stemma logo

Patriarch Emeritus

Pastoral Letters

 

Archives

 

 

 

 

في بهاء السلام

رسالة راعوية لصاحب الغبطة

المنسنيور ميشيل صبّاح

البطريرك اللاتيني الأورشليمي

 

قراءة الكتاب المقدس اليوم في أرض الكتاب المقدس

 

القدس – تشرين الثاني  1993

المقدمة

إلى الكهنة والرهبان والراهبات

وإلى جميع المؤمنين الأعزاء

 

أيها الأخوة والأخوات ،

 

1        "عليكم النعمة والرحمة والسلام من لدن الله الآب والمسيح يسوع ربنا" (2 طيموتاوس 1: 2).

          لقد ولد في هذه الأيام أمل جديد في تاريخ بلادنا، ولاحت افاق جديدة أمام السلام والمصالحة بين شعبينا اليهودي والفلسطيني، ومع العالم العربي كله. ولسوف يستمر البحث عن العدل، ولكنه سوف يتم من الآن فصاعداً بالتعاون بين الجميع، لا بالصدامات والمواجهات. وإذْ نحمد الله على هذه النعمة، فإنا ندعوكم إلى الإسهام، بصلاتكم وبحضوركم وبعملكم، في كل مبادرة من شأنها أن تعزز هذا السلام وهذه المصالحة، على أساس العدل والأمن للجميع.

          وتأتي هذه المرحلة الجديدة في تاريخ بلادنا بعد حوادث أليمة عشناها جميعاً، وما زال بعضنا يُعاني منها. والشكوك والمخاوف لم تتبدّد بعد، وكذلك المعاناة الإنسانية الناجمة عن الصراع الطويل بين الشعبين. إلا أن الماضي يجب ألا يلتهم الحاضر والمستقبل فيحول دون حركتهما. فلا بدّ من الصراع الآن في سبيل تدعيم السلام والعدل. وفي كل حال، لا بدّ من أن يبقى المسيحي باستمرار في حالة جهاد روحي، إذا ما أراد أن يكون أميناً لإيمانه وكنيسته ومجتمعه.

 

موضوع الرسالة: الكتاب المقدس

2        وإنا لنوجّه إليكم هذه الرسالة لنؤيّد بها أمانتكم هذه ونقوّيها. وموضوع الرسالة هو الكتاب المقدس كيف نقرأه وكيف نفهمه، وكيف نجعله موضوع تأملاتنا وصلواتنا. جاء في الرسالة إلى العبرانيين: "إنّ كلام الله حيّ ناجح" (عبر 4: 12). فيجب أن يكون غذاء لروحنا ونوراً لنا وهادياً، في كل عمل نقوم به في الظروف الراهنة وفي حياتنا اليومية في الأرض المقدسة.

          لقد انتاب الخوف الكثيرين منكم، في الماضي القريب إذْ كان الصراع بعد مُحتدماً، ولقد ساورتهم الشكوك إزاء الكتاب المقدس، لما له من صلة مباشرة مع الوضع الصعب الذي عِشناه، ومع مرحلة السلام الجديدة التي علينا أن نبنيها معاً.

          وإنا، لنجد سندنا وقوتنا، إزاء هذه الشكوك والمخاوف، في إيماننا وفي الكتاب المقدس نفسه، طبقاً لما جاء في الرسالة الثانية إلى طيموتاوس: "إن كل ما كُتب (في الكتاب المقدس) هو من وحي الله، يفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البرّ، ليكون رجل الله كاملاً معداً لكل عمل صالح" (3: 6-7).

          وإن الاسهام في بناء السلام العدل في بلاد الكتاب المقدس هو طبعاً "عمل صالح". وكذلك بناء مجتمع في هذه البلاد تسوده الأخوة، مؤسَّس على الكرامة وعلى الاعتراف المتبادل بالمسؤوليات والحقوق لكل فرد وجماعة وشعب. وإن كلام الله لهو لنا في هذا المسعى أفضل دليل، حتى في وسط الشكوك والمعارضات. ولهذا فإنا مدعوون إلى قراءته ودرساته والعيش بموجب روحه وأحكامه.

 

التواضع أمام كلام الله

3        فهم الكتاب المقدس ليس بالأمر السهل. بل يتطلب منا جهداً خاصاً كما ويتطلب نعمة خاصة من الله. ولهذا إذا ما أردنا أن نفهمه وأن نفهم كلام الله فيه، يجب أن نعرف أولاً كيف تكون قراءته. ولا يدعين أحد أنه قادر على فهمه بمحض قدراته الخاصة. وإنما يقرأ الكتاب ويفهم إذا ما قرئ مع الجماعة ومع الكنيسة قراءة تعتمد على نور الروح القدس وقوّته.

          أمام كلام الله يجب أن نتواضع. ويجب أن نعترف أن هذا الكلام ليس كلامنا. يجب أن نعترف اننا غالباً ما لا ندرك ما يريد الله أن يبيّن لنا من خلال كلامه لنا. ولهذا لا يجوز لنا أن ننصب من أنفسنا قضاة على كلام الله سبحانه فنحكم عليه بحسب رؤيتنا للأمور أو بحسب تأثرنا بالماضي القرب الذي لم ينقض بعد حيث كنا طرفاً في خصومة، أو حتى بحسب تأثرنا بموقف الخصم نفسه من كلام الله. لا يحق لنا أن نخضع كلام الله لمقتضيات مواقفنا وصراعاتنا البشرية.

          ولهذا فإن قراءة الكتاب المقدس مهمة صعبة وحساسة ذلك أن القضايا التي نواجهها خلال هذه القراءة هي قضايا تتصل بحياتنا اليومية. بل لها صلة بالهوية القومية والشخصية للمؤمنبن. ولهذا فقد يكون تفسير الكتاب المقدس إذا ما فُسِّر تفسيراً منحازاً وغير متكامل تهديداً لوجودهم ولبقائهم في أرضهم ووطنهم.

 

لمن نوجّه هذه الرسالة؟

4        هناك قضايا كثيرة تقتضي الدراسة. ونريد أن نعالجها بصفتنا راعياً ومسؤولاً فنوجه كلامنا إلى أبنائنا وإلى جميع المسيحيين الذين يعيشون في حدود أبرشيتنا البطريركية في اسرائيل وفلسطين المحتلة والاردن وقبرص. ولجميعهم تقريباً صلة مباشرة بالصراع الماضي (والذي كان موضوع رسالتنا الراعوية في عيد العنصرة عام 1990) وبالمصالحة التي بدأت وبالقضايا التي تثيرها. فأكثرهم فلسطينيون واردنيون ولغتهم وحضارتهم اللغة والحضارة العربية. ومن ابنائنا ايضاً جماعة صغيرة في ابرشيتنا ناطقة باللغة العبرية قسم منها من الشعب اليهودي وقسم يعيش في وسط الشعب اليهودي.

          وقد حاولنا أن نصغي، خلال تأملنا في هذه القضايا إلى وجهات النظر المختلفة. لأن تبادل وجهات النظر والأفكار، بالإضافة إلى الصلاة والتأمل، وسيلة لا بدّ منها، لكي يعرف المؤمنون بعضهم بعضاً معرفة تجعلهم قادرين على أن يكونوا معاً دعاة سلام.

 

شهادة مشتركة وحوار مع الجميع

5        وإنا لنشارك، في إطار مجلس الكنائس للشرق الأوسط مع جميع الكنائس في هذه المنطقة، في مسيرة واحدة نحو الوحدة التامة والشهادة المشتركة. فنأمل أن يكون تفكيرنا هذا اسهاماً متواضعاً في هذه المسيرة. لأنا نؤمن أن كنيسة القدس والأرض المقدسة تستطيع من خلال خبرتها وتفكيرها أن تُسهم اسهاماً فريداً في هذه المسيرة مع جميع كنائس المنطقة ومع الكنيسة الجامعة. ولهذا تكون كنيسة القدس سعيدة إذا ما سُمع صوتها وإذا ما سَمعتت ردود الفعل على ما ترى وتقدم.

          وبالإضافة إلى الجماعة المسيحية، فإنا نأمل أن تصل رسالتنا أيضاً إلى إخواننا المسلمين واليهود إسهاماً منا في التعايش والسلام، في الاحترام الكامل لكل عقيدة. فإنا مستعدون وقابلون لكل حوار، لأن الطريق أمامنا ما زال شاقاً وطويلاً.

 

رسالة راعوية

6        إنَّ هذه الرسالة هي قبل كل شيء ذات طابع راعوي. ولهذا فلن نتمكن من أن نسهب في كل مرحلة من مراحل تفكيرنا فر عرض جميع الدراسات والمواقف اللاهوتية التي أخذت بعين الاعتبار والتي كانت القاعدة والمصدر لأقوالنا في هذه الرسالة وقد صدرت هذه الرسالة بعد تفكير طويل ضمن مجموعة من الكهنة واللاهوتيين في كنيسة القدس، وكلهم شهود لمعاناة الجماعات المختلفة ولتوقعاتها وآمالها. وقد وضعوا معاً خبراتهم في المجالات المختلفة، في العمل الراعوي وفي دراسة الكتاب المقدس والحوار المسكوني والحوار بين الأديان.

 


الفصل الأول

الأسئلة المطروحة

 

الفلسطيني المسيحي إزاء كتاب التوراة

7        يرى الفلسطيني المسيحي في الكتاب المقدس جزءاً لا يتجزأ من إيمانه وتراثه الديني. ولهذا فهو يقرأه قراءة فردية أو مع الجماعة ويتأمل فيه، وذلك في دروس التعليم المسيحي وفي الاحتفالات الليترجية وفي مجموعات الصلاة. وإن الأسئلة التي تواجهه خلال هذه القراءة والصلاة، لما كان الصراع قائماً، متعددة وكثيرة. وما زالت هذه الأسئلة مطروحة اليوم أيضاً، بعد بداية المسيرة المشتركة والسعي الواحد في سبيل البناء.

أ‌-                 كيف يمكننا أن نفهم العهد القديم؟ ما الصلة بين العهدين القديم والجديد؟

ب‌-     في الكتاب المقدس قصص عنيفة كثيرة الشبه مع أحداث تاريخنا الراهن، وهي منسوبة إلى الله عزّ وجلّ. فكيف يمكن فهمها، والإنجيل المقدس يقول أن: "أبناء الله هم صانعوا السلام" (متى 5: 9

ت‌-     وما هي العلاقة بين التاريخ الوارد ذكره في كتاب التوراة وتاريخنا المعاصر؟ وهل اسرائيل الوارد ذكره في التوراة هو دولة اسرائيل اليوم؟ وما معنى الوعد والعهود والشعب المختار ولا سيما "أرض الميعاد" أي الأرض التي وعد الله بها وهبها لإبراهيم ونسله؟ وهل يبرّر هذا الوعد المطالبات السايسية الراهنة؟ وهل نكون نحن ضحية تاريخ خلاصنا الذي يبدو أنه يفضِّل الشعب اليهودي على حسابنا؟ أهذه هي مشيئة الله التي يجب أن نخضع لها خضوعاً مُطلقاً من غير مناقشة أو استئناف والتي تطالبنا بأن نجرِّد أنفسنا في سبيل شعبٍ آخر؟"

          وان بعض اليهود - مع أن كثيرين غيرهم من اليهود أنفسهم يرون رئية مخالفة لهم – يبررون بأقوالهم وبأعمالهم طرح هذه الأسئلة وخوف الفلسطيني وقلقه: إذ يقولون أن الله وهبهم أرض الميعاد. ووعد الله هذا هو مستندهم في ملكية الأرض كلها.

          وهناك أيضاً مَن يقول القول نفسه من بعض المسيحيين الأصوليين. وقد يذهب هؤلاء إلى حدّ إعتبار التاريخ الحاضر بمثابة تحقيق لنبؤات محددة في الكتاب المقدس، وإلى حدّ اتهام المسيحيين المحليين بمعارضة الكتاب المقدس، وبأنهم ليسوا مؤمنين حقيقيين.

          وإنا لندرك أم لمثل هذا المواقف هي سبب فزع وثورة دينية عند هؤلاء الذين أُخرِجوا من بيوتهم ومن أراضيهم أو فقدوا عزيزاً عليهم في الحروب المتتالية أو مروا بالسجون والتعذيب، لأنهم أرادوا استعادة حقوقهم.

 

أقسام الرسالة

8        ويمكن تلخيص الأسئلة التي نريد الإجابة عليها في الأسئلة الثلاثة التالية وهي:

1-              ما هي العلاقة بين العهد القديم والجديد؟

2-              ما تفسير قصص العنف الواردة في العهد القديم والمنسوبة إلى الله؟

3-      وفي العلاقات الحالية بين الاسرائيليين والفلسطينيين، كيف يمكننا أن نفهم أرض الميعاد والشعب المختار والعهد؟ أوَمِنَ الممكن أن يفرض الإله العادل والرحيم الظلمَ أو الجورَ على شعبٍ لصالح الشعب الذي اختاره؟

          إن هذا السؤال الأخير مطروح بصورة خاصة على إيمان كل مؤمن، في هذه الأرض المقدسة وهي الأرض التي أُنزِل فيها الكتاب المقدس، هو سؤال مطروح على اليهودي والمسيحي والمسلم. وعلى كل مَن يريد أن يبرر الواقع السياسي المعاصر بكلمة الله المنزلة في كتاب التوراة. وهو سؤال يثطرح على الكنيسة المحلية وعلى كل كنيسة في العالم، وعلى كل إنسان يبحث بصدق عن السلام والعدل في الأرض المقدسة.

          ولتدعيم مسيرة السلام،  لا بُدَّ من الإجابة على هذه الأسئلة التي تولدت في فترة توشك أن تكون الآن ماضية، إن شاء الله. لأن مسيرة السلام هي في الوقت نفسه مسيرة مشتركة نحو اكتشاف الحقيقة التي تحرر الإنسان (يوحنا 8: 32).

          وقبل الإجابة على هذه الأسئلة، سنحاول أن نبين ما هو الكتاب المقدس للمسيحي وكيف يمكن فهمه. وسوف نبين أنه أولاً كلام الله وثانيا هو تاريخ مسيرة الخلاص، وثالثاً هو تاريخ مسيرة الخلاص لكل منا، ورابعاً أنَّ السيد المسيح هو مفتاح الحل والإضاءة لفهمه.

