفي إخمادها. ولا تستطيع ان تتنصل من مسؤوليّتها.

            الحروب شر يجب على البشرية ان تحرر نفسها منه. والسلام مجازفة يجب ان يرضى بها المتخاصمان ويحب ان يرضى بها تجار الاسلحة وكبار الدول في هذا العالم.

            وفي جميع العصور وفي جميع الحضارات كان ايضاً رجال سلام. وكان لكل صراع نهاية عاجلاً ام آجلاً، وآل الى معاهدات سلام, وانا لنأمل ان يظهر في هذا الصراع الذي نعاني منه رجال صالحون يصنعون السلام. نعم سوف يولد السلام وام تعسرت الولادة. يجب ان ننعش الأمل فينا، يجب ان نساعد على ولادة السلام، بنداء قوي لتحقيق العدل، وبتنديد حازم بكل ظلم من اي جهة كان.

القدس رمز للامل

66. مرّت من خلالها البشريّة. يجب ان يلتقي فيها جميع المؤمنين من جميع الشعوب ليسمعوا معا هنا صوت الله. فاذا ما سمعوا صوت الله حقاً اعادوا الى القدس طابعها المقدس وقدرتها لتحرير الانسان ولاحلال السلام.

            لا يحق لأحد ان يتملك القدس تملكاً يولد الكراهيّة والبغضاء. بل يحق لكل مؤمن ان يرى فيها وطناً لروحه وللعدل والمحبة التي يدعوا بقوتها جميع الناس الى سلام الله.

"اسألوا السلام لأورشليم

لأجل محبة اخوتي وأخلائي

لأجل محبة بيت الرب الهنا

التمس لك الخير" (مزمور 122، 6-9).

صلاة

67. كان برج بابل، في بداية تاريخ الانسانيّة، رمزاً لبلبلة الافكار والالسنة. وفي يوم العنصرة وحد الروح القدس ألسنة المؤمنين وقلوبهم. فلنسأل الله ان يفيض فينا روحه، وان يجدد بيننا عنصرته، فيصبح كل واحد قادراً على فهم أخيه في المحبة والعدل. ويصبح الجميع قادرين على المحبة بدل البغضاء وعلى السلام بدل الظلم والجور.

لقد ارسلت اللهم، في مثل هذا اليوم وفي هذا المكان، روحك القدوس ليجدد وجه الارض، وليصالح الانسان معك ومع اخيه الانسان.

            اللهك، اننا في هذا اليوم وفي هذه الارض، بحاجة الى مصالحة. فأرسل روحك اليوم ليجددنا ويصالحنا.

+ البطريرك ميشيل صباح.

القدس، في عيد العنصرة

3 حزيران 1990

Home Page