stemma logo

Patriarch Emeritus

Pastoral Letters

 

Archives

 

 

في بهاء السلام

رسالة راعوية

للبطريرك ميشيل صباح

بطريرك المدينة المقدسة للاتين

للاستعداد ليوبيل عام الألفين

عيد انتقال السيدة

15 آب 1997

في البدء كان الكلمة

والكلمة كان لدى الله

والكلمة هو الله…

فسكن بيننا

فرأينا مجه

مَجداً من لدن الآب لابنٍ وحيدٍ

مِلؤه النعمة والحقّ.

(يو 1: 1 و 14)

إلى جميع إخوتنا وأبنائنا

الكهنة والرهبان والراهبات والمؤمنين كافة

 

1        نعمة ربنا يسوع المسيح ومحبة الله وشركة الروح القدس معكم جميعاً.

          أوجّه اليكم هذه الرسالة، في عيد انتقال سيدتنا مريم العذراء إلى السماء.  إذ نقف على عتبة الألف الثالث، نوجّه أبصارنا إلى مريم العذراء أمّنا، الممتلئة نعمة، والتي اختارها الله لتكون أم الكلمة المتأنّس، يسوع المسيح المخلص. فلترافق مسيرتنا، ولتساعدنا لكي نزداد معرفة لابنها، الذي هو "صورة جوهر الله وشعاعُ مجده" (عب 1: 3).

 

الاستعدادات العامة

2        جميعُ كنائس العالم تستعد اليوم ليوبيل سنة الألفين. وهنا، كنيسة القدس بجميع عائلاتها الكاثوليكية والأرثوذكسية والأرثوذكسية الشرقية (أي الأرمن والأقباط والسريان والبروتستانتية تستعد أيضاً لهذا الحدث العظيم. السلطات المدنية البلدية في الناصرة وبيت لحم شرعت بأعمال ومشاريع عمرانية. والحكومات نفسها في بلادنا في اسرائيل وفلسطين والأردن وقبرص أنشأت هي أيضاً اللجان المختصة لمتابعة هذا الحدث والمساهمة في ما يلزم له من الاستعدادات.

          الحدث هو حدث دينيّ، وحدثٌ في قلب الكنيسة، وله بُعدٌ يشمل البشرية كلها، فمن واجب المؤمنين أن يعيشوه بما يُظهر ويُبقي له معناه الحقيقي. هو يوبيل ميلاد سيدنا يسوع المسيح، وذكرى سرّ التجسّد العظيم.

معنى اليوبيل

3        "لما تمَّ ملءً الزمان أرسل الله ابنه مولوداً لأمرأة" (غلاطية 4: 4). بهذه الكلمات من الكتاب المقدس افتتح الحبرُ الأعظم يوحنا بولس الثاني رسالته لسنة الأفين. العبارة "ملء الزمان" تعني الزمان الذي رآه الله مناسباً لكي يحقق، في أرضنا وفي إطار تاريخنا البشري، الوعد الذي وعد به آدم (راجع تكوين 15: 3)، ثمّ جدّده للآباء والنبياء من بعده، حتى اكتمل في المسيح يسوع، كلمة الله المتأنِّس. اكتمل الزمان لأن كلمة الله دخل فيه وأصبح جزءاً منه.

          قال الحبر الأعظم في رسالته: "يوبيل سنة الألفين يجب أن يكون صلاة تسبيح مستفيضة، وصلاة حمدٍ وشكر لهبة تجسُّد ابن الله والفداء الذي تممه" (الرسالة 32). "في سنة الألفين يجب أن يصدحَ بقوّة دائمة التجدُّد إعلان الحقيقة أن قد ولد مخلص للعالم" (الرسالة 38).

          وعليه فإن هذا اليوبيل يشبه زمن المجيء الذي به نستعد في كل عام لعيد الميلاد. وأما زمن الاستعداد لليوبيل فيمتد على ثلاث سنوات. وتتركز فتة الاستعداد هذه على التأمُّل في سرّ الثالوث الأقدس الذي كشف لنا يسوع كلمة الله: "إنَّ الله ما رآه أحدٌ قط، الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو الذي أخبر عنه" (يو 1: 18). يتركز التأمل في السنة الأولى 1997 على سرّ الكلمة أي الابن. وفي السنة الثانية 1998 على سرّ الروح القدس، وفي السنة الثالثة 1999 على سرّ الله الآب. وبهذا التأمل نجدد ايماننا المسيحي ونحقق خلاصنا ونشهد بحياتنا للرجاء الذي نحمله في أنفسنا، ولمن "أخترانا قبل إنشاء العالم، لنكون في نظره قدّيسين بلا عيب في المحبّة" (أفسس 1: 4).

