stemma logo

Patriarch Emeritus

Pastoral Letters
History of Lpj

 

Archives

 

 

في بهاء السلام

رسالة راعوية لصاحب الغبطة

المنسنيور ميشيل صبّاح

البطريرك اللاتيني الأورشليمي

 

قراءة الكتاب المقدس اليوم في أرض الكتاب المقدس

 

القدس – تشرين الثاني  1993

المقدمة

إلى الكهنة والرهبان والراهبات

وإلى جميع المؤمنين الأعزاء

 

أيها الأخوة والأخوات ،

 

1        "عليكم النعمة والرحمة والسلام من لدن الله الآب والمسيح يسوع ربنا" (2 طيموتاوس 1: 2).

          لقد ولد في هذه الأيام أمل جديد في تاريخ بلادنا، ولاحت افاق جديدة أمام السلام والمصالحة بين شعبينا اليهودي والفلسطيني، ومع العالم العربي كله. ولسوف يستمر البحث عن العدل، ولكنه سوف يتم من الآن فصاعداً بالتعاون بين الجميع، لا بالصدامات والمواجهات. وإذْ نحمد الله على هذه النعمة، فإنا ندعوكم إلى الإسهام، بصلاتكم وبحضوركم وبعملكم، في كل مبادرة من شأنها أن تعزز هذا السلام وهذه المصالحة، على أساس العدل والأمن للجميع.

          وتأتي هذه المرحلة الجديدة في تاريخ بلادنا بعد حوادث أليمة عشناها جميعاً، وما زال بعضنا يُعاني منها. والشكوك والمخاوف لم تتبدّد بعد، وكذلك المعاناة الإنسانية الناجمة عن الصراع الطويل بين الشعبين. إلا أن الماضي يجب ألا يلتهم الحاضر والمستقبل فيحول دون حركتهما. فلا بدّ من الصراع الآن في سبيل تدعيم السلام والعدل. وفي كل حال، لا بدّ من أن يبقى المسيحي باستمرار في حالة جهاد روحي، إذا ما أراد أن يكون أميناً لإيمانه وكنيسته ومجتمعه.

 

موضوع الرسالة: الكتاب المقدس

2        وإنا لنوجّه إليكم هذه الرسالة لنؤيّد بها أمانتكم هذه ونقوّيها. وموضوع الرسالة هو الكتاب المقدس كيف نقرأه وكيف نفهمه، وكيف نجعله موضوع تأملاتنا وصلواتنا. جاء في الرسالة إلى العبرانيين: "إنّ كلام الله حيّ ناجح" (عبر 4: 12). فيجب أن يكون غذاء لروحنا ونوراً لنا وهادياً، في كل عمل نقوم به في الظروف الراهنة وفي حياتنا اليومية في الأرض المقدسة.

          لقد انتاب الخوف الكثيرين منكم، في الماضي القريب إذْ كان الصراع بعد مُحتدماً، ولقد ساورتهم الشكوك إزاء الكتاب المقدس، لما له من صلة مباشرة مع الوضع الصعب الذي عِشناه، ومع مرحلة السلام الجديدة التي علينا أن نبنيها معاً.

          وإنا، لنجد سندنا وقوتنا، إزاء هذه الشكوك والمخاوف، في إيماننا وفي الكتاب المقدس نفسه، طبقاً لما جاء في الرسالة الثانية إلى طيموتاوس: "إن كل ما كُتب (في الكتاب المقدس) هو من وحي الله، يفيد في التعليم والتفنيد والتقويم والتأديب في البرّ، ليكون رجل الله كاملاً معداً لكل عمل صالح" (3: 6-7).

          وإن الاسهام في بناء السلام العدل في بلاد الكتاب المقدس هو طبعاً "عمل صالح". وكذلك بناء مجتمع في هذه البلاد تسوده الأخوة، مؤسَّس على الكرامة وعلى الاعتراف المتبادل بالمسؤوليات والحقوق لكل فرد وجماعة وشعب. وإن كلام الله لهو لنا في هذا المسعى أفضل دليل، حتى في وسط الشكوك والمعارضات. ولهذا فإنا مدعوون إلى قراءته ودرساته والعيش بموجب روحه وأحكامه.