 


الفصل الثاني

ما هو الكتاب المقدس

 

مضمون الكتاب المقدس

9        يُعرف الكتاب المقدس بأسماء متعددة. فهو الكتاب المقدس وهو كتاب التوراة وهو كتاب العهد القديم والعهد الجديد. والكتاب المقدس للمسيحيين هو العهد القديم والجديد معاً.

          كتاب التوراة العبرانية يتضمن 39 سِفراً أو كتاباً، موزعة في ثلاث مجموعات هي الشريعة والأنبياء والكتبة. وكتاب العهد القديم للمسيحيين، في الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية، يتضمن هذه الكتب التسعة والثلاثين نفسها، والكتب القانونية الثانية المكتوبة باللغة اليونانية أو الآرامية وعددها ثمان. أما الكنيسة البروتسطنتية فقد احتفظت فقط بالكتب التسعة والثلاثين الواردة في التوراة العبرانية.

          ويتضمن العهد الجديد سبعة وعشرين سِفراً أو كتاباً، وهي الناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل والرسائل الأربعة عشر المنسوبة إلى القديس بولص، والرسائل السبع المعروفة باسم الرسائل الجامعةوسفر رؤية القديس يوحنا.

          ومجموعتا الكتب في العهدين الجديد والقديم هما للمسيحيّ كتاباً واحداً يتضمن كل الوحي الذي أنزله الله لخلاص البشرية. ولا يجوز لأي سبب من الأسباب سواء كانت سياسية أو غيرها التخلي عن أي جزء من الكتاب المقدس، سواء كان ذلك من العهد القديم أم من العهد الجديد. فإن الكتاب المقدس كله هو كلام الله.

 

أولاً:   الكتاب المقدس هو كلام الله

 

كيف نفهم الكتاب؟

10      تكلم الله وكشف لنا عن ذاته، من خلال تاريخ البشرية ومن خلال تاريخ شعب أراد أن يختاره لتحقيق خلاص البشرية. ولهذا فإن الكتاب المقدس هو أولاً مجموعة أحداث ثم مجموعة أقوال تُظهِر عمل الله من خلال الوقائع البشرية. وقد عاش هذه الوقائع اناس تناقلوها شفاهاً أولاً ثم دوّنوها كتابة (كلمة الله 2).

          ولهذا ليس الكتاب القمدس مجموعة كتابات متجمّدة وميّتة بل هو تاريخ خلاص يرافق تاريخ البشرية بأسرها فهو إذن تاريخ حيّ ودينامي يدفع بالبشرية إلى الأمام، ويسير عبر الأجيال وعبر جميع الأحداث، ومن خلالها يُظهر الله نفسه ويبلغ رسالته للبشرية.

          ومن غير الإيمان لا يسعنا أن ندرك وأن نقبل هذه الأمور إدراكاً وقبولاً كاملاً. ولهذا يجب أن نشكر الله على نعمة الإيمان التي وهبنا اياها.

 

كتبوا الكتاب بالهام من الروح القدس

11      قد دوَّن تاريخ الخلاص في أزمنة مختلة كُتابٌ ألهَمَهُم الروح القدس ليكتبوا ما كتبوا فكان "يعمل بهم وفيهم ليكتبوا، كتابة مؤلفين حقيقيين كل ما هو موافق لمشيئته وليكتبوا ذلك فقط. ومن ثم فيما أن أقوال الكُتّاب المُلهمين هي أقوال الروح القدس، يجب القول أن أسفار الكتاب المقدس تعلّم تعليماً أكيداً وتعلِّم بأمانة ومن غير خطأ الحقيقة التي أراد الله أن يدوّنها في الكتاب المقدس من أجل خلاصنا" (كلمة الله 11). ولهذا فإن مؤلف الكتاب المقدس هو في الوقت نفسه الله والكُتّاب الملهمون.

 

لقد تكلم الله عن طريق البشر وعلى طريقة البشر

12      لم يتلق الكُتّاب الملهمون كلام الله عن طريق الإملاء المادي الحرفي. إنما الهمهم الروح القدس فعبّروا عن أنفسهم لبغتهم وبحسب امكاناتهم العقلية وبحسب عوائدهم وحضاراتهم والأنواع الكتابية المختلفة والأسلوب الكتابي الخاص بكل منهم.

          ولهذا جاء في الوثيقة المجمعية: "بما أن الله تكلم في الكتاب المقدس عن طريق البشر وعلى طريقة البشر. ففي سبيل أن نتبين بوضوح ما أراد الله أن يبلغنا إياه، يجب على من يفسِّر الكتاب أن يبحث بروية عما أراد الكُتّاب الملهمون أن يعبروا عنه حقاً وعما شاء الله أن يبلغنا إياه عن طريق كلمتهم" (كلمة الله 12).

 

جاء الوحي تدريجاً

13      قال المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني محدداً الوحي: "لقد شاء الله، في حكمته وصلاحه، أن يكشف لنا عن ذاته وأن يُطلعنا على سرّ مشيئته (أفسس 1: 9) وبفضل هذا السرّ، يقترب الناس من الله الآب، مع المسيح الكلمة الذي صار بشراً وبقوة الروح القدس، ويصبحون شركاء في طبيعته الإلهية" (أفسس 2: 18 و 2 بطرس 1: 4) (كلمة الله 2).

          أراد الله إذاً بالوحي أن يُظهر لنا ذاته، حتى نتمكن من معرفته تعالى ومن المشاركة في حياته الإلهية. وقد اكتمل الوحي وبلغ تمامه في يسوع المسيح نفسه، كلمة الله الذي صار بشراً مثلنا.

          وقد جاء الوحي تدريجياً. وهذا يعني ان الله سبحانه لم يوح مرة واحدة ونهائية بكل ما يتعلق بالحق الإلهي وبمسيرة الخلاص. وإنما تنازل وراعى مقدرة الناس وإمكاناتهم لفهم كلمته المنزلة (كلمة الله 12). ولذلك فإنا نجد في كل مرحلة من تاريخ شعب الله ما يتناسب ومستوى معرفته وفهمه لكلمة الله.

 

يُفهم الوحي على ضوء التقليد

14      ولهذا فإنا نجد ارتباطاً وثيقاً لدى شعب الله بين الكتاب المقدس وبين تفسيره الحيّ في الشعائر الليترجية وفي الحضارة والتاريخ (كلمة الله 8-10). وكذلك لا يمكننا أن نفصل بين كلمة الله وبين حياة الشعب الذي قبلها.

          وعلينا نحن أيضاً أن نتبع اليوم الطريقة نفسها لفهم كلام الله في الكتاب المقدس، وذلك بالاتحاد مع الكنيسة وعلى ضوء التقليد والشعائر الدينية الحيّة، وبالاستفادة من تقديم العلوم الكتابية.

          "إنَّ التقليد المقدس والكتاب المقدس هما وديعة واحدة مقدسة تسلمتها الكنيسة ومضمونها كلام الله. فإذا بقي الشعب المقدس كله مُخلصاً لهذه الوديعة ومتحداً برعاته ثبت علىتعليم الرسل والشركة الأخوية وكسر الخبز والصلاة… " (كلمة الله 10).

 

ثانياً: الكتاب القمدس هو تاريخ مسيرة الخلاص

 

الخلاص هو ملء الحياة

15      الكتاب المقدس هو كتاب مسيرة خلاصنا جميعاً. هو كتاب مسيرة الله مع البشرية. وعلى ضوء هذا المبدأ يجب أن نقرأ الأحداث التاريخية التي يرويها الكتاب المقدس لنُعطيها معناها الصحيح… فجميع الأحداث مثال ودليل لنا في مسيرة خلاصنا، بحسب ما جاء في رسالة القديس بولس الأولى إلى أهل قورنتوس: "وقد حدث ذلك ليكون لنا مثلاً، وكُتِبَ تنبيهاً لنا" (1 قور 10: 6 و 11).

          قال البابا بولس السادس في الوثيقة: "الدعوة إلى الإنجيل": "أنَّ الدعوة إلى الخلاص هي القلب والمحور في البشرى السارة. إن المسيح يُنادي بالخلاص هبة الله العظيمة. لأن الخلاص يعني تحرير الإنسان من كل ما يظلمه ويستعبده ولا سيما الخطيئة والشر. والخلاص يبعث فينا فرح المعرفة، معرفة الله، لأنا نعرفه وهو يعرفنا، ولأنا نراه ولأنا نعلم أنا عائدون اليه" (الدعوة إلى الإنجيل 9).

          وفي الواقع فإنا جميعاً أفراداً وجماعات، نطمح إلى تحرير كياننا الشامل من كل ما يعوق حريتنا الحقيقية في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية بل والروحية أيضاً. نطمح إلى التحرير الشامل من كل ما يحول بيننا وبين الله وبيننا وبين أبناء الله، لنصل إلى العيش مع الله ولننعم بملء بركته الإلهية. هذا هو معنى تاريخ الخلاص الذي يجب أن نقرأه ونفهمه في الكتاب المقدس، فنرى فيه كلام الله والبشرى السارة منه تعالى لكل واحد منا ولجميع شعوبنا.

 

مراحل مسيرة الخلاص

16      تقع مسيرة الخلاص الموحى بها في الكتاب القمدس بين مشهدين رئيسين هما، بداية المأساة البشرية وخاتمتها: وهما مشهد الفردوس المفقود ومشهد أورشليم الجديدة النازلة من عند الله. لقد جئنا من الله وإنا عائدون إليه. هذان المشهدان هما بمثابة منارتين تضيئان كل ما بينهما من تاريخ ومصير بشري منسوج بآلام البشر وبأفراحهم. وأن مسيرة العودة إلى أورشليم الجديدة أعني إلى الله قد بدأت. فقد جاء المسيح المُنتظر وهو الذي بدأ مسيرة العودة هذه والتوجه إلى الله. وهذا ما يُعرف "بالأزمنة المسيحانية". وبمجيء المسيح فقد أصبح روح الله حاضراً بيننا، ومنه نستمد قوتنا بالرغم من الشر الذي فينا أو الذي يُحيط بنا.

          وتبين هذه الرؤية للأمور أن لتاريخ البشرية معنى وأن للعالم معنى، وأن الكلمة الأخيرة هي لله وله سوف تكون الغلبة الأخيرة على الشر.

          وفي هذه المسيرة مراحل كثيرة أساسية تُظهر من خلالها الطريقة التي اختارها الله لتثقيف البشرية والتي تعامَل الله بموجبها مع الناس، مراعياً مقدرتهم على استقبال كلمته وفهمها. وهذه المراحل هي معاهدات متتالية بين الله والناس، تتداخل وتُضيف كل واحدة شيئاً ما إلى سابقتها من غير أن تلغيها. فكل معاهدة بين الله وشعبه تنهي مرحلة برزت فيها الخطيئة البشرية أو خطيئة الشعب المختار وتتجاوزها، لتبدأ مرحلة جديدة هي مرحلة ارتداد ورجوع إلى الله، والتزام بالمصالحة بين الناس.

 

المعاهدة مع نوح

17      عاش الإنسان الأول منذ خلقه الله في حالة ألفة معه تعالى (تكوين 2: 15 و 3: 8). ومن ثم كان آدم وحواء في حالة خلاص وسعادة. ثم أخطآ فحُرِما الخلاص وأُلفة الله. إلا أن الله وعدهما بالخلاص، وكان ذلك أول وعد يُعطيه الله للبشرية.

          وكانت المعاهدة الأولى مع نوح ممثلاً للبشرية، وقد جاءت المعاهدة بعد عصيان جديد من قِبَل الإنسان. وهي تُظهِر صلاح الله وتبيّن بداية تتميم الوعد بالخلاص.

          وقد جعل الله قوس القزح علامة على عهده لنوح: "هذه علامة العهد الذي أنا جاعله بيني وبينكم، وبين كل ذي نفس حيّة معكم مدى الأجيال" (تكوين 9: 12). فهو عهد لجميع الكائنات الحية على الأرض، ولاسيما للإنسان، لأنه "خلق على صورة الله ومثاله" (تكوين 1: 27). وقد أشهد الله الخلق كله على ما صنع، والخلق كله من صنع يديه، كما جاء على لسان القديس بولس في سِفر أعمال الرسل: "على أنه لم يَفُتْهُ أن يؤدي الشهادة لنفسه بما يفعل من الخير، فقد رزقكم من السماء الأمطار والفصول المخصبة، وأشبع قلوبكم قوتاً وهناء" (أعمال 14: 17).

 

المعاهدة مع ابراهيم

18      دعا الله ابراهيم لكي يجمع الانسانية المشتتة. دعاه إلى الخروج من "أرضه وعشيرته وبيت أبيه" (تكوين 12: 1). وفي ابراهيم شرع الله يُعدُّ لنفسه شعباً هو الشعب العبراني. وقد أقامه شاهداً له بين الأمم. وأصبح هذا الشعب حاملاً لوعود الله وأحكامه ومُناديا بالخلاص للبشرية كلها. وقد وعد الله أن يجعل من ابراهيم "أبا عددٍ كبير من الأمم" (تكوين 17: 5) وبركة "لجميع عشائر الأرض" (تكوين 12: 3). وتبرز الأنساب في التوراة بصورة خاصة قرابة اسماعيل مع ابراهيم، وتذكر أن البركة الممنوحة لإبراهيم تشمل أيضاً سائر الشعوب. ولهذا فانا نرى اليوم اليهود والمسيحيين والمسلمين، يكرمون اباهم المشترك، "أباً لايمانهم" بالله الواحد الذي يبارك جميع الشعوب.

 

معاهدة طور سيناء

19      بعد المعاهدة مع ابراهيم، جدّد الله المعاهدة نفسها مع اسحق (تكوين 26: 1-5) ثم مع يعقوب (تكوين 28: 1-22). وقبل الخروج من مصر "ذكر الله عهده مع ابراهيم واسحق ويعقوب" (خروج 2: 24). وقد جاءت معاهدة طور سيناء مؤيّدة لاختيار الله. وبالخضوع لشريعة الله تكونت حول موسى جماعة دعاها الله اليه لتخدمه. ونلاحظ هنا أيضاً أن بينها أشخاصاً غرباء، ليسوا من نسل يعقوب، مثل كالب (يشوع 14: 6-14) ثم راحاب (يشوع 6: 22: 24).