اليوبيل وكنيسة القدس

4        نحن، كنيسة القدس، يهمنا هذا اليوبيل بصورة خاصة، لأنه عندنا أراد الله بصلاحه اللامتناهي أن تحدث حوادث السرّ: بشارة الملاك جبرائيل لمريم العذراء في الناصرة، إذ بشّرها بسرّ التجسّد الإلهي، وولادة يسوع المسيح المخلص في بيت لحم، ثم اكتمال سرّ الفداء في القدس. وهذه كلها مدن نعيش فيها حياتنا اليومية، الدينية والاجتماعية العامة. فيها ولد الكثيرون منا، أو يقضون فيها حياتهم أو يعملون فيها، أو لهم فيها أهل ومعارف وأصدقاء. في هذه المدن وغيرها توجد رعايانا مكانُ حياتنا الدينية منذ الولادة وحتى الممات.

          حياتُنا اليومية مرتبطة ارتباطاً حميماً بالمقدسات وبسرّ الخلاص الذي أراده الله للبشرية كلها. ويذكرنا اليوبيل نحن الذين نعيش في هذه الأرض المقدسة بأمرين بسيطين وواضحين: أولاً، الأماكن المقدسة التي تتضمن ذكرى الأحداث الإلهية هي أماكن حياتنا اليومية. وثانياً، لهذه الأماكن، التي هي أماكن عبادتنا وحياتنا اليومية، بعدٌ عالمي. أماكننا المقدسة مقدّسة لنا وللعالم. ورعايانا هي لنا وللعالم. ونحن لأنفسنا ولكنيسة القدس كنيستنا ولكنائس العالم.

          لهذا أراد الحبر الأعظم في رسالته أن تكون القدس مع مدينة روما مركز لاحتفالات اليوبيل. قال: "سوف يكون الاحتفال باليوبيل الكبير في الوقت نفسه في الأرض المقدسة، وفي روما، وفي الكنائس المحلية في العالم بأسره" (الرسالة، 35). 

استعداداتُنا لسنة الألفين

5        قرّر مجلس رؤساء الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدسة، في اجتماعه المنعقد في الفترة بين 14-16 آذار 1995، تكوين لجنة أسقفية تتولى شؤون اليوبيل، وهم أصحاب السيادة المطارنة مكسيموس سلوم وسليم الصائغ وكمال بطحيش رئيساً. وقد عيّن الحبر العظم هذا الأخير عضواً في اللجنة المركزية في روما، ليكون الصلة بين القدس وروما.

          ثم كوّنت هذه اللجنة لجاناً أخرى للعمل، اشترك فيها مسؤولون عن مختلف النشاطات في الكنيسة. وأصبحت لجنة الحج الأبرشية لجنة لسنة الأفين أيضاً. ونُظّم في شهر أيار الماضي 1997 أسبوع دراسة حول شخصية يسوع المسيح. كلُّ هذا حصل في القدس. يجب أن تشارك الآن في هذه الاستعدادات جميع أجزاء الأبرشية، في اسرائيل وفلسطين والاردن وقبرص. يجب أن تدخل كل رعية في سرّ وفي نعمة هذا اليوبيل. السينودس الذي بدأتْهُ معاً جميع الكنائس الكاثوليكية، ولذي ما زال في مرحلته الأولى، مرحلة توبة وتجديد للإيمان، يشكل الاستعداد الأساسي لليوبيل. ولكن، بالإضافة إلى هذا، يجب الشروع في مبادراتٍ خاصة تُلزِم الرعايا والرهبنات والمؤمنين. 