 

التواضع أمام كلام الله

3        فهم الكتاب المقدس ليس بالأمر السهل. بل يتطلب منا جهداً خاصاً كما ويتطلب نعمة خاصة من الله. ولهذا إذا ما أردنا أن نفهمه وأن نفهم كلام الله فيه، يجب أن نعرف أولاً كيف تكون قراءته. ولا يدعين أحد أنه قادر على فهمه بمحض قدراته الخاصة. وإنما يقرأ الكتاب ويفهم إذا ما قرئ مع الجماعة ومع الكنيسة قراءة تعتمد على نور الروح القدس وقوّته.

          أمام كلام الله يجب أن نتواضع. ويجب أن نعترف أن هذا الكلام ليس كلامنا. يجب أن نعترف اننا غالباً ما لا ندرك ما يريد الله أن يبيّن لنا من خلال كلامه لنا. ولهذا لا يجوز لنا أن ننصب من أنفسنا قضاة على كلام الله سبحانه فنحكم عليه بحسب رؤيتنا للأمور أو بحسب تأثرنا بالماضي القرب الذي لم ينقض بعد حيث كنا طرفاً في خصومة، أو حتى بحسب تأثرنا بموقف الخصم نفسه من كلام الله. لا يحق لنا أن نخضع كلام الله لمقتضيات مواقفنا وصراعاتنا البشرية.

          ولهذا فإن قراءة الكتاب المقدس مهمة صعبة وحساسة ذلك أن القضايا التي نواجهها خلال هذه القراءة هي قضايا تتصل بحياتنا اليومية. بل لها صلة بالهوية القومية والشخصية للمؤمنبن. ولهذا فقد يكون تفسير الكتاب المقدس إذا ما فُسِّر تفسيراً منحازاً وغير متكامل تهديداً لوجودهم ولبقائهم في أرضهم ووطنهم.

 

لمن نوجّه هذه الرسالة؟

4        هناك قضايا كثيرة تقتضي الدراسة. ونريد أن نعالجها بصفتنا راعياً ومسؤولاً فنوجه كلامنا إلى أبنائنا وإلى جميع المسيحيين الذين يعيشون في حدود أبرشيتنا البطريركية في اسرائيل وفلسطين المحتلة والاردن وقبرص. ولجميعهم تقريباً صلة مباشرة بالصراع الماضي (والذي كان موضوع رسالتنا الراعوية في عيد العنصرة عام 1990) وبالمصالحة التي بدأت وبالقضايا التي تثيرها. فأكثرهم فلسطينيون واردنيون ولغتهم وحضارتهم اللغة والحضارة العربية. ومن ابنائنا ايضاً جماعة صغيرة في ابرشيتنا ناطقة باللغة العبرية قسم منها من الشعب اليهودي وقسم يعيش في وسط الشعب اليهودي.

          وقد حاولنا أن نصغي، خلال تأملنا في هذه القضايا إلى وجهات النظر المختلفة. لأن تبادل وجهات النظر والأفكار، بالإضافة إلى الصلاة والتأمل، وسيلة لا بدّ منها، لكي يعرف المؤمنون بعضهم بعضاً معرفة تجعلهم قادرين على أن يكونوا معاً دعاة سلام.

 

شهادة مشتركة وحوار مع الجميع

5        وإنا لنشارك، في إطار مجلس الكنائس للشرق الأوسط مع جميع الكنائس في هذه المنطقة، في مسيرة واحدة نحو الوحدة التامة والشهادة المشتركة. فنأمل أن يكون تفكيرنا هذا اسهاماً متواضعاً في هذه المسيرة. لأنا نؤمن أن كنيسة القدس والأرض المقدسة تستطيع من خلال خبرتها وتفكيرها أن تُسهم اسهاماً فريداً في هذه المسيرة مع جميع كنائس المنطقة ومع الكنيسة الجامعة. ولهذا تكون كنيسة القدس سعيدة إذا ما سُمع صوتها وإذا ما سَمعتت ردود الفعل على ما ترى وتقدم.

          وبالإضافة إلى الجماعة المسيحية، فإنا نأمل أن تصل رسالتنا أيضاً إلى إخواننا المسلمين واليهود إسهاماً منا في التعايش والسلام، في الاحترام الكامل لكل عقيدة. فإنا مستعدون وقابلون لكل حوار، لأن الطريق أمامنا ما زال شاقاً وطويلاً.

