طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إلى البِرِّ، فَإنَّهُمْ يُشْبَعُونَ
طُوبَى لِلسَّاعِينَ إلى السَّلامِ لأنَّهُمْ أبْنَاءَ الله يُدْعَوْن
(متى 5: 6و 9)
سؤال وجواب
في البحث عن العدل والسلام في أرضنالمقدسة
15 أيلول 1998
تقــديــــم
أيها الأخوة والأخوات الأعزاء
نحييكم، ومع يسوع القائم من بين الأموات ممجدا، وباعثا فينا الأمل والقوة لنحيا معه حياة جديدة، نقول لكم: السلام لكم (يوحنا 20: 19 و21).
1 في رسالتنا الرعوية عام 1990 "أطلبوا السلام لأورشليم"، أردنا أن نقدم لكم رؤية إنجيلية للأحداث في فترة الانتفاضة الصعبة التي اجتزناها معا. واليوم أصبحنا نواجه أوضاعا جديدة ومرحلة جديدة في البحث عن العدل والسلام في أرضنا المقدسة. بدأت إثر الانتفاضة محادثات مدريد (1991)، ثم اتفاقات اوسلو (1993)، وتلا ذلك اتفاقات مختلفة أثرت وما زالت تؤثر على الواقع الذي نعيشه: المحادثات بين الكرسي الرسولي واسرائيل والاتفاق على المبادئ الذي تلاه، وتوقيع السلام بين الاردن واسرائيل، وتسلُّم السلطة الوطنية الفلسطينية مهامها في عام 1994. ومع هذا كله، ما زال الوضع العام حتى اليوم وضع معاناة كبيرة، ومسيرة العدل والسلام ما زالت متعثرة، بل قال البعض إنها ميتة. فالسلام ما زال بعيدا .
بالرغم من هذا كله، ما زال البعض صامدين، وهم يقولون: يجب أن نتابع المسيرة في البحث عن العدل والسلام. بينما أحبِط البعض، ومنهم من قال: لم يبق أمامنا سوى العودة إلى طريق العنف والقوة، لنحصِّل ما يمكن تحصيله من حقوقنا. وقال غيرهم: لم يبق لنا أمل في شيء. لم يبق أمامنا إلا الرحيل أو انتهاز كل الفرص المتاحة للعيش، بغض النظر عن الكرامة والحقوق. ولهذا ظهر الفساد في صفوف المسؤولين والشعب، وراحوا يجنون ما يستطيعون إليه سبيلا غير مكترثين لا لآلام الناس ومعاناتهم ولا للحق الذي من دونه لن تستقر حياتنا.
في مثل هذه الأوضاع، يتساءل المؤمنون ويطرحون الأسئلة الكثيرة على رعاتهم الذين جعلهم الله مرشدين وهداة للشعب. ونريد اليوم أن نحاول الإجابة على بعض هذه الأسئلة، لنقدم رؤية الإيمان في الأحداث التي نعيشها.
2 نقدم مقالتنا هذه إلى جميع مؤمنِينا، وإلى جميع سكان هذه الأرض المقدسة الساعين بطرق شتى، وبحسب رؤى مختلفة ومتضاربة في البحث عن العدل والسلام. أردنا أن نقدم في هذه الصفحات إجابات موجزة وواضحة، بقدر ما يمكن أن تكون الرؤية واضحة في هذه القضايا، على أسئلة كثيرة ومعقدة تطرح علينا في كل لحظة من حياتنا اليومية. وقصدنا هو التوصل إلى رؤية مسيحية في العدل والسلام، في الصراع الذي ما زال يملأ القلوب والأذهان.