          فما يميّز وما يُكوِّن شعب الله هو الخضوع لشريعة المعاهدة المبرمة على جبل سيناء. واسرائيل هو الشعب الذي يحمل اسم الرب (تثنية 18: 10). هذه هي هويته. وليس هذا الاختيار ناجماً عن استحقاقاته، بل هو ناجم عن محبّة الله المطلقة والتي لا يُلزِمها مُلزِم (تثنية 4: 37 و 7: 7 و 9: 4). وهو اختيار يفرض المسؤولية والواجبات، لا الامتيازات والمحاباة.

 

المعاهدة مع الملك داود

20      إن استقرار اسرائيل في أرض الميعاد هو بمثابة تحقيق تاريخي ورمزي للمواعد المعطاة لابراهيم وموسى. وقد تركزت المعاهدة الآن في بيت داود (2 صموئيل 7: 16). وقمّة حياة اسرائيل كشعب هي الفترة التي مَلك فيها داود ثم ابنه سليمان. وكانت الملكية والهيكل هما العلامتان لحضور الله بين شعبه. ولهذا فإن دمارهما سوف يؤدي إلى مأساة الجلاء.

 

توقع مجيء المسيح

21      لقد أدى عصيان الشعب إلى غضب الله وقضائه. ولذلك كان الجلاء. والجلاء هو الإبعاد عن الأرض. فلم يبقَ لاسرائيل ملك ولا هيكل. وأما كلام الله فباقٍ ومعاهدته أيضاً باقية. وبهذه المعاهدة عاش الشعب عبر التقلبات السياسية وبين الشعوب الأخرى. وقد وجد اسرائيل نفسه كما كان في أيام التيه في البرية أعني لا خلاص له إلا من الله وحده.

          وقد رأى الأنبياء ما بعد المحنة الراهنة. وحين تنبأوا بإعادة مملكة داود، فقد تنبأوا بملك "مسيح" يُمسح بدهن الملكية. إلا أن رؤاهم كانت تتخطى الانجازات الزمنية، وتُشير إلى الزمن الذي يظهر فيه المسيح، وإلى اليوم الذي يكون فيه الله هو باني الملكوت. وقد تنبأ الأنبياء بمعاهدة جديدة بها يضع الله شريعته في القلوب: "أجعل شريعتي في باطنهم وأكتبها على قلوبهم، وأكون لهم إلهاً وهم يكونون لي شعباً" (ارميا 31: 33 وراجع حزقيال 36: 26).

          بعد محنة الجلاء عادت بقية ضئيلة إلى أرض الميعاد. وقد أصبحت الأمة الآن طائفة دينية تتمركز حول الشريعة. وهي عودة جديدة إلى أرض الآباء والأجداد ولكن من غير استقلال سياسي. وقد رافقها تجدد روحي. وتعرّض الشعب لأزمات عديدة ظهر من خلالها قسم من اسرائيل ظلّ أميناً وقسم لم يحافظ على الأمانة. وبقي القسم الأمين ينتظر تعزية اسرائيل ويعيش في انتظار المسيح الذي يبني ملكوت الله.

          وإنَّ محنة الجلاء الأليمة حولت الفقر إلى مثالية دينية. فظهرت فئة عرفت باسم "فقراء الله". وهم أُناس وضعوا ثقتهم في الله وحده. ولم يكونوا يرجون خلاصاً من أحد سواه. وقد تجدد وتنقى رجاؤهم بعهد المسيح الآتي، فلم يكونوا ينتظرون مجد ملك سياسي وحسب، بل ملكوت الله ملكوت عدل وسلام وصلاح يُنعِم به الله على أفقر الناس.

          في هذه البيئة الروحية، في بيئة "فقراء الرب"، يتأصل يوسف ومريم، اليصابات وزكريا، وحنة النبية وسمعان الشيخ. فإن هؤلاء جميعاً كانوا ينتظرون أيضاً ملكوت الله ببساطة قلبهم وبثقتهم بالله.

 

تتمة الوعود والعهد الجديد

22      بمجيء يسوع "حان الوقت واقترب ملكوت الله" (مرقس 1: 15). بدأ زمن الملكوت الذي تغلب فيه يسوع على قوى الشر. وشرع يتمم مواعد العهد القديم. هو مختار الله ومسيحه الذي وعد بالأرض للودعاء. وقد وضع قبل موته سرّ الافخارستيا علامة للذبيحة التي بلغت بالمعاهدة بين الله والشعب إلى كمالها. قال يسوع: "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي الذي يُراق من أجلكم" (لوقا 22: 20 وراجع متى 28: 26). وبقيامته من بين الأموات، وبصعوده إلى السماء، وبموهبة الروح القدس، دعا المؤمنين إلى ولادة جديدة، في جماعة العهد الجديد التي هي الكنيسة وشعب الله الجديد. ليس الله مُلكاً لأحد. إلا أنه اقتنى لنفسه "شعباً لم يكن شعباً" من قبل وجعل منه "ذرية مختارة وجماعة الملك الكهنوتية وامّة مقدسة" (1 بطرس 2: 9-10 وتعليم الكنيسة 782).

          وفي الواقع فقد أعد الله كنيسته التي جمعها بكلمته إعداداً عجيباً، في تاريخ الشعب اليهودي وفي العهد القديم. ولما تمّ الزمان أسسها وأظهرها بحلول الروح القدس، ولسوف تبلغ كمالها في المجد في نهاية الدهور.

          وإلى أن تبلغ الكنيسة كمالها، سوف يبق زؤان في حقل الآب، ولن يُحرَق هذا الزؤان إلا في آخر الزمن، عندما يعود المسيح ليدين العالم وليُعيد كل شيء إلى الله الآب. وزمن الانتظار هذا هو زمن الكنيسة وهو الزمن الذي يصبر فيه الله على خطيئة الناس (2 بطرس 3: 9)، وهو الزمن الذي أُعطي لنا لنتوب إلى الله ولنعظ غيرنا بالخلاص الذي يريده الله لجميع الأمم، ولنشهد لمحبته بحياتنا، وبموتنا إذا لزم الأمر وكانت تلك مشيئته تعالى.

 

ثالثاً: الكتاب المقدس هو تاريخ مسيرة خلاصنا الفردية والجماعية

 

الخطيئة والتوبة إلى الله في حياتنا

23      التاريخ المدوّن في الكتاب المقدس هو تاريخ خلاصنا نفسه. فإننا نجد في حياتنا كأفراد وكجماعات العناصر نفسها والمسيرة نفسها التي نجدها في تاريخ الشعب المختار في الكتاب المقدس. هو الوحي والتقدم التدريجي نحو الله في إطار حياتنا الشخصية حيث كل واحد منا يُعيد المراحل نفسها بين الخطيئة المكررة وبين الارتداد أو التوبة إلى الله. هي الخبرة نفسها مع الأصنام المختلفة التي نُشرِكها في ايماننا في حياتنا، أفراداً وشعوباً. وهي التجربة نفسها التي تقلص حقيقة الله على مقدار رؤانا أو رغباتنا، ثم ضرورة تطهير هذه الرؤى والرغبات بالاصغاء إلى الأنبياء وبقراءة كلام الله والتأمل العميق فيه.

          إنّ تعامُل الله مع الشعب اليهودي هو المثال لتعامله مع كل واحد منا، أفراداً وشعوباً، فمن جهته تعالى هي الدعوة إلى القداسة والمغفرة المكررة، ومن جهتنا هي الخطيئة والتوبة المكررة أيضاً.

 

المراحل التي وصفتها التوراة هي مراحل حياتنا

24      إن خلق آدم وحواء هو خلقنا. وخطيئتهما مثل خطيئتنا. والطريق التي اختطّها الله لهما هي طريقنا.

          إنَّ في دعوة ابراهيم وفي اختيار الشعب العبراني كرامة خاصة، ولكن فيهما في الوقت نفسه مسؤولية خاصة. واختيار الشعب هو بمثابة بداية لاختيارنا جميعاً. فإن الله يدعونا نحن أيضاً. وقد وسّع السيد المسيح هذا الاختيار حتى شمل به جميع الشعوب، فجعل لكل إنسان ولكل شعب دعوته وكرامته ومسؤوليته الخاصة.

          وسائر مراحل التاريخ التوراتي تضيء مراحل تاريخنا. فالمواعد لاسحق ويعقوب ولأبنائهم والعقبات التي اعترضت الشعب لدى خروجه من مصر، والانشقاق بين مملكتي اسرائيل ويهوذا، والإبعاد والجلاء، كل هذه المراحل هي خبرات مختلفة تلقي الضوء على مراحل حقيقية وروحية في تاريخ كل شعب وفي تاريخ كل فرد ضمن شعبه. وتساعدنا هذه الخبرات المختلفة على أن نفهم معنى تاريخنا كما أنها تمكننا من الاستجابة لدعوتنا استجابة أفضل.

          انا مدعوون إلى أن نقرأ في الكتاب المقدس تاريخنا الفردي والجماعي. وإنا مدعوون إلى أن نقرأ فيه تاريخ الآخرين أيضاً، ولا سيما عمل الله في تاريخنا وفي تاريخهم.

          نقرأ الكتاب المقدس ونحن ننتسب إلى شعوبنا وحضاراتنا وإلى فترة معيّنة من تاريخنا. ونقرأه أيضاً ونحن متنبهون لعمل الله المستمر في تاريخ الناس أجميعين. يجب أن تساعدنا قراءة الكتاب المقدس، مع التنبه لعلامات الأزمنة، لكي نفهم حاضرنا ونعيش فيه إيماننا في إطار المعاهدة مع الله، وفي الأماتة له تعالى. ولذلك نختار طريق الخير ونعمل في سبيل الحصول على البركة للجميع.

 

رابعاً: يسوع المسيح هو المفتاح والإضاءة الجديدة لفهم الكتاب المقدس فهماً مسيحياً

 

يسوع يطبِّق الكتاب المقدس على شخصه ورسالته

25      لما التقى يسوع تلميذي عمواس بعد قيامته من بين الأموات، أخذ يشرح لهما الكتاب المقدس، مبتدئاً "من موسى وجميع الأنبياء يفسِّر لهما في جميع الكتب ما يختص به" (لوقا 24: 27).

          وفي مجمع الناصرة طبق يسوع تطبيقاً مباشراً وصريحاً على نفسه وعلى رسالته ما قاله النبي أشعيا، حين قال لمستمعيه: "اليوم تمتّ هذه الآيات بمسمع منكم" (لوقا 4: 21).

          ولما جاء تلاميذ يوحنا المعمدان يسألونه مَن أنت، عرّف بنفسه من خلال نبؤة أشعيا التي تحققت فيه. قال: "العميان يُبصرون والعرج يمشون مشياً سوياً والبرص يبرأون والصمّ يسمعون والموتى يقومون والفقراء يبشّرون" (متى 11: 4-6 وقارن مع أشعيا 26: 19 و 29: 18 و 35: 5 و 16: 1).

          وفي خطابه بعد شفاء المخلع عند بركة بيت حسدا في القدس قال لسامعيه من اليهود: "تتصفحون الكتب تظنون أن لكم فيها الحياة الأبدية، فهي التي تشهد لي" (يوحنا 5: 39). وأضاف: "لو كنتم تؤمنون بموسى لامنتم بي لأنه في شأني كُتِب" (يوحنا 5: 46).

 

في شخص يسوع تكتمل الكتب المقدسة

26      قال يسوع في العظة على الجبل: "لا تظنوا أني جئت لأُبطل الشريعة والأنبياء. ما جئتُ لأُبطل بل لأُكمل" (متى 5: 17). وهذا الإكمال وعدم الإبطال يبين من جهة تثبيت العهد القديم لأن كلمة الله واحدة كما أن الله واحد وتدل من جهة أخرى على كمال العهد الجديد، الذي يكشف فيه الله عن نفسه أباً وابناً وروح قدس" (متى 28: 19). ولقد قدم يسوع المسيح نفسه ليس فقط بمثابة تتمة وخاتمة للعهد القديم، بل هو في الوقت نفسه تتمةّ مجدِّدة ومُبدِعة وتفوق العهد الذي سبقه.

          ويسوع المسيح لا يساعدنا فقط على فهم الكتاب المقدس فهماً أفضل، بل هو نفسه كلمة الله الكاملة والشاملة لأنه "شعاع مجده وصورة جوهره والابن الذي يحفظ كل شيء بقوة كلمته" (عبر 1: 1). وهو الكلمة "الذي صارا بشراً وحلَّ بيننا" (يوحنا 1: 14). وهو "النور الحق الذي يُنير كل إنسان" (يوحنا 1: 9). وهو "الأول والآخر وهو الحيّ" (رؤيا 1: 17 و 18). فكل شيء في الكتاب المقدس وفي التاريخ لا يمكن فهمه إلا من خلال شخص السيد المسيح.

 

بالنسبة إلى الشريعة

27      يظهر يسوع من جهة عارفاً الشريعة تمام المعرفة ومُحافظاً عليها محافظة تقوية، وهو من جهة أخرى يتصرف بحرية بالنسبة اليها (متى 17: 24-27؛ جباية الضرائب للهيكل). فقد جاء ليفسرها التفسير الحقيقي (فيما يتعلق بالسبت، وبالأطعمة المحرمة وسُنَن الطهارة والصيام الخ… مرقس 2: 18-20 و 2: 28 و 7: 1-13). ويريد أن يبيّن روحانيتها وعمقها. ولهذا فقد قال أنه المشترع الجديد وأنه صاحب سلطة مساوية لسلطة الله: "سمعتم أنه قيل للأولين: … أما أنا فأقول لكم…" (متى 5: 21-22). وهو نفسه "غاية الشريعة" كما يقول القديس بولس (روما 10: 4).

 

بالنسبة إلى الأنبياء

28      من جهة يظهر لنا أن يسوع هم المكمّل الحقيقي للأنبياء في رسالته وفي حياته. فهو يُنادي مثلهم بالايمان بالله، إله ابراهيم واسحق ويعقوب (متى 2: 32)، ومثلهم يدافع عن حقوق الله والفقراء (متى 11: 2-24).