 

رسالة راعوية

6        إنَّ هذه الرسالة هي قبل كل شيء ذات طابع راعوي. ولهذا فلن نتمكن من أن نسهب في كل مرحلة من مراحل تفكيرنا فر عرض جميع الدراسات والمواقف اللاهوتية التي أخذت بعين الاعتبار والتي كانت القاعدة والمصدر لأقوالنا في هذه الرسالة وقد صدرت هذه الرسالة بعد تفكير طويل ضمن مجموعة من الكهنة واللاهوتيين في كنيسة القدس، وكلهم شهود لمعاناة الجماعات المختلفة ولتوقعاتها وآمالها. وقد وضعوا معاً خبراتهم في المجالات المختلفة، في العمل الراعوي وفي دراسة الكتاب المقدس والحوار المسكوني والحوار بين الأديان.

 


الفصل الأول

الأسئلة المطروحة

 

الفلسطيني المسيحي إزاء كتاب التوراة

7        يرى الفلسطيني المسيحي في الكتاب المقدس جزءاً لا يتجزأ من إيمانه وتراثه الديني. ولهذا فهو يقرأه قراءة فردية أو مع الجماعة ويتأمل فيه، وذلك في دروس التعليم المسيحي وفي الاحتفالات الليترجية وفي مجموعات الصلاة. وإن الأسئلة التي تواجهه خلال هذه القراءة والصلاة، لما كان الصراع قائماً، متعددة وكثيرة. وما زالت هذه الأسئلة مطروحة اليوم أيضاً، بعد بداية المسيرة المشتركة والسعي الواحد في سبيل البناء.

أ‌-                 كيف يمكننا أن نفهم العهد القديم؟ ما الصلة بين العهدين القديم والجديد؟

ب‌-     في الكتاب المقدس قصص عنيفة كثيرة الشبه مع أحداث تاريخنا الراهن، وهي منسوبة إلى الله عزّ وجلّ. فكيف يمكن فهمها، والإنجيل المقدس يقول أن: "أبناء الله هم صانعوا السلام" (متى 5: 9

ت‌-     وما هي العلاقة بين التاريخ الوارد ذكره في كتاب التوراة وتاريخنا المعاصر؟ وهل اسرائيل الوارد ذكره في التوراة هو دولة اسرائيل اليوم؟ وما معنى الوعد والعهود والشعب المختار ولا سيما "أرض الميعاد" أي الأرض التي وعد الله بها وهبها لإبراهيم ونسله؟ وهل يبرّر هذا الوعد المطالبات السايسية الراهنة؟ وهل نكون نحن ضحية تاريخ خلاصنا الذي يبدو أنه يفضِّل الشعب اليهودي على حسابنا؟ أهذه هي مشيئة الله التي يجب أن نخضع لها خضوعاً مُطلقاً من غير مناقشة أو استئناف والتي تطالبنا بأن نجرِّد أنفسنا في سبيل شعبٍ آخر؟"

          وان بعض اليهود - مع أن كثيرين غيرهم من اليهود أنفسهم يرون رئية مخالفة لهم – يبررون بأقوالهم وبأعمالهم طرح هذه الأسئلة وخوف الفلسطيني وقلقه: إذ يقولون أن الله وهبهم أرض الميعاد. ووعد الله هذا هو مستندهم في ملكية الأرض كلها.

          وهناك أيضاً مَن يقول القول نفسه من بعض المسيحيين الأصوليين. وقد يذهب هؤلاء إلى حدّ إعتبار التاريخ الحاضر بمثابة تحقيق لنبؤات محددة في الكتاب المقدس، وإلى حدّ اتهام المسيحيين المحليين بمعارضة الكتاب المقدس، وبأنهم ليسوا مؤمنين حقيقيين.

          وإنا لندرك أم لمثل هذا المواقف هي سبب فزع وثورة دينية عند هؤلاء الذين أُخرِجوا من بيوتهم ومن أراضيهم أو فقدوا عزيزاً عليهم في الحروب المتتالية أو مروا بالسجون والتعذيب، لأنهم أرادوا استعادة حقوقهم.