3 رؤيتنا الأساسية هي أن الله هو خالق الجميع، الأفراد والشعوب كلها. وكرامة كل إنسان هي من كرامة الله. وكلنا متساوون في هذه الكرامة. ومن ثم المساواة بين الشعوب والأفراد في الحقوق والواجبات. وبناء على هذا لا بد من أن يعترف كل واحد بحقوق الآخر، بل ومن واجبه ألا يعيق الآخر في تتميم واجباته وتحصيل حقوقه. كل فرد وكل شعب يحق له ويجب عليه أن يطالب بجميع حقوقه إذا ما وقع عليها اعتداء، ومن واجبه وحقه أن يتمتع بكامل حريته لتتميم جميع واجباته والدفاع عن جميع حقوقه. بل ويجب مساعدة كل فرد وكل شعب في سعيه في طلب العدل، لأن تحقيق العدل يؤدّي إلى تحقيق السلام للجميع. من غير العدل أي إذا هُضمت الحقوق وبقيت مهضومة تبقى طريق السلام مسدودة.
ومن أسس رؤيتنا أيضا أن طرق السلام وحدها تؤدي إلى السلام. بالعنف يمكن أن تُكسَبَ المعارك أو الحروب. وبالقوة والعنف يمكن أن تولد دولة وأن تفرض نفسها كواقع. أما السلام فلا يمكن أن يكون إلا ثمرة السلام. والواقع الذي نعيشه يؤكد ما نقول. بالقوة والعنف كسبت إسرائيل معارك. وكونت الدولة. وأما السلام والأمن فما زالت تطلبهما وتحاول عبثا فرضهما بالقوة. وكذلك الفلسطينيون لم يحققوا من خلال الصراع الذي أصبح عمره أكثر من مئة عام بين الشعبين العربي والإسرائيلي، لم يحققوا المكاسب ولا وصلوا إلى السلام. الحوار هو الطريق، والمفاوضات، على ألا تكون الاتفاقات التي تليها، تواقيع على الورق وحسب، بل يجب أن تحقق العدل للجميع. لأنه مع تحقيق العدل فقط يبدأ غرس السلام في القلوب.
4 نرجو أن تساعد هذه الأفكار المؤمنين لكي يحددوا مواقفهم في الفترة الراهنة التي نبحث فيها عن العدل والسلام، ولما يبلغ الصراع بعد حله النهائي. ولكي ينعشوا الأمل في نفوسهم ويتصرفوا في زمن الشدة محاولين أن يستشفوا سر الله في جميع الأحداث.كل مؤمن مدعو لتحمل مسؤولياته في هذه الفترة من تاريخه، مستلهما كلمة الله وتعاليم الكنيسة. إن الفترة الراهنة هي من أصعب الفترات التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، بسبب تدهور الأوضاع وعدم الاستقرار العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يسوده. في مثل هذه الفترات يحتاج المؤمن المسيحي إلى كل ما في إيمانه من قوة ورجاء يسندان مسيرته ومعاناته اليومية.
5 تعرض رؤساء الكنائس في القدس أكثر من مرة للانتقاد من قبل الجهات الرسمية على أنهم يتدخلون على غير حق في الشؤون السياسية، وقيل إنهم منحازون لطرف واحد. تبين هذه الصفحات أنه من حق رؤساء الكنائس، بل هو واجب عليهم، التدخل في ما يقال إنه "سياسي"، حين ينجم عن هذا الوضع السياسي عدم استقرار عام في الحياة اليومية للناس، وحين يكون هذا الوضع السياسي عبارة عن مظالم كثيرة، تحد من الحرية وتغذي الإحباط في النفوس ومن ثم العنف المطلوب تجنبه، والذي تزرعه وتنميه المظالم في نفوس الناس. ولهذا إذا تكلمت الكنيسة فإنها لا تفعل ذلك لتنحاز أو لتحرض طرفا على آخر. إنما تريد أن تقوم بواجبها وهو الإشارة إلى الظلم والدفاع عن المظلوم وتأكيد حقه على المطالبة بحميع حقوقه. وهي في الوقت نفسه وبالكلام نفسه تدعو مسبب الظلم لكي يتحرر هو أيضا من الظلم الذي يوقعه على غيره. فإذا ما أزيل الظلم وتمتع كل واحد وكل شعب بحقوقه زال العنف واستتب الأمن والسلام.
فإلى القادة السياسيين الذين يمسكون اليوم بأيديهم بمقدرات الشعوب، وهم قادرون على إيجاد الحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعربي الإسرائيلي، لهم أيضا نقدم رسالتنا هذه إسهاما متواضعا في سبيل الوصول إلى سلام حقيقي ونهائي مبني على العدل والكرامة المتساوية للجميع.