الرهبنات

6        في الأبرشية، بدأ الآباء الفرنسيسكان، ضمن حراسة الأرض المقدسة، استعدادت مكثفة لعيش هذا الحدث، ولتمكين الأبرشية من استقبال كنائس العالم في حجّها إلى الأماكن المقدسة. وكذلك سعت رهبنات أخرى السعي نفسه، كل واحدةٍ بحسب اختصاصها. أهم استعداد لليوبيل وأهم مساهمةٍ فيه، هو أن نعيش معاً فترة النعمة هذه في حياة كنيستنا الأورشليمية. فنعيشها في شركة وفي مساهمة منفتحة ومنسقة بين جميع مقوِّمات الأبرشية، من رعايا وأماكن مقدسة وأديرة تأمّلية ومؤسسات رهبانية مختلفة. وقبل الاستعدادت المادية، أهم استعداد هو الصلاة التي نرفعها إلى الله ليزيد حضور الروح القدس بيننا وتزيد محبّته. ولهذا فإنّ دور الأديرة التأمّلية هنا، وهو دائماً كذلك، يُصبح دوراً أساسياً. وفي هذه المناسبة، ومع هذه الدعوة إلى الصلاة وإلى توثيق الشركة الكنسية، أودُّ أن أعبِّر لجميع المؤسسات الرهبانية في أبرشيتنا عن محبتنا وتقديرنا لكل ما تعمله لليوبيل خاصة وللأبرشية عامة. كلُّ واحد منا هو عضوٌ في جسد المسيح، ويقوم بدوره فيه بشركةٍ دائمةٍ مع الرأس الذي هو يسوع المسيح، ومع سائر العضاء. الاحتفال باليوبيل فترة شركةٍ ونعمة، تنقّينا جميعاً وتوثّق روح وحدتنا مع الحبر الأعظم، رأس الكنيسة العامة، ومع الأسقف رأس الأبرشية.

          تتوالى أحداث كثيرة في هذه السنوات في الأبرشية: السينودس الذي ذكرناه، وذكرى 150 سنة للحبة الأخيرة من تاريخ البطريركية والأبرشية 1847-1997)، أي منذ قدوم البطريرك يوسف فاليرغا بطريركاً مُقيماً في المدينة المقدسة، هو الذي اعطى الأبرشية وجهها الحالي؛ و 150 سنة لقدوم راهبات مار يوسف، و 150 سنة لتأسيس ورسالة مطبعة الآباء الفرنسيسكان، و 100 سنة لراهبات البندكتان في جبل الزيتون، و 50 سنة لراهبات الفرنسيسكان في قبرص، و 100 سنة لمرور الناسك شارل دي فوكو في أبرشيتنا وهو مؤسس إخوة وأخوات يسوع الصغيرات… كلُّ هذا يساعد على إنعاش الإيمان في الأبرشية في مسيرتها للقاء الروح القدس في نعمة اليوبيل، ويعمل على تجديد الأفراد والجماعات وتوثيق العُرى بين جميع مقوِّمات الأبرشية المحلية والعالمية.

تنظيم الحجّ

7        في هذه المناسبة، كنيستنا كلها يجب أن تسير على طرق الحجّ، تجدُّ في طلب الله في معابدنا وأماكننا المقدسة، نتامّل فيها في سرّ تدبير الخلاص، وفيها تكتشف معنى اليوبيل الحقيقي. على كهنة الرعايا ومديري المدارس ومديراتها أن ينظموا مسيرات أو رحلات إلى الأماكن المقدسة، يسبقها إعداد جدّي يجدد للروح ويمهِّد لتوبة حقيقية. قلنا إن أماكننا المقدسة هي مكان حياتنا اليومية، وإن حياتنا ممزوجة بالمقدّسات، إلا أنّ هذا القرب مع الأسقف يُبعدنا عن النعمة المقدّمة لنا. فكأن همومنا اليومية ومجاورتنا تُخفي عن أعيننا قيمتها وقداستها، بينما يسعى إليها أفواج الحجّاج من المشارق والمغارب.

          في دروس التعليم المسيحي، وفي الحركات الرسولية للشبيبة أو البالغين، يجب التركيز على اهمية الحجّ وأولويته في الحياة المسيحية، لكي نفهم ونعيش حقيقة الأسرار الإلهية التي دخلت في التاريخ البشري، عندنا، في مدننا وقرانا وعلى طرقنا وفي معابدنا.