 

أقسام الرسالة

8        ويمكن تلخيص الأسئلة التي نريد الإجابة عليها في الأسئلة الثلاثة التالية وهي:

1-              ما هي العلاقة بين العهد القديم والجديد؟

2-              ما تفسير قصص العنف الواردة في العهد القديم والمنسوبة إلى الله؟

3-      وفي العلاقات الحالية بين الاسرائيليين والفلسطينيين، كيف يمكننا أن نفهم أرض الميعاد والشعب المختار والعهد؟ أوَمِنَ الممكن أن يفرض الإله العادل والرحيم الظلمَ أو الجورَ على شعبٍ لصالح الشعب الذي اختاره؟

          إن هذا السؤال الأخير مطروح بصورة خاصة على إيمان كل مؤمن، في هذه الأرض المقدسة وهي الأرض التي أُنزِل فيها الكتاب المقدس، هو سؤال مطروح على اليهودي والمسيحي والمسلم. وعلى كل مَن يريد أن يبرر الواقع السياسي المعاصر بكلمة الله المنزلة في كتاب التوراة. وهو سؤال يثطرح على الكنيسة المحلية وعلى كل كنيسة في العالم، وعلى كل إنسان يبحث بصدق عن السلام والعدل في الأرض المقدسة.

          ولتدعيم مسيرة السلام،  لا بُدَّ من الإجابة على هذه الأسئلة التي تولدت في فترة توشك أن تكون الآن ماضية، إن شاء الله. لأن مسيرة السلام هي في الوقت نفسه مسيرة مشتركة نحو اكتشاف الحقيقة التي تحرر الإنسان (يوحنا 8: 32).

          وقبل الإجابة على هذه الأسئلة، سنحاول أن نبين ما هو الكتاب المقدس للمسيحي وكيف يمكن فهمه. وسوف نبين أنه أولاً كلام الله وثانيا هو تاريخ مسيرة الخلاص، وثالثاً هو تاريخ مسيرة الخلاص لكل منا، ورابعاً أنَّ السيد المسيح هو مفتاح الحل والإضاءة لفهمه.

 


الفصل الثاني

ما هو الكتاب المقدس

 

مضمون الكتاب المقدس

9        يُعرف الكتاب المقدس بأسماء متعددة. فهو الكتاب المقدس وهو كتاب التوراة وهو كتاب العهد القديم والعهد الجديد. والكتاب المقدس للمسيحيين هو العهد القديم والجديد معاً.

          كتاب التوراة العبرانية يتضمن 39 سِفراً أو كتاباً، موزعة في ثلاث مجموعات هي الشريعة والأنبياء والكتبة. وكتاب العهد القديم للمسيحيين، في الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية، يتضمن هذه الكتب التسعة والثلاثين نفسها، والكتب القانونية الثانية المكتوبة باللغة اليونانية أو الآرامية وعددها ثمان. أما الكنيسة البروتسطنتية فقد احتفظت فقط بالكتب التسعة والثلاثين الواردة في التوراة العبرانية.

          ويتضمن العهد الجديد سبعة وعشرين سِفراً أو كتاباً، وهي الناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل والرسائل الأربعة عشر المنسوبة إلى القديس بولص، والرسائل السبع المعروفة باسم الرسائل الجامعةوسفر رؤية القديس يوحنا.

          ومجموعتا الكتب في العهدين الجديد والقديم هما للمسيحيّ كتاباً واحداً يتضمن كل الوحي الذي أنزله الله لخلاص البشرية. ولا يجوز لأي سبب من الأسباب سواء كانت سياسية أو غيرها التخلي عن أي جزء من الكتاب المقدس، سواء كان ذلك من العهد القديم أم من العهد الجديد. فإن الكتاب المقدس كله هو كلام الله.

 

أولاً:   الكتاب المقدس هو كلام الله

 

كيف نفهم الكتاب؟

10      تكلم الله وكشف لنا عن ذاته، من خلال تاريخ البشرية ومن خلال تاريخ شعب أراد أن يختاره لتحقيق خلاص البشرية. ولهذا فإن الكتاب المقدس هو أولاً مجموعة أحداث ثم مجموعة أقوال تُظهِر عمل الله من خلال الوقائع البشرية. وقد عاش هذه الوقائع اناس تناقلوها شفاهاً أولاً ثم دوّنوها كتابة (كلمة الله 2).

          ولهذا ليس الكتاب القمدس مجموعة كتابات متجمّدة وميّتة بل هو تاريخ خلاص يرافق تاريخ البشرية بأسرها فهو إذن تاريخ حيّ ودينامي يدفع بالبشرية إلى الأمام، ويسير عبر الأجيال وعبر جميع الأحداث، ومن خلالها يُظهر الله نفسه ويبلغ رسالته للبشرية.

          ومن غير الإيمان لا يسعنا أن ندرك وأن نقبل هذه الأمور إدراكاً وقبولاً كاملاً. ولهذا يجب أن نشكر الله على نعمة الإيمان التي وهبنا اياها.