1 - السلام الذي يطلبه الجميع
1 ما هو السلام؟
ليس السلام غياب الحرب فقط، ولا هو مبني على توازن القوى المتعادية. ولا يمكن أن يكون ثمرة لسيطرة ظالمة أو لاحتلال عسكري. السلام هو ثمرة نظام وضعه الله في المجتمع البشري. (ر. فرح ورجاء رقم 78) وفي نفوس الناس. هو قبل كل شيء ثمرة العدل. وهو ثمرة الحقيقة والحرية والمحبة التي تَقدر أن تصنع أكثر مما يمكن أن يصنعه العدل وحده.
السلام يفترض المحافظة على ما هو خير للأفراد والشعوب. ويقوم بالاحترام المتبادل لحرية الجميع وحقوقهم وحدود أراضيهم وكامل سيادتهم عليها.
2 هل للسلام صلة ما بالإيمان بالله؟
للسلام صلة مباشرة بالله، لأن الله سبحانه هو في ذاته كمال السلام والمحبة، وهوخالق جميع الناس، ويريد أن يشركهم في حياته السعيدة. وقد أرسل إلينا كلمته ابنه الوحيد، لكي يجمع البشر في أسرة الله واحدة، ويعيد إلى الوحدة الأبناء الذين شتَّتَتْهم الخطيئة وجعلتهم أعداء بعضهم لبعض (ر. يوحنا 11: 52). يسوع المسيح كلمة الله هو سلامنا وصلحنا. هو الذي قتل الضغينة في جسده (ر. أفسس 2: 14). لهذا ترنم الملائكة يوم ولد في بيت لحم قائلين: "المجد لله في العلى والسلام على الأرض للناس ذوي الإرادة الصالحة" (لوقا 2: 14).
بعد أن قهر يسوع الموت والشر، وقام من بين الأموات، استطاع أن يبشر تلاميذه بالسلام، وأن يمنحه لكل من آمن به: "السلام أستودعكم. سلامي أمنحكم. لا أعطي أنا كما يعطي العالم. فلا تضطرب قلوبكم ولا تفزع" (يوحنا 14: 27).
فالسلام هو قبل كل شيء هبة من الله. والسلام الحقيقي بين الناس المؤسس على العدل والمحبة هو صورة وانعكاس ونتيجة لسلام الله.
من ناحية أخرى السلام هو مهمة عهد بها الله إلينا لنبحث وندافع عنها في كل لحظة من لحظات حياتنا. فهو خير يجب أن نجِدَّ السعي في طلبه وفي الدفاع عنه. ولذلك فهو لا يتحقق كله مرة واحدة، بل هو ثمرة جهاد مستمر.
العمل من أجل السلام هو تتميم مشيئة الله في التاريخ الذي نصنعه ونعيشه. من آمن بالله وأحب الله عمل على محبة جميع خلائق الله، وسعى مع الجميع لبناء السلام.
السلام هو إذن في الوقت نفسه هبة من الله ومجهود من قبل الناس ذوي الإرادة الصالحة. قال البابا يوحنا الثالث والعشرون في رسالته "السلام على الأرض" (رقم 168): "السلام أرفع وأسمى من أن يُترَكَ لمجهود البشر وحدهم مهما كانت إرادتهم حسنة".
3 ما هو السلام الذي نريده لنا ولشعوب الأرض المقدسة والمنطقة؟
نسأل الله للجميع السلام الحقيقي أي السلام المؤسس على العدل والمحبة كما علم يسوع المسيح في العظة على الجبل. نسأل الله السلام الذي يضمن جميع الحقوق لجميع الأطراف المتخاصمة. نطلب السلام الذي يمكن أن يضمن الأمن للفلسطينيين والإسرائيليين ولجميع الشعوب في المنطقة. السلام الذي يقوم باحترام الكرامة والحرية والسيادة والحقوق لكل فرد ولكل شعب، في إسرائيل وفلسطين والأردن وفي جميع بلدان المنطقة، بحيث لا يتصرف أي بلد ويكون تصرفه خطرا يهدد غيره في أرضه وفي حقوقه.