          ومن جهة أخرى فهو يصرِّح بغير تردد أنه أكبر منهم جميعاً. وهو ليس أكبر منهم من حيث النبوة وحسب ولكنه الأول من حيث المصدر والوجود ومن حيث مصدر الإلهام النبوي. هو أعظم من يونان النبي وسليمان الملك (متى 12: 41-43 ولوقا 11: 31-32). وهو أكبر من موسى (متى 19: 8-9). وهو أول الأنبياء إذ كان قبل يوحنا المعمدان (يوحنا 1: 15) وقبل موسى (يوحنا 6: 46) وقبل ابراهيم (يوحنا 8: 56-58). ويجب أن نلاحظ أن أوّليّته ليست فقط من حيث الزمن بل أيضاً من حيث الوجود. أوليّته لا متناهية لأنها أزلية: "ابتهج أبوكم ابراهيم راجياً أن يرى يومي ورآه ففرح… الحق الحق أقول لكم: قبل أن يكون ابراهيم أنا كائن" (يوحنا 8: 56-58).

 

بالنسبة إلى الكتب الحكمية

29      إن يسوع يكمل أيضاً الكتب الحكمية، وتعتبر هذه الكتب، في صورة المزامير والأمثال والقصص الشعبي، عن وعي الشعب للشريعة التي تقود شعب الله وتبيّن له الطريق، ولكتب الأنبياء الذين يصححون الشعب والملوك والكهنة أيضاً إذا حادوا عن الطريق.

          ويتمم يسوع الشريعة والأنبياء. بمعنى أنه يجسّم في ذاته هذا الوعي، فيبين الطريق ويصحح ما اعوجّ منها بالشهادة التي يؤديها مدة حياته كلها حتى مماته.

          وتهدف الكتب الحكمية أيضاً إلى ابراز الشمولية في الوحي الذي أُعطي لابراهيم ونسله. وتتعرض الأسفار الحكمية في مرحلة ما إلى أزمة حادة وذلك في سِفر أيوب وفي المزمور الثاني والعشرين، حيث يظهر الحكيم وكأنه هو الأحمق، والنبي الحقيقي وكأنه النبي الكذاب، والكاهن وكأنه الضحية، والضحية وكأنها هي الكاهن. فنشهد إنقلاباً في القيم، وكأن الخليقة تدخل في فترة حاسمة تؤدي إلى خلق جديد.

          وقد أوضح يسوع بموته على الصليب معنى هذه القيم المعكوسة التي نجدها في الكتب الحكمية، وفتح الطريق الذي بدا وكأنه طريق مسدود في وجه البشرية. وفي ذلك قال القديس بولس في رسالته الأولى إلى أهل قورنتوس: "فلما كان العالم بحكمته لم يعرف الله في حكمة الله، حسن لدى الله أن يخلص المؤمنين بحماقة التبشير. ولما كان اليهود يطلبون الآيات واليونانيون يبحثون عن الحِكمة، فأنا نبشر بمسيحٍ مصلوب، عثارٍ لليهود وحماقة للوثنيين. وأما للمدعوين، يهوداً كانوا أم يونانيين، فهو المسيح، قدرة الله وحِكمة الله. لأن الحماقة من الله لأكثر حِكمة من الناس، والضعف من الله أوفر قوة من الناس" (1 قورنتوس 1: 21-25).

 

الخليقة الجديدة والقراءة الجديدة

30      إن رسالة يسوع كلها وتصرفاته وشخصيته وكلامه وأعماله ترتبط بالتقاليد القديمة ولكنها في الوقت نفسه شيء جديد ومستحدَث. فيسوع يكمل ويثبت العهد القديم وفي الوقت نفسه يتجاوزه (نور الشعوب 22). فمن الآن وصاعداً، كل شيء يصبح فيه جديداً: وصية المحبة جديدة (يوحنا 13: 14) وتعليمه جديد (متى 9: 17 ومرقس 1: 17 ويوحنا 2: 9). والمعاهدة جديدة (لوقا 11: 35 و 1 قور 11: 25).

          ومَن آمن به جعله الروح القدس خليقة جديدة (قورنتس الثانية 5: 17 وأفسس 4: 24). وفيه أصبح الجميع، يهوداً ووثنيين، إنساناً واحداً جديداً (أفسس 2: 15). وهذا التجدد في الكيان سوف يبلغ تتمته الكاملة والنهائية في السماء. وهناك يكون للمخلَّصين اسم جديد (رؤيا 2: 17). هم أورشليم الجديدة (رؤيا 3: 12 و 21: 2) لأن "الجالس على العرش قال ها أنا أصنع كل شيء جديداً" (رؤيا 21: 5).

          فمن الآن وصاعداً يجب أن تتم قراءة كل شيء على ضوء هذا التجدد. فلجميع الكتب قبل المسيح وبعده محور واحد، هو المسيح القائم من بين الأموات. منذ العنصرة وحلول الروح القدس وهو روح الحق (يوحنا 14: 17)، كل شيء يُفهَم على ضوء المسيح. هكذت وُلِدَت ونمت التقاليد الرسولية المُسلَّمةُ إلينا من جيل إلى جيل بصورة غير قابلة للخطأ بقوة الروح القدس.

          وهكذا فَهمت الكنيسة عبر الأجيال الكتب المقدسة وهكذا يجب أن نقرأها وأن فهما معها.

 

استمرارية وتتمة وحَدَثٌ جديد

31      كلما بحثنا وتعمقنا في الكتب المقدسة، وكان بحثنا صادقاً، ازددنا قرباً من أسرار "غنى الله الذي لا يُستقصى" (أفسس 3: 8)، وازددنا إيماناً بان السيد المسيح هو محور تاريخ الخلاص، وبأنه يجسّد في شخصه الاستمرارية بين جميع مراحله ويتممها ويُحدِث فيها حدثاً جديداً.

          هناك استمرارية لأن وحي الله هو نفسه، والإله الموحي هو الإله نفسه الواحد الأحد والذي "يُريد أن يُخلَّص جميع الناس" (يوحنا 3: 17).

          وهناك تتمةٌ وحدثٌ جديد، لأن هناك عهداً جديداً تمَّ بالفداء الذي صنعه يسوع المسيح الرب المخلص.

          وهناك استمرارية ايضاً "لأنه لا رجعة في هِبات الله ودعوته" (روما 1: 29)، "ولذلك قال القديس بولس أن اليهود يبقون أحباء الله من أجل آبائهم. لأن الله سبحانه لا يُلغي اختياره ولا يستعيد ما وهب من نِعَمْ" (وثيقة مجمعية "في أيامنا هذه"، 4).

          وهناك أيضاً تتمة وحَدَثٌ جديد لأن السيد المسيح يبيّن من خلال الكنيسة التي هي العهد الجديد أنه هو غاية خطة الله الذي أراد أن يجمع كل شيء تحت رأس واحد هو المسيح" (أفسس 1: 10). وبه بدأت تتحقق وحدة الجنس البشري إذ أخذت الكنيسة تجمع في وحدتها أناساً من "كل أمّة وقبيلة وشعب ولسان" (رؤيا 7: 9 وتعليم الكنيسة الكاثوليكية 772 و 775).

 

قبول الكتب المقدسة كلها في يسوع المسيح

32      أن يكون الإنسان مسيحياً يعني أنه يؤمن بيسوع المسيح، وقَبِلَ كل ما أوحى الله به عنه في العهد الجديد، وأن يقبل أيضاً الطريقة التي بها فهم السيد المسيح العهد القديم وطبّقه على نفسه. فهو غذن المفتاح والمقياس الأسمى لفهم حقيقة التوراة، ليس فقط فيما يتعلق بكل ما قيل وعُمِلْ في اسرائيل من قبله ولكن أيضاً لكل ما سوف يتم من بعده (يوحنا 16: 7-11).

          المسيحي يقبل جميع الكتب كما فهمها السيد المسيح في أعماق وعيه، ونحن أكيدون أنه قادر على ان يكشف لنا الحقيقة الكاملة.

 

 


الفصل الثالث

الاجابة على الأسئلة المطروحة

 

كلمة الله كلمة حق

33      مَن أراد أن يكون أمينا لايمانه ولكلمة الله يجب أن يحرر نفسه من جميع الضغوط الواعية واللاواعية الناجمة عن الانتماءات الحضارية وعن المواقف السياسية الراهنة، سواء كانت معادية أم صديقة لأي من الطرفين المعنيين بالكتاب المقدس، أعني الشعبين الفلسطيني واليهودي. لأن كلا الموقفين، الموقف المعادي أو الموقف الصديق، يمكن أن يجرد تفكير الإيمان من موضوعيته ومن ثم من أمانته لله، مع العلم لأن الأمانة لله لا يمكن إلا أن تكون أمانة لصالح كل إنسان وكل شعب. لأن كلمة الله يجب أن تكون النور والدليل ولا يجوز أن تكون أداة صراع مع أو على أي من الطرفين.

          لا يجوز أن تكون كلمة الله أداة صراع إلا في سبيل الحقيقة. وفي هذه الحال لا يمكن لهذه الكلمة إلا أن توحّدنا. أما إذا حدث عكس ذلك وغدت فينا انقسامات وضغائن فهذا يعني أنا نشوّه كلمة الله إذ نجعل منها أداة موت لا حقيقة. وهذا يعنب إخضاع الكتاب المقدس للاستغلال السياسي وإهمال جوهر رسالته الدينية.

          وبهذه الروح وعلى ضوء ما تقدم، يسعنا الآن أن نُجيب على الأسئلة المطروحة، كما حددناها في بداية هذه الرسالة.

 

أولاً: العهد القديم والعهد الجديد

 

في الجماعة المسيحية الأولى

34      بقيت الجماعة المسيحية الأولى المذكورة في أعمال الرسل أمينة لكلمة الله الموحى بها في المزامير وفي جميع كتب العهد القديم. ثم نشأتْ بعض الصعوبات الناجمة عن تأثير الفلسفات الوثنية، ولهذا بدأت أصوات تنادي بأن العهد القديم مرحلة انقضت بل هي مناقضة للعهد الجديد.

وقد شجبت الكنيسة منذ البداية هذه التيارات، وحاولت أن تصحح الأفكار والهرطقات التي أرادت أن تفرق بين العهدين القديم والجديد.

          واليوم بسبب الضغوط الناجمة من الأحداث، وبسبب اساءة فهم الكتاب المقدس من قِبَل البعض، هناك أيضاً تيار يريد أن يرى في العهد القديم تاريخ الشعب اليهودي فقط، وليس كتاباً من الكتب المقدسة المسيحية.

 

تعليم الكنيسة

35      ظلّ تعليم الكنيسة في هذا الشأن ثابتاً ويمكن تلخيصه فيما يلي: الكتاب المقدس كله، بما فيه العهد الجديد والعهد القديم والمعروف أيضاً باسم "التوراة"، وهو كلام الله، أوحى الله به لخلاص جميع الناس. ولهذا فإن كلا العهدين مُرتبطين ارتباطاً وثيقاً بحيث لا يمكن فصلهما عن لعضهما البعض، مهما كانت الأسباب.

          والإنجيل واضح وصريح في هذا الشأن أيضاً. قال السيد المسيح: "لا تظنوا أني جئت لأبطل الشريعة أو الأنبياء: ما جئت لأبطل بل لأكمل. الحق أقول لكم: لن يزول حرف أو نقطة من الشريعة حتى يتم كل شيء" (متى 5: 17-18). "السماء والأرض تزولان وكلامي لا يزول" (مرقس 13: 31 وراجع لوقا 16: 17 و 21: 33).

          وقد اعاد المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني تحديد تعليم الكنيسة كما يلي: "إن الله هو الموحي وهو المؤلف للكتب المقدسة جميعها في كلا العهدين. وقد أعدهما الله بحكمة بحيث أن العهد القديم كان يتضمن العهد الجديد بصورة خفية، وبحيث أن الجديد أزال النقاب عن كل مكتوم في العهد القديم. وبما السيد المسيح بدأ العهد الجديد بدمه، فإن كتب العهد القديم، التي احتوتها البشارة الإنجيلية احتواءً كاملاً، تتلقى كامل معناها في العهد الجديد، وهي بدورها تفسّره وتُنيره" (كلمة الله 16).

          فالعهد القديم إذن كما حددته الكنيسة، بجميع كتبه القانونية الولى والثانية وبما فيها كتب الشريعة والأنبياء والكتبة، لا يزول ولا يَفقد قيمته. هو كلمة الله المُنزلة. وإلى الأبد يبقى كلمة الله وكتاباً مقدساً. وإنما يبلغ كماله بالمسيح كلمة الله المتأنس ومنه يستمد معنى وإضاءة جديدة. فإذا قبلنا الكتاب بهذا المعنى، سيكون لنا نوراً يهدينا إلى الحقيقة والعدل في ظروفنا الحاضرة.

 

كلام الله

36      إن كلام الله في كتب العهد القديم موجّه ليس فقط للفلسطيني المسيحي واليهودي، بل أيضاً لكل إنسان ولكل شعب. لن الله تكلم للجميع ولخلاص الجميع وحتى يجمع في الأخوّة وفي خطة الخلاص نفسها جميع شعوب الأرض، ومن بينها اليهودي والمسيح يوالمسلم.

          في كل ظرف كلام الله مُنزل مقدّس ولا يُمس. ولهذا فإذا رفضه البعض أو أساء فهمه، فبدلا من ان يكون لنا اداة خلاص وأخوّة، فإنه يصبح سلاحاً مضافاً في خصوماتنا وأداة موت للأشخاص والشعوب والحضارات.

          ولقد سبق وقلنا إن كان البعض يسيء استخدام الكتاب المقدس، فإن هذه الاساءة ليست سبباً كي نفقد ايماننا بكتبنا المقدسة، بل هي إساءة الاستخدام التي يجب أن نشجبها وأن نصححها وليس كلام الله.

 

ثانياً: العنف في الكتاب المقدس

 

أمثلة على العنف في العهد القديم

37      نجد مرارا أن العهد القديم ينسب أعمال العنف إلى الله سبحانه. ذلك للتأكيد على قداسته تعالى. ونجد هذه الظاهرة خاصة في مجالين: في مجال العقوبات المفروضة على بعض مخالفات الشريعة وفي تطبيق شريعة "الحرم" على اشعوب المغلوبة.