 

كتبوا الكتاب بالهام من الروح القدس

11      قد دوَّن تاريخ الخلاص في أزمنة مختلة كُتابٌ ألهَمَهُم الروح القدس ليكتبوا ما كتبوا فكان "يعمل بهم وفيهم ليكتبوا، كتابة مؤلفين حقيقيين كل ما هو موافق لمشيئته وليكتبوا ذلك فقط. ومن ثم فيما أن أقوال الكُتّاب المُلهمين هي أقوال الروح القدس، يجب القول أن أسفار الكتاب المقدس تعلّم تعليماً أكيداً وتعلِّم بأمانة ومن غير خطأ الحقيقة التي أراد الله أن يدوّنها في الكتاب المقدس من أجل خلاصنا" (كلمة الله 11). ولهذا فإن مؤلف الكتاب المقدس هو في الوقت نفسه الله والكُتّاب الملهمون.

 

لقد تكلم الله عن طريق البشر وعلى طريقة البشر

12      لم يتلق الكُتّاب الملهمون كلام الله عن طريق الإملاء المادي الحرفي. إنما الهمهم الروح القدس فعبّروا عن أنفسهم لبغتهم وبحسب امكاناتهم العقلية وبحسب عوائدهم وحضاراتهم والأنواع الكتابية المختلفة والأسلوب الكتابي الخاص بكل منهم.

          ولهذا جاء في الوثيقة المجمعية: "بما أن الله تكلم في الكتاب المقدس عن طريق البشر وعلى طريقة البشر. ففي سبيل أن نتبين بوضوح ما أراد الله أن يبلغنا إياه، يجب على من يفسِّر الكتاب أن يبحث بروية عما أراد الكُتّاب الملهمون أن يعبروا عنه حقاً وعما شاء الله أن يبلغنا إياه عن طريق كلمتهم" (كلمة الله 12).

 

جاء الوحي تدريجاً

13      قال المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني محدداً الوحي: "لقد شاء الله، في حكمته وصلاحه، أن يكشف لنا عن ذاته وأن يُطلعنا على سرّ مشيئته (أفسس 1: 9) وبفضل هذا السرّ، يقترب الناس من الله الآب، مع المسيح الكلمة الذي صار بشراً وبقوة الروح القدس، ويصبحون شركاء في طبيعته الإلهية" (أفسس 2: 18 و 2 بطرس 1: 4) (كلمة الله 2).

          أراد الله إذاً بالوحي أن يُظهر لنا ذاته، حتى نتمكن من معرفته تعالى ومن المشاركة في حياته الإلهية. وقد اكتمل الوحي وبلغ تمامه في يسوع المسيح نفسه، كلمة الله الذي صار بشراً مثلنا.

          وقد جاء الوحي تدريجياً. وهذا يعني ان الله سبحانه لم يوح مرة واحدة ونهائية بكل ما يتعلق بالحق الإلهي وبمسيرة الخلاص. وإنما تنازل وراعى مقدرة الناس وإمكاناتهم لفهم كلمته المنزلة (كلمة الله 12). ولذلك فإنا نجد في كل مرحلة من تاريخ شعب الله ما يتناسب ومستوى معرفته وفهمه لكلمة الله.

 

يُفهم الوحي على ضوء التقليد

14      ولهذا فإنا نجد ارتباطاً وثيقاً لدى شعب الله بين الكتاب المقدس وبين تفسيره الحيّ في الشعائر الليترجية وفي الحضارة والتاريخ (كلمة الله 8-10). وكذلك لا يمكننا أن نفصل بين كلمة الله وبين حياة الشعب الذي قبلها.

          وعلينا نحن أيضاً أن نتبع اليوم الطريقة نفسها لفهم كلام الله في الكتاب المقدس، وذلك بالاتحاد مع الكنيسة وعلى ضوء التقليد والشعائر الدينية الحيّة، وبالاستفادة من تقديم العلوم الكتابية.

          "إنَّ التقليد المقدس والكتاب المقدس هما وديعة واحدة مقدسة تسلمتها الكنيسة ومضمونها كلام الله. فإذا بقي الشعب المقدس كله مُخلصاً لهذه الوديعة ومتحداً برعاته ثبت علىتعليم الرسل والشركة الأخوية وكسر الخبز والصلاة… " (كلمة الله 10).

 

ثانياً: الكتاب القمدس هو تاريخ مسيرة الخلاص

 

الخلاص ه&#