4 هل يقتضي السلام أن يتنازل الإنسان عن حقوقه وأن يرضى بالمظالم؟
لا يمكن لأحد لأي سبب كان أن يطلب من المظلومين أن يبقوا صامتين وألا يطالبوا بحقوقهم. لأنه لا يمكن أن يستقر السلام مع الاعتداء على الحقوق ولا مع التنازل، أي مع الظلم. القبول بالظلم والتنازل عن الحقوق الشرعية لا يؤديان إلى السلام. وإذا فُرِضَ سلام مع الظلم، فهو سلام مضلِّل سوف يكون مصدر دمار مثل الحرب نفسها، لأن الظلم لا يدوم، ولأنه لا بد من أن يعود الحق إلى أهله.
2 - الصراع الذي يحول دون السلام في بلداننا
5 ما طبيعة الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟
الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو صراع سياسي واقتصادي. وهو أيضا صراع بين حضارتين، مع أن الشعبين من العرق السامي نفسه. وللدين أثر فيه، لأن كل المجتمعات في الشرق مبنية على الدين. فهو صراع سياسي بين شعبين ينتسبان إلى ثلاث ديانات: الإسلام واليهودية والمسيحية. ومن ثم له انعكاسات حضارية ودينية.
6 ما هو مصدر الصراع الأساسي؟
مصدر الصراع الأساسي هو التنازع على الأرض نفسها بين الشعبين الفلسطيني واليهودي. عاش كلاهما فيها بسلام مدة قرون. ولما انقلبت النسب السكانية، بالهجرة اليهودية المكثفة منذ مطلع هذا القرن العشرين، أحس الشعب الفلسطيني أنه في خطر، وأنه مهدد بفقدان أرضه وحريته. فتوقف السلام وبدأ الصراع. أعلن عن قيام دولة إسرائيل عام 1948، وجُرِّدَ الشعبُ الفلسطيني من العديد من قراه ومدنه ومن الكثير من أراضيه وممتلكاته، وأصبح الوف الفلسطينيين لاجئين في أنحاء العالم. حقق الشعب اليهودي إذًا دولته منذ 1948، وهو ينعم الآن بحريته وسيادته. وأما الشعب الفلسطيني فما زال في ما تبقى له من الأرض يعيش تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي، بالرغم من دخول السلطة الوطنية الفلسطينية قبل سنوات في جزء من الأراضي الفلسطينية. وهو اليوم يطالب بأمنه وحريته وحق تقرير مصيره واستقلاله الكامل في دولة خاصة به.
7 ما مكانة القدس في الصراع؟
القدس هي قلب الصراع بسبب مكانتها الدينية والتاريخية لدى الشعبين الفلسطيني واليهودي، ولدى الديانات الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام. إذا حُلَّت قضية القدس وجد الحل طريقه إلى قلب الصراع. وإذا لم يتحقق لها الحل بقي الصراع محتدما، ولن تكون الحلول أو الإجراءات الجزئية الأخرى كافية لتصل بالمنطقة إلى السلام المنشود.
وبما أن القدس هي قلب الصراع، وبما أن معظم الأماكن المقدسة للمسيحيين والمسلمين واليهود متواجدة فيها، فإنها تضفي على الصراع بعدا دينيا.
ولذلك فإن للمؤمنين بالله دورا رئيسا في المدينة المقدسة. يجب أن يعملوا في سبيل إحقاق الحق ومن ثم في سبيل المصالحة. القدس مقدسة، فاستمرار الصراع فيها، والإبقاء على المظالم وعدم التساوي بين الناس فيها، هو نقض لقدسية المدينة ولكل القيم الدينية. والمؤمنون الصادقون يتألمون لما يجري اليوم في المدينة المقدسة. إلا أن الألم لا يكفي، لأنه يجب على كل مؤمن صادق، من الديانات الثلاث، أن يتحمل مسؤولياته فيعمل على إزالة المظالم منها وتحقيق العدالة والمصالحة فيها.