          بهذا الخصوص، بعض رعايانا محظوظة أكثر من غيرها. فرعايا اسرائيل بُتاح لها أن تنظم حجّها بحرية. مع أن الحواجز الاسرائيلية المفروضة اليوم على بيت لحم وسائر المواقع الفلسطينية أصبح لها أيضاً عائقاً دون مقدّساتها. وقبرص يمكن أن تنظم حجها بسهولة نسبية. وأما المدن الفلسطينية فيستحيل عليها أن تقوم بأي زيارة للأماكن المقدسة، من غير تصاريح عسكرية. وكذلك في الأردن، الحجّ إلى الأماكن المقدسة في فلسطين مرتبط بتأشيرات دخول صعبة المنال. ورجاؤنا ألا تصبح الإجراءات المنية واقعاً يومياً يحول دون وصول المؤمنين إلى مقدساتهم. ورجاؤنا أن تُدرك السلطات المعنية هذا الأمر، وتسهِّل على المؤمنين القيام بواجباتهم الدينية. 

استقبال الكنائس

8        قلنا إنَّ الرهبنات المختلفة في الأبرشية بدت استعداداتها لاستقبال الكنائس الحاجة إلى أماكننا المقدسة. وتسعى لجنة الحجّ الأبرشية إلى تنظيم الأمور وتنسيقها، بالتعاون مع اللجنة المنبثقة عن مجلس الكنائس الكاثوليكية، ومع مكتب سنة الأفين الذي أنشأه. وسوف يُنشر كتاب الحاجّ متضمناً التعليمات اللازمة. وسوف يثنظم اجتماع خاص لمديري الحجّ في الأبرشيات للنظر في ما تنتظره منا الكنائس الوافدة إلينا، وما ننتظره نحن منها.

          أملنا في غمرة هذه الاستعدادات أن تصبح معابدنا اماكن صلاة وصمت وخشوع، ولا سيما كنيستا المهد والقيامة. طُرِحَ هذا الموضوع في لقاءات سابقة للبطاركة ورؤساء الكنائس المسيحية في القدس. فهو جدير بالمتابعة، وهو من الأولويات الملحّة، من حيث العلاقات المسكونية، ومن حيث حكم العالم على كنيسة القدس وصدق شهادتها واهليّتها للقيام بواجبها. 

الرعايا والشبيبة

9        تستعدّ الرعايا أيضاً للإستقبال، علامة كنسيةٍ منفتحة على العالم. فالرعايا هي الحجارة الحيّة التي يطلبها الحاج لتكتمل مسيرته الروحية في الأرض المقدسة.

          على الشبيبة أيضاً أن تُسهم في هذا الاستقبال. وعلى الأمانات العامة للشبيبة في الأبرشية أن تبدأ استعداداته لذلك. والشبيبة نفسها يجب أن تستفيد من نعمة التجدد والرجاء. على الشبيبة أن تجدد إيمانها ورجاءها، ولو أنّ المستقبل يبدو أمامها صعباً أو مُظلماً، ولا سيما في المناطق الفلسطينية. "الله نورُ لا ظلام فيه" (1 يوحنا 1: 5). كذلك يجب أن يكون كلُّ شاب مؤمن: "نورٌ لا ظلام فيه". تُبنى الحياةُ في كل ظرفٍ صعبٍ أو سهل، وفي ظروف الموت أو الحياة على السواء. إنّ استمرار الصعوبات قد يؤثر على صمود إيماننا، وقد يشكك أيضاً في فعالية صلواتنا. إلا أنَّ ايماننا بالله لا يتزعزع: يجب أن نموت لنحيا حياة جديدة. وروح الله يأتي لمساندة ضعفنا (راجع روما 8: 26) سوف يتجدد وجه أرضنا. ليعملْ كهنة الرعايا وجميع المسؤولين على تغذية هذا الرجاء في زمن الاستعداد لنعمة اليوبيل. ولتركز جميع الحركات الرسولية فكرها ونشاطها على هذا. 