          ففي المجال الأول تأمر الشريعة مثلاً برجم عابد الأوثان (تثنية 17: 2-5)، وبقتل مدنس السبت (خروج 31: 14)، وبقتل الغريب الذي يدخل مقدس الهيكل (عدد 3: 38).

          ويروي سفر العدد أن الله عاقب الثائرين على موسى إذ انشقت الأرض فابتلعتهم (عدد 16: 30). وفي سفر الملوك الأول (19: 40) نجد النبي ايليا على جبل الكرمل يأمر باسم الله بذبح كهنة البعل.

          وفي المجال الثاني، بعد فتح أريحا ومدينة العَيّ وسائر المدن، طُبِّقت باسم الله شريعة "الحرم"، وهي الشريعة التي تقضي بقتل كل إنسان لا يؤمن بالله: "وحرموا كل ما في المدينة من الرجل وحتى المرأة ومن الشاب وحتى الشيخ، حتى البقر والغنم والحمير، فقتلوهم بحدّ السيف" (يشوع 6: 21).

          وفي المزامير المعروفة بمزامير الثأر نجد الله "يقاتل" مع الشعب ويؤيّده في محاربته للشعوب الأخرى. ونجد أحياناً أن الابتهال يتخذ صورة اللعنة وطلب الانتقام: "لتكن أيامه قليلة وليتولّ منصبه آخر، ليكن بنوه يتامى وامرأته أرملة" (109: 8-9). "فليخز كل الذين يبغضون صهيون وليرتدوا إلى الوراء" (129: 5). "حطِّم ذراع الشرير الخبيث" (10: 15).

 

العهد القديم نفسه يشجب العنف ويصححه

38      ومن جهة أخرى نجد في العهد القديم نفسه شجباً وتصحيحاً لأعمال العنف. مثلاً: يؤنب الله الملك داود ويرذله لأنه سفك دماء كثيرة ولهذا لا يقبل منه أن يبني له هيكلاً (1 أخبار 22: 8). وسفر الأمثال يأمر بتجنب الأشرار الذين "أكلوا خبز الشرّ وشربوا خمر العنف" (أمثال 4: 17). ويشجب اللجوء إلى العنف: "عنف الأشرار يجرفهم لأنهم أبوا إجراء الحق" (أمثال 21: 7). وجاء في المزمور 62: "على العنف لا تتكلوا وبالنهب لا تغتروا" (62: 11).

          وقد شجب الأنبياء شجباً شديداً أعمال العنف التي اقترفها اسرائيل: "ليس في الأرض حق ولا رحمة ولا معرفة لله، بل فاضت اللعنة والكذب والقتل والسرقة والزنى والدماء تلامس الدماء" (هوشع 4: 1-2).

          وذكَّر الأنبياء أيضاً في مواعظهم بما ورد في سفر العدد فيما يتعلق باحترام حقوق الغريب والفقير: "ملعون مَن ينقل حدود قريبه… ملعون مَن يُحرِّف حق نزيل أو يتيم أو أرملة…" (تثنية 27: 19 وراجع 24: 17 وحزقيال 22: 7 وارميا 22: 3).

          وجاء في سفر الخروج مؤكداً على التعامل مع "ابن البلد والنزيل" بموجب شريعة واحدة: "شريعة واحدة تكون لابن البلد والنزيل النازل فيما بينكم" (خروج 12: 49).

          وجاء في مراثي ارميا النبي عن حقوق الانسان عامة: "إذا سُحِق تحت الأرجل جميع أسرى الأرض، أو حُرِّف حق الرجل أمام وجه اعليّ، وإذا ظُلم الانسان في دعواه أفما يرى السيد؟" (مراثي 3: 34-35).

          ويقول سفر صموئيل الأول أن القوة المادية باطلة، وأشار أشعيا إلى مصدر آخر للققوة: "الأشرار في الظلام يزولون لأنه لا يغلب انسان بقوته" (1 صموئيل 2: 9). "في التوبة والراحة كان خلاصكم، وفي الطمأنينة والثقة كانت قوتكم" (أشعيا 30: 15).

          وأخيراً فإن وصف "العبد البار المتألم" في سفر أشعيا يأتي بمثابة مقدمة للعهد الجديد وصورة للسيد المسيح المتألم لخلاص البشرية. فهو "العبد البار" الذي لا "يأتي عنفاً" والذي "سُحِق من أجل آثامنا" و "قدَّم نفسه كفارة عن خطايانا" (أشعيا 53).

 

كيف نفهم هذه الأمور؟

39      يجب أن نتذكر أولاً أننا أمام حقائق عميقة ومعقدة فلا يسعنا أن نصدر فيها أحكاماً متسرعة وسطحية. فنحن أمام كلام الله الذي قال فيه القديس بولس: "ما أعسر إدراك أحكام الله وتبيُّن طرقه. فمن الذي عرف فكر الرب أو من الذي كان له مُشيراً؟" (روما 11: 33-34).

          وثانياً يساعدنا على فهم هذه الأحداث الطابع التدريجي في الوحي حتى اكتماله في العهد الجديد.

          لقد سبق وقلنا أن في الوحي تدرجاً وتكاملاً (فقرة 13)، وأن الله أراد أن يراعي بذلك إمكانية الفهم لدى الناس الذين اختارهم على جهلهم وعجزهم. فهو يُنزل الوحي فيهم بمقدار، ويكلفهم مهما كان العجز والنقص فيهم لتبليغ رسالة الخلاص إلى البشرية كلها، في كل مكان وزمان. ولهذا نقول أن الله نهج في الكتاب المقدس وفي تنزيل الوحي نهج المربي الحكيم للشعوب. فهو يوجه إليهم كلامه، عن طريق الأنبياء والكتاب المُلهمين، بصورة تدريجية، وفي كل مرحلة بمقدار ما يمكنهم إدراكه.

          ولهذا حتى نفهم هذه الأمثال المذكورة أعلاه، يجب أن نفهم اللغة والحضارة التي عبّر بها الكتّاب الملهمون عن الوحي. ثم يجب أن نميّز تمييزاً واضحاً بين الرسالة الموحى بها وبين أخلاقيات العصر، التي قد تبدو أحياناً مناقضة للرسالة، مع كونها في الوقت نفسه أداة التعبير التي نقلتها الينا.

          ثم أن الكتاب المقدس كله وحدة واحدة، فإذا أردنا أن ندرك أي جزء منه أو أية حادثة فيه، لا بدّ من ربطها برؤية متكاملة للكتاب كله في مختلف مراحله، منذ أو كتاب فيه من العهد القديم وحتى آخر كتاب فيه من العهد الجديد.

          كذلك فقط يمكننا أن نجد الجواب على أسئلتنا، وذلك باعتمادنا الأسس المذكورة أعلاه، وهي وحدة الكتاب المقدس، والتدرج في الوحي، والتمييز بين الرسالة نفسها وبين العناصر الحضارية القديمة التي تعبر عنها وتواصلها الينا.

 

العنف للتعبير عن قداسة الله

40      عقلبة العصر الذي كتب فيه الكتاب الملهمون نجد أن قضية اللجوء إلى العنف تتصل أولا بمفهوم قداسة الله وثانيا بمفهوم العدل وإقراره بين الناس.

          من حيث التعامل مع الله، كل مخالفة لقداسة الله أو لأي بند من بنود شريعته كانت تعاقب عقاباً جسيماً يبلغ حدّ القتل أحياناً، وهذا ما يفسِّر لنا الأمثال المذكورة أعلاه. وعند افتتاح المدن كانت شريعة الحرم تعبِّر عن واجب إبادة الشرك وتثبيت قداسة الله ووحدانيّته.

 

العنف لإقرار العدل بين الناس

41      نجد أن عادة الثأر كانت مرحلة أولى لتطبيق العدالة بين الأفراد والشعوب. وكان الثأر يقو بالردّ على الإساءة بإساءة أكبر منها. ففي الفصل الرابع من سِفر التكوين نقرأ عن قاين ما يلي: "مَن قتل قاين فسبعة أضعاف يُؤخذ بثأره" (4: 15). ونقرأ في الآية 24 من الفصل نفسه: "انه يُنتقم لقاين سبعة أضعاف واما لِلامَك فسبعة وسبعين".

          ونجد في مرحلة ثانية أن قانون القصاص على قسوته يحقق بعض التقدم بالنسبة إلى المرحلة الأولى، فهو يَحدّ من مغالاة الثأر ويقضي بأن يكون العقاب بالمثل فقط (واحد مقابل واحد)، وليس بالردّ على الإساءة سبع مرات أو سبع وسبعين مرة: "النفس بالنفس، والعين بالعين، والسن بالسن، واليد باليد والرِجل بالرِجْل" (تثنية 19: 21).

          ثم نجد تقدما آخر في عامل الناس مع بعضهم البعض في الآية التالية: "كل ما تكرهه لنفسك لا تفعله بأحد من الناس" (طوبيا 4: 15).

          ونجد تقدماً ملموساً وثورياً مع اكتمال الوحي في العهد الجديد. فالقاعدة الذهبية للتعامل مع الآخرين لا تأمر فقط بتجنب المكروه للغير بل تأمر بالمعرفو: "فكل ما أردتم أن يفعل الناس لكم أفعلوه أنتم لهم" (متى 7: 12). وأما الثورة فهي شريعة المحبّة التي تحلّ محلّ القصاص (شريعة السن بالسن والعين بالعين)، والتي تصل إلى محبة الأعداء: "سمعتم أنه قيل العين والسن بالسن، أما أنا فأقول لكم لا تقاوموا الشرير… سمعتم أنه قيل أحبب قريبك وابغض عدوك. أما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم وصلوا من أجل مضطهديكم" (متى 5: 38 و 43-44).

 

العنف في العهد الجديد

42      جاء العهد الجدي بالوحي يوصيه المحبة، محبة كل انسان حتى العدو. ومع هذا الوحي لا يبقى محل للعنف. قال السيد المسيح: "طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض" (متى 5: 4).

          ولكن يبقى هناك محل للقانون وللقوة، قوة الروح. فالمؤمن "الوديع" هو المؤمن القوي بالمحبة، المحبة التي لا تترك حقاً ولا تخذل أخاً. والمحبة التي تلجأ إلى القوانين لتصحيح ما اعوجّ (راجع متى 18: 15-17). فملكوت الله هو ملكوت الأقوياء: "ملكوت السماوات يؤخذ بالجهاد والمجاهدون يختطفونه" (متى 11: 12).

          وفي سرّ الفداء تظهر قوة الوداعة والمحبة وفعاليتها. فيه يُقهر الموت إذْ يقوم يسوع ممجداً من بعد موته: "قضى على الموت وجعل الحياة والخلود مشرقين بالبشارة" (2 طيموتاوس 1: 10). وقهر العنف أيضاً، إذْ غفر يسوع لجلاديه، فحوّل العنف بقوة هذه المغفرة إلى فداء. وإذ تحمّل السيد المسيح الموت محبّة لأعدائه، فقد بيّن أن الشر هو في حدّ ذاته نوع من الكذب، وبهذا فمقابلته الشرّ الذي يفرضه عليه خصومه بالمحبة هو بمثابة دعوة اليهم للتحرّر من الكذب الذي فيهم والسير في سبل الحقيقة. كذلك جعل السيد المسيح م الصليب وهو مظهر من مظاهر العنف، اداة المصالحة بين الله والناس وبين الناس أنفسهم مع بعضهم البعض، وهي أقوى وأسمى درجات المصالحة.

 

قوة الحقيقة

43      قوة "الوديع" هي أيضاً كلمة الحق. وأنا لنرى أقوياء هذا العالم أنفسهم، حين يلجأون إلى العنف ويحاولون أن يبرروا عنفهم، يدّعون أن الحقيقة هي إلى جانبهم. ويظهر ذلك في دور وسائل الإعلام والسند الذي يريدونه منها.

          جاء في سفر الرؤيا في وصف المعركة بين قوى الخير وقوى الشر: "وقتل الباقون بالسيف الخارج من فم الفارس" (رؤيا 19: 21). فالسلاح الوحيد الذي يستخدمه السيد المسيح، ملك الملوك ورب الأرباب، وكلمة الله، هو سلاح الحق الخارج من فيه.

          ومن ثم فانا ننتقل في العهد الجديد من الجهاد بالأسلحة المادية وأسلحة الدمار إلى الجهاد الروحي. وسلاحنا هو "سلاح النور" (روما 13: 12)، أعني الأعمال الصالحة وكلمة الحق. وقال القديس بولس أيضاً في هذا المعنى: "كونوا أقوياء في الرب وفي قدرته العزيزة. تسلحوا بسلاح الله… فليس صراعنا مع اللحم والدم… فخذوا سلاح الله لتستطيعوا أن تقاوموا في يوم الشرّ وتظلوا قائمين وقد تغلبتم على كل شيء… فانهضوا إذن وشدّوا أوساطكم بالحق والبسوا درع البرّ… واتخذوا لكم سيف الروح أي كلمة الله" (أفسس 6: 1-14 و 17).

 

قضية الحروب الدينية

44      بالحرب الدينية يدعي المؤمن اللجوء إلى القوة أو العنف للدفاع عن حقوق الله. ويدعي أنه يعمل باسم الله وأنه باسم الله يَسمَحُ لنفسه بالتخريب والقتل. وغالباً تكون الديانة غطاء لأسباب أخرى للحروب، منها حضارية ومنها قومية. وهذه الظاهرة الواضحة في تاريخ الأديان وفي عقلية البعض حتى أيامنا هذه قريبة جداً من بعض مظاهر العنف في العهد القديم من الكتاب المقدس. فليس في الزمنة القديمة للتوراة فقط كانوا ينسبون العنف إلى الله ولكن اليوم أيضاً ما زالت العقلية نفسها قائمة.

          "الحرب الدينية" أو "الحرب المقدسة" لفظتان متناقضتان. لا يمكن أن تكون هناك حرب مقدسة، كما أكد ذلك قداسة البابا يوحنا بولس الثاني غداة حرب الخليج في خطابه الختامي لاجتماع بطاركة الشرق ورؤوساء أساقفة الغرب. لأن الديانة يجب أن تُرشد الإنسان إلى محبة الله ومن ثم إلى محبة أبناء الله أعني الناس. "إذا قال أحد أني أحبّ الله وهو يبغض أخاه كان كاذباً. لأن الذي لا يحب أخاه وهو يراه لا يستطيع أن يحب الله وهو لا يراه" (1 يوحنا 4: 20).

          ومن ثم فإن المناداة بحرب مقدسة هي مناقضة لجوهر الدين. وهو سوء فهم من قِبَل المؤمن لدينه. وهو الانحدار بالله إلى مستوى مقاتلاتنا وكراهياتنا الآثمة.

 

عقلية العنف اليوم

45      ونستغرب نحن اليوم هذه القسوة المستخدمة باسم الله في صفحات العهد القديم، في سبيل الدفاع عن قداسة الله وفي سبيل اقرار العدل بين الناس. ونجد أنفسنا قادرين على التعبير عن الحقائق نفسها بطرق أخرى. فنحن اليوم نكتب ونفسِّر ونعِظ بالتي هي أحسن. ولسنا بحاجة إلى إعلان حرب الإبادة على كل مَن لا يؤمن بالله لنثبت لأنفسنا أو لغيرنا قداسته تعالى وواجب التقيد بشريعته.

          ومع ذاك، فإذا ما صارحنا أنفسنا، وجدنا لدى الكثيرين منا حتى اليوم في القرن العشرين، عقلية العنف التي نستنكرها في أسفار العهد القديم. فحتى اليوم نحن نجد العقلية القائلة بوجوب فرض العقاب الجسماني على المخالفات الدينية والروحية لشريعة الله. وما زالت لدى الكثيرين منا عقلية الحروب الدينية. وما زال العديدون يلجأون إلى العنف أو إلى وسائل أشد مكراً للغلبة أو للاقناع في المجال الديني او في أي مجال آخر.

 

وفي الصراع الذي عانينا منه حتى اليوم

46      واليوم في الصراع الذي يسير الآن نحو حسن الختام، إن شاء الله، يبدو للبعض أن العنف نفسه يتكرر باسم التوراة. إذ يريد البعض في الواقع أن يبرروا صراعهم بالكتاب المقدس.

          وللجميع نقول: إنَّ المغفرة وتبديل القلوب من الداخل هما الشيئان اللازمان لنا في هذه الأيام في بلادنا. المغفرة هي طريق الخلاص للجميع. وإن الله يغفر لمن يغفر لأخيه. "أغفر لقريبك خطأه، فإذا تضرعت يمحو الله خطاياك" (يشوع بن سيراخ 28: 2). والمغفرة لا تضيّع الحقوق ولا تتنازل عنها. بل تنظم الحقوق جميعها فيما تنقّي النفس وتحوّل الآلام إلى مصدر فداء وتوّلد السلام في القلوب.

          وإن الله سبحانه لا يمكنه أن يظلم أحداً، أفراداً أو شعوباً، ولا يسعه أن يأمر بذلك. ولأن محبته لشعب لا يمكن أن تكون ظلماً لشبٍ آخر. ولهذا لا يحق لأحد اليوم أن يتذرّع بكلام الله العادل والصالح والمحب للبشر، بيبرر العنف الذي يلجأ اليه مهما كان الخير الذي يدّعيه أو المصلحة التي يُنشدها، سواء كانت دينية أم قومية.

 

ثالثاً: الاختيار والعهد والمواعد والأرض

 

بين الإيمان وواقع الحياة

47      قلنا أن الكتاب المقدس هو كلام الله وهو تاريخ مسيرة خلاص للجميع، من خلال تاريخ البشرية بأجمعها. فالقضية هي أولاً تاريخ خلاصنا جميعاً، أفراداً وجماعات وشعوباً. إذا أردنا أن نفهم وقائع الإيمان المذكورة في الكتاب المقدس وإذا أردنا أن نفهم كيفية تطبيقها على واقع حياتنا اليومية، يجب أن تبقى هذه الرؤية الدينية واضحة أمام عيوننا. لأنها هي الوسيلة الوحيدة التي تمكننا من الإجابة إجابة سليمة على الأسئلة المتصلة بالواقع الذي يعيشه اليوم الشعبان الفلسطيني واليهودي.

 

الاختيار

48      يقول الكتاب المقدس ان الله اختار له شعباً ليهيء الطريق أمام مجيء مخلص البشرية. جاء في سفر الخروج: "لذلك قلّ لنبيّ الله اسرائيل، أنا الرب… اتخذتكم لي شعباً وأكون لكم إلهاً" (خروج 7: 6-7). وجاء في سفر أعمال الرسل، في خطاب القديس بطرس الموجه إلى مستمعيه من اليهود: "فأنتم أبناء الأنبياء والعهد الذي عقده الله لابائكم إذْ قال لابراهيم: في نسلك تتبارك جميع عشائر الأرض" (أعمال 3: 25).

          ونجد المعنى نفسه أيضاً في سورة البقرة: "يا بني اسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم واني فضلتكم على العالمين" (البقرة 47). وفي سورة الدخان: "ولقد اخترتكم على عِلمٍ على العالمين" (الدخان 32).

          وكل فرد هو موضوع اختيار الله ومحبته. قال القديس بولس في الرسالة إلى لأهل أفسس: "إنه اختارنا قبل إنشاء العالم لنكون عنده قديسين بلا عيب في المحبة" (أفسس 1: 4).

          الاختيار هو عمل حرّ ومجاني من قبل الله سبحانه، به يدعو الأفراد أو الشعوب ليسير في شريعته، وليعرّف غيره أفراداً أو شعوباً، بشريعة الله المؤدية إلى الخلاص. وقد اختار الله الشعب اليهودي في الكتاب المقدس ليدعو البشرية إلى الإيمان بالله وبمسيحه الذي سيرسله مخلصاً للعالمين. وهذا المسيح هو لنا نحن المسيحيين كلمة الله الأزلية التي القاها في مريم العذراء، فحملت بقوة الروح القدس، وولدت يسوع المسيح المخلص الموعود به.

          الاختيار هو إذن من قبل الله عمل مجاني، وهو من قبل الشعب المختار مسؤولية أمام الله والناس. والمسؤولية أمام الله تعني طاعة الشعب لأوامر الله والأمانة لهوية التي أصبحت له بحكم هذا الاختيار، لأن خلاصه رهن هذه الطاعة والأمانة. والمسؤولية أمام الناس تعني الشهادة وتبليغ الرسالة إلى الآخرين.

          وكل مختار ومدعو إلى الخلاص، فرداً أم شعباً، يحمل المسؤولية نفسها أمام الله والناس. فبحكم الأمانة لذاته ولكي يكون هو أيضاً من المخلَّصين يجب أن يخضع لأوامر الله ويجب أن يبلغ الناس ما بلغه اياه الله وما أنعم به عليه من نعم.

 

لماذا يختار الله شعباً دون غيره؟

49      لماذا يختار الله شعباً دون غيره؟ ليس لفضل شعب على شعب، وليس لاستحقاق خاص في شعب معيّن: "إنه لا ببرك واستقامة قلبك أنت داخل لترث الأرض" (تثنية 9: 5). وإنما يتوقف الاختيار على عميق حكمة الله ومحبّته: "ما أبعد غور غنى الله وحكمته وعلمه" (روما 11: 33).

          ويمكن القول أن الله يختار شعباً دون غيره، كما يختار أفراداً دون غيرهم، ويخص كل واحد بما يخصه به من النعم، حتى يدمر آلية الحسد والغيرة بين الناس ويحرر منها الشعوب والأفراد. وقد وصف الكتاب المقدس بداية هذه الآلية في قصة قايين وهابيل، حيث قتل قايين أخاه هابيل لأن الله تقبل راضياً ذبيحة هابيل، فكان ذلك امتحاناً لمحبة قايين لله. ثم استمرت الآلية المدمّرة عبر المراحل المختلفة في التاريخ المقدس وعبر تاريخ الشعوب عامة في واقع الصراعات والحروب حتى اليوم.

          وفي العهد الجديد يذكر يسوع بالحقيقة نفسها، أعني ضرورة التحرر من آلية الحسد والغيرة. وذلك في مثل العَمَلة الذين عمل بعضهم النهار كله وبعضهم جزءاً منه. وفي آخر النهار أعطى ربّ العمل كل واحد منهم أجراً واحداً متساوياً. فتذمر عليه مَن عمل النهار كله. "فأجاب ربّ العمل واحداً منهم: يا صديقي ما ظلمتك… أم عينك حسود لأني كريم" (متى 20: 13 و 15).

          وهذا يعني أن على الإنسان أن يرى الله في أخيه وأن يقبل اخاه، كيفما شاء الله لأخيه أن يكون. فاختيار الواحد أو تخصيصه بنعمة ما لا يعني إقصاء الآخر أو حرمانه من نعمة الله. فإن نِعَم الله جمّة ولكل إنسان نعمته. قال يسوع: "إن في بيت أبي منازل كثيرة" (يوحنا 14: 2).

          واختيار الله لفرد ما أو لشعب ما يجب ألا يولد العجرفة لدى من اختاره ولا الرفض لدى الآخر. بل في تواضع كلا الطرفين وفي رؤيتهما معا لعمل الله يتوصلان معاً إلى المحبة والعدل ومن ثم إلى المصالحة.

 

العهد والمواعيد والوعد بالأرض

50      العهد هو معاهدة بين الله والناس. ونحن نتكلم اليوم على عهد قديم وعهد جديد. فالعهد القديم سبق السيد المسيح، وهو ما تمّ الكلام عليه في القسم الأول من الكتاب المقدس. ويشمل العهود المختلفة بين الله والشعب اليهودي وبين الله وشعوب أو أشخاص آخرين. والعهد الجديد هو العهد الذي تمّ بدم السيد المسيح. وقد جاء مكمِّلاً للعهد القديم، وقدمه السيد المسيح لجميع الشعوب لقبوله والدخول فيه.

          وفي العهد القديم أعطى الله الشعب اليهودي الشريعة وأمره بالمحافظة عليها. وأساس العهد هو اختيار الله الحرّ. إلا أن تحقيقه متوقف على حرية الإنسان وتعاونه. والعهد القديم هو القاعدة اللازمة أبداً للعهد الجديد، وهو يبقى بهذه الصفة أعني بصفة القاعدة والأساس. والعهد باقٍ بكل أجزائه منذ البداية، العهد مع نوح وابراهيم وموسى وداوود، وحتى اكتماله في شخص يسوع المسيح ابن داوود ابن ابراهيم. لأن "غاية الشريعة هي المسيح لينال البرّ كل مؤمن" (روما 10: 4).

          المواعد جزء من العهد. وكانت المواعد الأولى ذات طابع زمني تتناول الأرض والمُلك الخ… وقد تطور مفهوم الأرض بحسب الخبرات المعيشية المختلفة التي مرّ بها الشعب المختار.

          ففي زمن ابراهيم يتصل مفهوم الأرض بنظام قبائل البدو الرحّل الذين كانوا يتملكون الأرض التي يصلون اليها في حلّهم وترحالهم (تكوين 13: 4-6). وكانت الأرض في هذه المرحلة تعتبر بمثابة هبة من الله ودليل بركة. "قال الرب لأبرام… إن كل الأرض التي تراها لك أعطيها ولنسلك إلى الأبد… وأنا أجعلك أمّة كبيرة وأباركك وأعظم اسمك وتكون بركة" (تكوين 13: 14 و 12: 20).

          وبعد الخروج من مصر أصبحت الأرض مع يشوع بن نون ومَن تلاه من الملوك موضوع فتح مسلّح. كذلك فهمها الشعب وكذلك قدمها الكتَّاب الملهمون. وقد أصبحت الأرض العلامة التي تدل على الأمانة لله وعلى مسؤولية صار من الواجب على اسرائيل أن يضطلع بها.

          ولهذا باتَ حقّ اسرائيل على الأرض وعلى بركتها متوقفاً على موقفه من الأرض وحكمه لها بالعدل وبحسب شريعة العهد (تثنية 12-16) وبالمحبة الصادقة والمخلصة لله (تثنية 6: 4-5 و 8: 11-20 و 11: 26-32 و 28).

          ولهذا أيضاً حذر الأنبياء أن مخالفة العهد بعبادة الأصنام (حزقيال 6: 1-7، 13 و 14: 1-11 و 16: 15-22) وبتوزيع غير عادل للأرض وثمارها (عاموص 2: 9 و 9: 7 وميخا 6: 4-5) سوف تكون سبباً في دمار الأرض وفقدانها. وسوف تؤدي إلى جلاء الشعب في أرض غريبة. وفي الواقع نسب الكتّاب الملهمون أيام الجلاء في بابل وأيام الغربة في مصر إلى عصيان الشعب للعهد: "ستدمر الأرض كلها" (ارميا 4: 27)، "ولا يسكنون في أرض الرب" (هوشع 9: 3).

          إلا أن الأنبياء لم يخذلوا الشعب في أيام الجلاء في بابل ولم يتركوه من غير أمل. "إن الله سوف يعزّي شعبه وسوف يرحم المبْتلين" (أشعيا 13). "وسوف يخلّص شعبه من بابل ويعيده إلى أرضه" (أشعيا 8).  ونرى الله يدخل في هذه الفترة دخولاً مباشراً في التاريخ، ليخلق له شعباً جديداً في الأرض، فيعطيه قلباً جديداً "يمكنه من فهم شريعته، ومن السلوك بحسب تعاليمه ووصاياه. وسوف يغفر الرب الخطايا وينساها" (ارميا 31: 31-34)، ثم "يأتي الفادي إلى صهيون وإلى الراجعين من المعصية من يعقوب" (اشعيا 59: 20). وسوف تعود الحضرة الإلهية إلى الهيكل بعد ترميمه وتملأ الأرض كلها (زكريا 8: 3 و 9)، وعندما يأتي المسيح الملك فسوف يخلص "الرب الإله في ذلك اليوم كغنم شعبه" (زكريا 9: 16).

 

أحكام الأرض في التوراة

51      للأرض في التورة حكم فريد. الأرض لله. "وأما الأرض فلا تُبع بتاتاً. لأنها لي الأرض وإنام أنتم نزلاء وضيوف عندي" (أحبار 25: 23 وراجع أيضاً هوشع 9: 3 وأخبار الأيام الأول 29: 15 ومزمور 39: 12). ولهذا فإنه لا يجوز لاسرائيل أن يستملك الأرض استملاكاً مطلقاً. بل هو ضيف في أرض الله. وأسوأ ما يمكن أن يحلّ به أن ينسى هذه الحقيقة، فيتجذّر في الأرض ويُحلها محل الله في عبادته وفي سلّم قيمه.