زيارة الحبر الأعظم

10      كلنا يعلم محبّة الحبر الأعظم لكنيسة القدس ولجميع ابنائها، ورغبته في زيارتها وفي زيارة الأماكن المقدسة فيها وشعبيّتها، ليحمل إلى الجميع رسالة سلام وعدل ومصالحة. نصلّي حتى تتم هذه الزيارة في أقرب وقت ممكن. نأمل ان تتوّج احتفالات سنة الألفين. نتمنى ذلك من صميم قلبنا. وجّه رؤساء الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدسة، منذ زمنٍ، دعوتهم المشتركة إلى قداسة الحبر الأعظم لكي يزور كنائسنا: ونحن نكرِّر اليوم هذه الدعوة. نحن نرى في هذه الحِجَّة زيارة راعي الكنيسة العامة إلى الكنيسة الأم وإلى مؤمنيها، ومناسبة لقاء مسكوني، ومناسبة لكلمة إيمان وحقّ وعزاء لسكان هذه الأرض. 

جهود الكنائس في القدس

11      منذ عام 1995 شكّلت الكنائس في القدس لجنة كنسية مشتركة، تمثِّل العائلات الكنسية الأربع: الكاثوليكية والأرثوذكسية والأرثوذكسية  الشرقية (أي الأرمن والأقباط والسريان) والبروتستانتية، لتتولى شؤون سنة الأفين. وتمّ افتتاح فترة التحضير لليوبيل برسالة مشتركة، وجهها رؤساء الكنائس إلى المؤمنين في ميلاد عام 1995. وقد اتصل مجلس كنائس الشرق الوسط ومجلس الكنائس العالمي بهذه اللجنة للتنسيق وتقديم العون الممكن.

          كنيسة القدس هي الكنيسة الأم، ومن ثمّ عليها واجب خاص في هذه المناسبة، وهو السعيُ إلى شركة الكنائ كلها. الصلاة من أجل هذه الشركة الكاملة، هنا في القدس، هذه هي أولى الاستعدادات. ثم إن كانت الوحدة الرسمية والإدارية غير ممكنة بعد، فوحدة القلوب تؤيّدها صلاة يسوع المسيح، يجب أن تكون ممكنة: "فليكونوا بأجمعهم واحد. كما أنكّ فيّ، يا أبت، وأنا فيك، فليكونوا هم أيضاً فينا، ليؤمن العالم بأنك أنت أرسلتني" (يوحنا 17: 21). القدس، أم الكنائس، يجب أن تكون في شركة مع جميع كنائس العالم. العائلات الكنسية الأربع اليوم، في المنطقة، مجمَّعة غير موحّدة في مجلس كنائس الشرق الوسط. يجب أن يبدأ تحرُّك من آخر يهدف إلى هذه الحركة.

          لقد ألحّ قداسة الحبر الأعظم على وحدة الكنائس في رسالته بمناسبة سنة الألفين، قال: "بين الخطايا التي تقتضي سعياً أكبر وتوبة وارتداداً في القلب الخطايا التي تمس الوحدة التي أرادها الله لشعبه… في هذا القسم الأخير من الألف الثاني يجب أن تبتهل الكنيسة بحرارة أكبر إلى الروح القدس لتطلب منه نعمة وحدة المسيحيين. هذه قضية أساسية لشهادة الإنجيل في العالم" 0الرسالة 34). 

مع سائر الديانات،

مع الإسلام واليهودية

12      إنَّ فرحنا وارتداد قلبنا إلى الله، بمناسبة اليوبيل الكبير، لا يعزلاننا ولا يفصلاننا عن بيئة حياتنا البشرية ومجتمعاتنا وشعوبنا. بالعكس، كلُّ نعمة نمنحها هي عامل تقريب وانفتاح، في صدق القلوب وصلاح النوايا. نعمة اليوبيل هي إذن مناسبة لتشجيع وتنمية الحوار الصادق الموضوعي، الذي يُتيح معرفة متبادلة وقبولاً. هذه مناسبة للنظر بعيون مجددة بالروح إلى كل شخص بشري كي يتمّ التعاون معه لبناء أرض جديدة وسماء جديدة، عبر بحثنا الشاق عن السلام والعدل في ارضنا. 