          وتبقى الأرض لمن استضافهم الله فيها، ما لم يصبحوا بأعمالهم غير مستحقين لها. ولهذا جاء في سِفر تثنية الاشتراع: "فإنه لأجل شرّ تلك الأمم طردها الرب الهك من أمامك" (تثنية 9: 5). وكذلك يجب أن يكون الشعب المختار هو أيضاً جديراً بها بمحافظته على شريعة الله. يجب أن يبقى أميناً للنعمة التي أعطاه اياها الله. وإذا ما استقرّ في الأرض فيجب أن يبقى جديراً بها للبقاء فيها، وإلا فإن الأرض "تلفظ ساكنيها" (احبار 18: 25).

          وبالإضافة إلى ذلك نجد في التوراة نظاماً خاصاً يحدد الملكية المطلقة. فكل خمسين عاماً يُنادى بسنة اليوبيل، وهي السنة التي يُعاد فيها توزيع الأرض ويُحرر فيها العبيد، وذلك للإقرار بأن الله هو سيد الجميع والمالك الحقيقي للأرض وأن وطنه في مكان آخر. "وقدّسوا سنة الخمسين ونادوا باعتاق في الأرض لجميع أهلها… في سنة اليوبيل هذه ترجعون كل واحد إلى ملكه" (احبار 25: 10 و 35).

 

العهد الجديد والمفهوم الجديد للأرض

52      مع كل عهد ومع كل مرحلة جديدة من تاريخ الشعب اليهودي كان المعنى الروحي والشمولي للعهد وللمواعد يتضح أكثر فأكثر، إلى أن جاء العهد الجديد مكملاً للعهد القديم وبالغاً به ذروته وكماله.

          إن بين الله والشعب المختار، وبين الله والانسانية بأسرها عهداً وحيداً، ولو جاء التعبير عنه في فترات مختلفة في الكتاب المقدس وبوسائل متعددة: "إن الله بعدما كلم اباءنا قديما مرات كثيرة بلسان الأنبياء كلاماً مختلف الوسائل، كلمنا في هذه الأيام وهي آخر الأيام بلسان الابن" (عبر 1: 1). فلا يجوز إذن أن يُفصل بين هذه المراحل ولا بين العهدين، الجديد والقديم، ليُقال أنهما مستقلان عن بعضهما البعض أو أنهما مختلفان أو متوازيان. بل يؤمن المسيحي أن "الشريعة اعطيت عن يد موسى"، وأن "النعمة والحق قد أتيا عن يد يسوع المسيح" (يوحنا 1: 17) مكملين للشريعة (متى 5: 17).

          فقد دشّن يسوع العهد الجديد الذي بشر به ارميا النبي، وهو عهد نهائي وأبدي راجع أشعيا 55: 3 و 61: 8 وارميا 32: 40 وحزقيال 16: 6 وباروك 2: 35). وهو العهد الذي وصفه حزقيال بهذا الكلام: "واعطيهم قلباً آخر وأجعل فيهم روحاً جديداً وأنزع من لحمهم قلب الحجر وأعطيهم قلباً من لحم لكي يسيروا على فرائضي ويحفظوا أحكامي" (حزقيال 11: 19-20 وراجع أيضاً 18: 31 و 36: 26).

          والسيد المسيح هو مختار الله بصفة فريدة، وبه وفيه يتسع الاختيار القديم ليشمل جميع الذين يقبلونه مخلّصاً قائماً من بين الأموات، من اليهود ومن غير اليهود. فبه هدم الحاجز بين الشعب المختار وسائر الشعوب إذ أعطيت نعمة الفداء لجميع: "فإنه سلامنا فقد جعل من الجماعتين جماعة واحدة، وهدم في جسده الحاجز الذي يفصل بينهما، أي العداوة… ليخق في شخصه من هاتين الجماعتين، بعدما أوقع السلام بينهما، إنساناً جديداً واحداً" (أفسس 2: 14- 15).

          ولما جاء السيد المسيح كان الناس ما زالوا ينتظرون مسيحاً زمنياً يُعيد المُلك لاسرائيل: "يا رب، في هذا الزمن تعيد المُلك لإسرائيل؟" (أعمال 1: 6 وراجع لوقا 24: 21).

          إلا أن السيد المسيح نادى بملكوت الله الحاضر في كل واحد وهو ملكوت روحي، ملكوت حق وقداسة. قال يسوع لبيلاطس الوالي الروماني: "إن مملكتي ليست من هذا العالم… إنما جئت لأشهد للحق" (يو 18: 36-37).

          وأما الأرض فبما أنهم مُلك لله فإن الأبرار يرثون الأرض ويسكنونها للأبد" (مز 37: 29). وقال السيد المسيح أيضاً: "طوبى للودعاء فإنهم يرثون الأرض" (متى 5: 4). وان سيطرة الودعاء على الأرض، بعيداً عن كل عنف، تكتمل بصورة أورشليم السماوية (رؤيا 3: 12 و 21: 2). وبذلك تصبح اورشليم الأرضية الصورة والرمز لأرض الميعاد التي هي وطننا السماوي عند الله: "أما أورشليم العليا فحرة وهي أمنا" (غلاطية 4: 25-26). وهي "السموات الجديدة والأرض الجديدة" (أشعيا 65: 17 و 66: 22 وراجع 2 بطرس 3: 13 ورؤيا 21: 1). وليست أورشليم بعد أرضاً أو تراثاً أرضياً وحسب، بل هي أيضاً وبصورة خاصة تراث روحي للإنسانية الساعية إلى الخلاص.

          كانت الأرض في العهد القديم مَقدِساً لله، وكان الهدف من استملاكها هو تمكين المؤمنين من أداء العبادة لله في هيكله. ولما جاء السيد المسيح مكملاً للعهد، فإنه أعلن قائلاً: "تأتي ساعة وقد حضرت الآن، فيها العباد الصادقون يعبدون الآب بالروح والحق… إن الله روح فعلى العباد أن يعبدوه بالروح والحق" (يوحنا 4: 21 و 23-24)، سواء ذلك في القدس أم في جبل جرزيم أم في أي مكان في العالم.

          فقد تطور إذن مفهوم الأرض في مختلف مراحل الوحي، ابتداء بالمعنى المادي والجغرافي والسياسي وانتهاء بالمعنى الروحي والرمزي، ولم تعد عبادة الله مقيّدة بأرض بعينها. ليس هناك أرض محددة للعبادة وليست الأرض القيمة الأولى والمطلقة. وإنما الأول هو الله سبحانه وتعالى وعبادته.

 

أما السؤال المطروح

53      والسؤال الأساسي الذي يطرحه الفلسطيني المسيحي وكل مؤمن بالكتاب المقدس هو التالي: هل يُعطي الكتاب المقدس اليوم، وهو كلام الله، الحق للشعب اليهودي ليتملك الأرض وليُخرِج منها الشعب الفلسطيني؟

          إن اليهودي المؤمن وكذلك الشعب اليهودي والدولة أيضاً يجد نفسه أمام الموقف التالي: إن هذه الأرض هي أرض مقدسة له. وقد وعد بها الله لابراهيم ونسله. وفي هذه الأرض يجد اليوم أمنه في وجه الشعوب التي اضطهدته في شتاته. وفي نظره، الله والدولة والأرض يشكلون مثلث أمنه وأمانه.

          ولكن من جهى أخرى، هذه الأرض نفسها هي منذ قرون مُلك لشعب آخر هو العشب الفلسطيني. ومنذ زمن التوراة أيضاً بقيت هذه الأرض أرض شعب آخر عاش فيها جنباً إلى جنب مع الشعب اليهودي.

          وهي بالإضافة إلى ذلك مهد المسيحية وموقع أحداثها الأساسية، فهي بالنسبة اليها الأرض المقدسة الأولى. وهي للإسلام أيضاً أرض مقدسة. إنها إذن أرض مقدسة لجميع المؤمنين من اليهود والمسيحيين والمسلمين. والأسباب التي تدعو إلى تقديس الأرض متعددة بتعدد الديانات. إلا أن هناك سبباً واحداً يجمع بينها، ولو فسرته كل ديانة تفسيراً خاصاً بها بحسب تقاليدها، وهو الانتساب إلى ابراهيم، الجدّ المشترك لجميع المؤمنين، لإيمانهم بالله والواحد الأحد.

          فهناك إذن شعبان لهما حقوق سياسية في الأرض. وللديانات الثلاث تاريخها الديني في الأرض نفسها، وكلها من "نسل" ابراهيم من حيث النسب المادي أو الروحي، وقد وعد الله الارض لابراهيم ونسله. فلمن تكون الأرض إذن؟

 

بين الواقع السياسي وبين الواقع الديني

54      إذا ما ادعت إحدى الديانات الثلاث حقاً لها سياسياً على الأرض باسم الدين نفسه، حق للديانتين الأخريين أن تدعيا الادعاء نفسه وللسبب نفسه.

          باسم الدين يحق للديانات الثلاث حقاً متساوياً العيش في هذه الأرض أو التوجه اليها لأداء واجب العبادة فيها. وأما الحق السياسي فيها لأي دين من الأديان الثلاثة أو لأي مؤمن من مؤمنيها، فهو متوقف على العمل السياسي الذي تقوم به السلطات السياسية المعنية. وهذا العمل يحكمه القانون الدولي. وإذا ما تدخل الاعتبار الديني في العمل السياسي، - ويجب أن يتدخل، لأن للعمل السياسي بُعداً أخلاقياً هو من شأن الدين والإيمان بالله وبحقوق الناس فلكي يذكر بضرورة تمشي العمل السياسي، من أي طرف كان، مع القيم الدينية التي تُنادي بها هذه الأرض المقدسة. وهو يقول أيضاً أن الجميع أبناء أب واحد هو ابراهيم، وهو يدعوهم جميعاً إلى المصالحة المؤسسة على العدل الذي يفرضه الإيمان بهذا الجدّ المشترك.

          نسب العمل السياسي في بعض مراحل الكتاب القمدس نسبة مباشرة إلى الله. فقيل أن الله سبحانه هو إله الجيوش وهو الذي يحارب مع المؤمنين ليهزم الفار. كان المؤمنون في تلك الأزمنة الغابرة، ينظرون إلى الله الحاضر في تاريخهم من خلال نظرة قومية ومشبّهة لله بالإنسان. وأما اليوم فقد أصبحت البشرية أكثر أهلية لأن تُدرك سموّ الله، وأصبحت كلمة الإيمان قادرة على تنزيهه سبحانه وتعالى عن الخلافات بين الناس، لتنظر إليه كما هو، إلهاً اختار له شعباً، ولكنه في الوقت نفسه أب لجميع خلائقه البشرية، وليس هو بعد إله حرب يصادق شعباً ويقاتل شعباً آخر.

          إنْ كانت السلطة السياسية تريد أن تجعل من الله ومن كتابه المقدس مرجعاً لها فيما يختص بهبة الأرض، فهذا يعني أن يجب تهتدي في الصراع الجاري بالمبادئ الأخلاقية التي يتضمنها هذا الكلام المقدس، وهي المبادئ المستوحاة من عدل الله وصلاحه تجاه جميع الشعوب، وهو الذي لا يرضى بأن يُعبِّر عن حبه لشعب ما يظلم شعب آخر. وأنه ليصعب على كل مؤمن أن يوفق بين أعمال العنف التي تضطر اليها القوى السياسية والعسكرية أيا كانت وبين أوامر الله سبحانه المُعطاة على طور سيناء ومحبّته وعدله بين جميع الشعوب وفقاً لما يُنادي به أنبياء اسرائيل.

          ولهذا لا بدّ من التمييز بين الواقع الديني الذي يمثله الشعب اليهودي بكل ما يجرّ معه من واجبات وفرائض ومسؤوليات دينية، وبين الواقع السياسي وهو واقع دولة عصرية ذات سيادة، توصل هذا الشعب إلى تحقيقه. فالقيمة الأولى، في الأرض المقدسة ولجميع الديانات، هي عبادة الله ومحبّته: "أحبب الرب الهك بكل قلبك وبكل نفسك وبكل قوتك" (تثنية 6: 5) "أحبب قريبك كنفسك" (أحبار 19: 18)، بهاتين الوصيتين غير المنفصلتين "ترتبط الشريعة كلها والأنبياء" (متى 22: 40).

          فالواقع الساسي إذن يخضع من حيث القيمة الأخلاقية لاحكام الله المنزلة في الكتاب المقدس، وأما تسوية الخلافات بين الشعوب، ومنها الحق على الرض، فمردها إلى القوانين الدولية. ويبقى دور للديانة، ولكل ديانى، وهو دور المنظم والمُرشد من حيث القيمة الأدبية والإنسانية لكل عمل سياسي.

 

تاريخ الكتاب المقدس والتاريخ المعاصر

55      يعتبر الشعب اليهودي المتديّن اليوم الكتاب القمدس مرجعاً له. والكتاب نفسه هو لنا أيضاً نحن المسيحيين كلام الله. وانا لنحترم هذه العلاقة التي يرتبط الشعب اليهودي المؤمن بموجبها بالديانة التي أوحى بها الله اليه. إلا انا لا نؤمن أن هذه العلاقة الدينية تتضمن في حدّ ذاتها حقاً سياسياً.

          والتاريخ المعاصر للشعب اليهودي هو بالنسبة الى اليهودي المؤمن تاريخ ديني ومرتبط بتاريخه الماضي في الكتاب المقدس. وأما اليهودي العلماني فلا يرى فيه هذا البعد الديني.

          وفي نظرنا نحن المسيحيين أن الله حاضر في تاريخ الشعوب وفي كل فترة منها. والله حاضر في تاريخ الشعب اليهودي اليوم، كما وفي تاريخ الشعب الفلسطيني، بسره وبعنايته، حضوره في تاريخ سائر شعوب الأرض. وأما حضورة تعالى في تاريخ العهد القديم فإنه حضور خاص يميّزه عن تاريخنا المعاصر وعن كل تاريخ، إذ أراد الله سبحانه أن يجعل من ذلك التاريخ المقدس في العهد القديم أداة للوحي وتاريخ خلاص للبشرية بأجمعها. وهذا هو الفرق بين تاريخ اسرائيل في الكتاب المقدس في العهد القديم وبين تاريخه اليوم.