اليوبيل والسلام في الأرض المقدسة

13      أرضنا مدعوة للابتهاج بنعمة اليوبيل والاحتفال بسرّ الخلاص. إنَّها ذكرى ميلاد أمير السلام، المسيح المخلص لأرضنا وللبشرية جمعاء. فنحن نشاهد المخلص حاضراً في كل حِقَبْ التاريخ. ومن خلال هذه الرؤية، ننظر إلى آلامنا في هذا البلد الذي فيه جاء المخلّص. وضعنا في جوار الأماكن المقدسة، ولا سيما في المناطق الفلسطينية، وضع صعب. الخوف هو رفيق حياتنا. الشباب ما زالوا يداهمون في بيوتهم في الليالي، ثم يمثلون أمام محاكم عسكرية صورية؛ النقص في فرص العمل في تزايد، واليأس أخذ يدبّ في القلوب بسبب توقف مسيرة السلام، ولذلك عادت أعمال العنف، والقدس مركز صلواتنا ما زالت مقيّدة بالإجراءات الأمنية، وما زالت مدينة القدس محرومة على قسم كبير من أبنائنا.

          مقابل كل هذه الصعوبات، نجدِّد صلاتنا ورجاءَنا. وفي الوقت نفسه، نذكر عظماء هذا العالم أن السلام لا يمكن أن يكون إلآ ثمرة احترام كرامة الإنسان. فلن يكون هناك سلام ما زالت هناك كرامة مَدُوسةً أو مقزَّمة، فقط لأنها ضعيفة وصغيرة مادياً وعسكرياً. نذكِّر عظماء هذا العالم الذين أُعطي لهم لأن يحكموا هذه الأرض في هذه الأيام أن طابعها المقدس يجعل حكمها مختلفاً عن حُكم أية بقعة في الأرض.

          وأخيراً نرى السلطات المعنية بمناسبة اليوبيل تستعدُّ لاستقبال أفواج الحجاج القادمين من أنحاء العالم. نقدِّر لها ذلك ونشكرها، ولكننا نذكر أن الأهم هو استقبال أبناء الأرض نفسها وإزالة الحواجز الأمنية في وجه ايمانهم وصلواتهم.

          ولمؤمنينا نقول: لا تيأسوا. ففي الصعاب يولد الروح ويتم الخلاص. قوموا بواجباتكم مؤمنين ومواطنين معاً. والتزموا التزاماً مخلصاً في مجتمعاتكم وفي كنيستكم. واقبلوا كل مجازفةٍ في سبيل البناء وبقاء الرجاء حياً.

          الكنيسة، بمناسبة اليوبيل، تصلي من أجل السلام. تصلي من أجل حكومات هذه البلاد ومن أجل جميع سكانها. تصلي كي يُمَنَّ الله على المنطقة كلها بالسلام الكامل والنهائي. نصلي من أجل بلداننا العربية كي تجد استقرارها وأمنها، وكي يعرف المسيحيون والمسلمون أنفسهم فيها أخوة وأخوات أبناء أرضٍ واحدة ووطنٍ واحد، فنستحقُّ، بفضل شهادتنا الصادقة لوحدانية الله، أن نعرف كمال سرّ المحبة الذي نحتفل به في يوبيل سنة الألفين. نصلّي من أجل أرضنا لكي تُصبح بشعبيتها ودياناتها الثلاث أسرة واحدة مصالحة على العدل والحق، أسرة شاهدة لقداسة أرضها. 

الخاتمة

14      "الاحتفال باليوبيل يجب أن يُنعش الرجاء فينا" (الرسالة 46). الأيام الصعبة التي نعيشها تحتاج إلى معمة اليوبيل. أرضنا بحاجة إلى أن تكتشف من جديد معنى السرّ الإلهي الذي أوحى به الله فيها. اليوبيل في الكتاب المقدس يعني عودة الحرية إلى الإنسان وإلى الأرض. مثل هذه العودة تحتاج إلى نعمة خاصة من الله. بالرغم من كل الصعوبات، نجدد أملنا بالله: سوف يعود الله ويذكر أرضه يوماً ويرحمنا.

          نعمة اليوبيل في حياة الكنيسة هي مزيد من الشركة، وفي حياتنا المدنية هي مزيد من الحرية والعدل والسلام. أسأل مريم العذراء الكلية الطوبى والطهارة، أمنا وابنة هذه الأرض، ان تجعلنا مستحقين لنيل هذه النعمة. 

          وليبارككم الله القادر على كل شيء، الآب والابن والروح القدس، الإله الواحد. آمين. 

V       البطريرك ميشيل صبّاح 

القدس

في عيد انتقال سيدتنا مريم العذراء

15 آب 1997

 

 

Home Page