 

خاتمة

 

تحرير التوراة من كل استغلال سياسي

56      الكتاب المقدس هو كلام الله. وإن كان بعض السياسيين أو كان الأصوليون قد أساؤوا استخدامه بتخذوه سلاحاً في المعركة، فهذا لا يعني أن كلام الله لم يعد كلام الله. فإن الكتاب المقدس يستمد كرامته وحقيقته من سلطة الله نفسه وليس من الناس الذين يستخدمونه أو يسيئون استخدامه، أصدقاء كانوا أم أعداء.

          نقول هذا للجميع، ولا سيما لهؤلاء الذين أخذوا يقولون، وقد استاؤوا من سوء استخدام الكتاب المقدس في الصراع الحالي، أن الكتاب المقدس ولا سيما العهد القديم ليس سوى تاريخ جمعه أجداد الشعب اليهودي. وأن هذا الكتاب لا شأن له مع الكتب المُنزلة.

          أولاً هذا رفض للإعتراف بجزء من الوحي ومن ثم كفر بكلمة الله.

          وثانياً هذا يعني أنا وقعنا في الخطأ الذي ننسبه إلى الطرف الآخر، الا وهو اعتبار الكتاب المقدس كتاب تاريخ وحضارة لصالح شعب وعوناً له على غيره من الشعوب. ونكون بذلك قد ضربنا عرض الحائط بالشهادات الصريحة التي وردت في العهد الجديد وفي أقوال السيد المسيح والرسل وفي تعاليم الكنيسة والتقليد، لنقبل بالفكرة المغلوطة التي يفرضها علينا من أساءَ استخدام الكتاب.

          وهذا الرفض لكلمة الله يعني أنا جعلنا من انفسنا شركاء في الخطأ نفسه وضحية لم نشكوهم. وبعد أن جُرِّدنا من الأرض والحرية، فانا نترك انفسنا نُجرَّد من كتابنا المقدس أيضاً، ومن النور المنبعث منه والذي يمكننا من الخروج من ظلمتنا ومن التغلب على الصعاب.

 

شهادة الديانات الثلاث

57      إن الديانات الثلاث الموحدة، اليهودية والمسيحية والاسلام، تتفق في القول أن التوراة هي كتاب مقدس، وأن انفردت كل واحدة منها في طريقة تفسيرها وفهمها للكتاب.

          فالموقف السليم اذن أمام سوء التصرف، هو الذود عن كلام الله وليس خذلانه. إن كلام الله يجب أن يكون فوق كل صراع بشري. ولا يجوز أن يغذى صراعاً بين الشعوب أو الأفراد. بل يجب أن نرى فيه عكس ذلك رسالة خلاص، حتى في وضع الصراع الذي نريد أن نعالجه اليوم معاً، فنجد فيه الإله الواحد الأحد يأمر جميع المؤمنين، على اختلاف دياناتهم، بالعدل وبالمحبة والمغفرة والمصالحة.

          قبول التوراة والايمان بها لا يعني أن الله هو الخصم مع الخصم المقابل. بل الايمان بها هو دعوة لكلا الطرفين اللذين يؤمنان بها لكي يريا الله يدعوهما إلى التعامل بالعدل وإلى المصالحة. التوراة في الظرف الحاضر هي كلمة الله، كلمة عدل ومغفرة، موجهة إلى الشعبين الفلسطيني واليهودي.

          إن القصد من الكتاب المقدس هو توصل المرء إلى السيطرة على نفسه، ولم تكن السيطرة على الغير في يوم من الأيام هي الهدف من الكتاب المقدس. ولهذا فإن السعي إلى السيطرة على الغير باسم الله يعني حكم المرء على نفسه بالهلاك. وأن جميع ممالك الأرض التي مرت بتجربة السيطرة على الغير، عرفت أيضاً العاقبة الوخيمة التي أدت اليها هذه السيطرة.

 

الشجاعة لقبول الإيمان

58      يجب أن يتحلى المؤمن بالشجاعة الكافية ليفهم كلمة الله وليكون أميناً، مهما كانت الملابسات السياسية والبشرية. لقد آن الأوان للدخول في أعماق الحقيقة الدينية لنحررها من الاطر الاجتماعية التي تخنقها. الدبن إذا تحرر يمكن أن يكون قوة تحرير، أما إذا أُخضع لمواقف اجتماعية أو سياسية، فإنه يفقد كل قوة محررِّة فيه ويتحول إلى قوة قتال ومخاصمة. الدين يجب أن يساعد على تصحيح النفس وتحريرها، حتى يتمكن المؤمن من الحوار مع غيره، ومن المشاركة في عمل واحد في سبيل المصالحة والبناء.

          يجب على المسيحي أن يقبل نفسه وأن يقبل ايمانه كاملاً. ولا يجوز أن نتخلى عن أي جزء من تقليد المسيحي العميق والمتين. وهو قوّتنا ومرجعنا الثابت في الظروف العصيبة التي تقلقنا. أين نذهب لنستمد النور والقوة؟ أنذهب إلى غير الله وهو سبحانه حاضر بيننا بكلمته الحية والمحيية؟

          كل جماعة مدنية أو دينية تعود في أصعب فترات تاريخها إلى داخل ذاتها وإلى أعماق هويتها وإلى جذورها وأهدافها. هذا ما هو حاصل الآن مع جماعتنا المؤمنة. فانا نتوجه إلى كتاب الله، لنفهم أنفسنا فهماً عميقاً، ولنفهم ظروفنا ونستوضح طريقنا.

 

يجب أن نقرأ الكتاب المقدس ونتأمل فيه

59      الكتاب المقدس جزء لا يتجزأ من ايماننا ومن تراثنا الديني والحضاري. إن آباء الكنيسة والكتاب الشرقيين من اليونان واللاتين والعرب، مثل القديس ايرونيموس وكيرلس الاورشليمي ويوحنا الدمشقي وصفرونيوس وابراهيم الطبراني وسليمان الغزّي، وكثيرون غيرهم، جعلوا للكتاب المقدس في حياتهم مكانة رئيسة. وفي الواقع فإن حاجتنا إلى الكتاب المقدس هي مثل حاجتنا إلى استنشاق الهواء، على حدّ قول القديس اثناسيوس.

          ونعبِّر عن محبتنا للكتاب بقراءته وبالتأمل فيه بروية وبمثابرة وانتظام. هذه "القراءة الإلهية" (أعني قراءة كلام الله) هي التي غذّت قداسة القديسين وأنارت بحوث اللاهوتيين وقوّت الكنيسة طوال العصور. وهي التي حافظت على ايمان الكثيرين من جماعاتنا المسيحية التي غالباً ما عاشت في عزلة ومن غير رعاة يرعونها.

 

قراءة فردية وجماعية

60      قراءتنا للكتاب المقدس، يمكن أن تكون فردية أو جماعية، وذلك في الاحتفالات الافخارستية وفي خدمة الأسرار أو في الاحتفالات بكلمة الله، أو في دروس التعليم المسيحي وفي مراكز التعليم الديني وفي مجموعات الصلاة وفي الحركات الرسولية المختلفة. ومن الضروري أيضاً أن يكون لكل أسرة كتابها لتقرأه وتتأمل فيه فيكون المرجع لها في جميع لحظات حياتها العائلية.

          إنّ القراءة الجماعية ومع الكنيسة للكتاب هي ذات أهمية حيوية لانعاش جماعاتنا المؤمنة. فهي قاعدة وركن من أركان كنيستنا المحلية. لأن كلمة الله نشأت في الجماعة وسُلمت إلى الجماعة. فهي التي تبين لنا معنى الجماعة الحقيقي، وهي التي تجعل الله حاضراً في كنيسته.

 

يجب أن ندرس الكتاب المقدس ونفهمه

61      الكتاب المقدس كتاب فريد. ولهذا لكي نستطيع أن نفهمه وأن نفهم رسالته الفريدة، يجب أن ندرسه دراسة ملائمة.

          الكتاب المقدس هو كلام الهي وانساني أوحى به الله إلى جماعة من الناس. ورسالته رسالة الهية روحية وأبدية. أما الاطار اللغوي والحضاري والتاريخي والجغرافي الذي تصل إلينا الرسالة من خلاله فهو اطار بشري. يجب ألا نطلب من الكتاب ما ليس فيه. بل يجب أن نبحث فيه عما يميّزه أعني عن رسالة الحياة الإلهية وعن الخلاص المقدم فيه لكل انسان.

          ويجب أن تتم دراسة الكتاب وفهمه باتحاد وثيق مع الكنيسة التي تستند في تعليمها إلى التقليد وإلى الدراسات العلمية، فنتمكن من فهم الحقائق المنزلة فهماً شاملاً جامعاً لمراحل الوحي كلها، وعلى ضوء المسيح الذي هو هدف جميع الكتب المقدسة.

          ونريد هنا أن نؤكد مرة أخرى على وحدة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، وأن كليهما ملهم ومن وحي الله. فابلرغم من تعدد الأنواع الكتابية فيه، وبالرغم من تعدد الكتّاب الملهمين، إن الكتاب المقدس كله وحي واحد وكتاب واحد، ومؤلفه هو الله، وهدفه الخير هو المسيح. والماس بوحدة الكتاب المقدس هو المساس بشخصية السيد المسيح وبرسالته.

 

معاهد الكتاب المقدس في الأبرشية

62      وفي هذا الصدد نرى بسرور وارتياح عدد المعاهد التي تكرس جهودها في هذا البلد ضمن كنيسة القدس وفي ابرشيتنا لدراسة الكتاب المقدس. فرسالتها رسالة رفيعة ومسؤوليتها جسيمة أمام الكنيسة المحلية والكنيسة الجامعة. نحن نشكر للعاملين فيها جهودهم الصابرة وكفاءتهم التي تساعدنا على فهم الكتاب المقدس فهماً أفضل. وانا نطلب منهم المثابرة في هذه المهمة، في روح تعاون بين المعاهد نفسها ومع الكنيسة المحلية. وندعو المؤمنين إلى أن يتنبّهوا لوجود هذه المعاهد وأن يستفيدوا من مَعين العلم هذا القريب منهم. لأن كل هذه المعاهد الكتابية تستطيع أن تسهم في فهم القضايا الحيوية التي تهمنا وتهم الكنيسة الجامعة.

 

أن الله تكلم في أرضنا

63      إن الله تكلم في أرضنا، ومن أرضنا انطلقت الكلمة إلى أنحااء المعمورة. قال أشعيا النبي: "من صهيون تخرج الشريعة ومن أورشليم كلمة الرب" (أشعيا 2: 3).

          القدس كانت وما زالت الكنيسة الأم. فيها ولدت أول جماعة مسيحية. والقدس رمز للأرض نفسها. وقد دعيت بالمدينة المقدسة (متى 4: 5 و 27: 53)، ليس فقط لأن بعض أماكنها كانت مسرحاً للروايات الواردة في الكتاب المقدس، ولأنها توحي بالايمان، ولكن المدينة والأرض شهدتا اقتراب الله من الإنسان، في وسط الطبيعة الخاطئة، فهما تدعوان إلى الحوار مع الوحي أعني الاصغاء إلى حديث الله معنا. القدس ثمرة الاختيار الالهي الحرّ ونعمة من نِعَم الله (مزمور 78: 68 و 87: 1). هي رمز لقدرة الله الخلاصية: "أورشليم تحيط بها الجبال والرب يُحيط بشعبه" (مز 125: 1).

          هذه المدينة المقدسة هي مدينتنا، وهذه الأرض المقدسة هي أرضنا. هذا المكان هو مكان سكنانا. فيه نعيش وفيه ندفن موتانا. واليوم نتألم لمحض وجودنا وبقائنا فيه. هنا في أرض الكتاب المقدس، نحن نصنع تاريخنا إذ يدعونا الله لنأخذ مصيرنا بيدنا وبقلبنا وبعقلنا، لننهل من آبار خبرتنا الدينية الفريدة، فيما تغذينا كلمة الله التي تدعونا لأن نكون في القدس وفي الأرض كلها شهوداً حقيقيين للواحد الأحد، هو "الأمين والشاهد الحق" (رؤيا 3: 14).

 

نعمة وتحدٍ

64      قراءة الكتاب المقدس اليوم في أرض الكتاب المقدس هي نعمة وتحدٍ. هي نعمة لأنا نسير كل يوم مع السيد المسيح على الطرق نفسها، التي سار عليها مع تلاميذه، رفيقا لنا وصديقاً.

          وهو تحدٍ لأنا نعيش اليوم، في أرض الصراع هذه نفسها، معاناة هي موضوع حديثنا مع الرب. وهو إذْ يسير معنا على طريق حجّتنا اليه، فإنه يحدثنا ويضرم قلبنا في داخلنا (لوقا 24: 32) "ويفتح قلوبنا لنفهم الكتب" ولنتبيّن إرادة الله في فهم تاريخنا.

          وانا نعترف أن حديثنا في "قراءة الكتاب المقدس في أرض الكتاب المقدس"، وفي القضايا التي تثيرها هذه القراءة، حديث يحتاج إلى متابعة في التفكير والحوار. ولهذا فإنا نأمل كما قلنا في مقدمة هذه الرسالة أن يشاركنا أخوة لنا في هذه القراءة وهذا الحوار، ليكون كلام الله مقرِّباً للمؤمنين بعضهم من بعض، ومصدر نعمة لهم يمكّنهم من الاسهام في بناء هذا العالم ومن تقديسه.

 

          نسأل الله أن يمدنا بنعمته لكي نفهم كلمته، فتكون "نوراً لسبيلنا وهدى لخطانا". ونسأله، بشفاعة سيدتنا مريم العذراء، ملكة السلام، أن يؤهلنا جميعاً، بقوة الكتاب المقدس وبهداه،للإسهام في المسيرة الجديدة التي بدأت في أرضنا نحو السلام والعدل والمصالحة.

 

وليشملنا الإله القدير جميعاً ببركته الإلهية.  آمين.

V         البطريرك ميشيل صباح

القدس 1 تشرين الثاني 1993

Home Page