8 آلام الفلسطينيين اليوم في القدس كثيرة. منها هدم منازلهم، وعدم الحصول على تصاريح بناء، وسحب الهويات ومن ثم فقد حقهم في البقاء في القدس أو الدخول إليها، وذلك بسبب تغيبهم عن القدس لأسباب عمل أو سكن أو أي سبب آخر، والتفرقة في الخدمات البلدية بين قسمي المدينة، وفرض نظام ضريبي يتناسب مع النظام الاقتصادي الإسرائيلي ولا يتناسب مع الوضع الاقتصادي الفلسطيني المحتل مما يسبب دمار البعض ووقف النمو الاقتصادي الخ... وتتضح هذه الآلام وتظهر بصورة أجلى حين تقارن مع التسهيلات التي توفر للسكان اليهود حتى الذين لم يولدوا في المدينة. على كل هذا ماذا تقول الكنيسة؟
في كل هذه الآلام، تتوجه الكنيسة إلى السلطات البلدية والسياسية المعنية لكي تتخذ الإجراءات اللازمة لوضع حد لها. فهدم المنازل أمر حرام. وحرمان أي إنسان حقه البقاء في بلده فقط للأسباب المذكورة أعلاه هو أيضا أمر حرام. ونقول إنه لا يمكن أن يبنى سلام القدس بخنق أصوات المظلومين أو بتجاهلها، بل بالإصغاء إليها وبمعالجتها بصورة فعالة.
3 - العمل في سبيل العدل
9 ما هو العدل؟
العدل هو الاعتراف بكرامة كل إنسان وبحقوق كل شعب، وباحترام هذه الكرامة وهذه الحقوق، ومن ثم إعطاء كل ذي حق حقه. ليس من السهل الاعتراف بالحقوق، حقوق الذات وحقوق الخصم. ولهذا يتطلب تحقيق العدل أيضا، بالإضافة إلى الجهود الخارجية السياسية او العسكرية، قدرا كبيرا من الجهاد الروحي في كل واحد منا
10 ماذا يقول الدين في السعي لتحقيق العدل؟
السعي لتحقيق العدل ليس فقط أمرا جائزا بل هو فرض على كل مؤمن بالله.
1) لأن الله هو مانح الحقوق لكل إنسان. ومن ثم على كل إنسان أن يحافظ على حقوقه وأن يحترم حقوق غيره.
2) لأن كل ديانة تدعو إلى البحث عن الحقيقة. والبحث عن الحقيقة هو البحث عن العدل. وعلى الإنسان أن يقبل الحقيقة كاملة، الحقيقة التي تخصه والتي تخص غيره ولو كان هذا الأخير خصمه وطرفا في النـزاع.
فالجهاد في سبيل العدل واجب على كل مؤمن. والجهاد يعني اتخاذ جميع الوسائل المشروعة في سبيل تحقيق العدل. ويجب أن نتذكر دائما أن العدل وحده لا يكفي في تسوية العلاقات بين الناس. بل يجب أن يُكمَّلَ العدلُ بالمحبة والرحمة اللتين تؤديان مع تحقيق العدل إلى المغفرة والمصالحة.
11 ما هي الوسائل المشروعة للدفاع عن العدل وعن حقوق الإنسان؟
الوسائل المشروعة هي الوسائل "العاقلة"، التي يمكنها أن تؤدي فعلا إلى وضع حد للظلم، وليس إلى مصائب أكبر تصيب المظلوم نفسه.
بين الوسائل المشروعة: المفاوضات على مستوى القادة السياسيين، والحوار بين رجال الدين، واللقاءات المختلفة والتعاون بين محبي السلام من الطرفين. العنفُ لن يحل الصراعَ الحالي بين الإسرائيليين والفلسطينيين. هناك وسائل أخرى تتصف باللاعنف، مثل المظاهرات، والحملات الإعلامية الموضوعية محليا وعالميا، والجهود السياسية والعمل في حلقات التأثير المحلية والعالمية الخ …
12 ما هي الشروط الأساسية للوصول إلى العدل؟
حتى يتمكن الناس من الوصول إلى العدل،
. يجب أن تخلو القلوب من روح العجرفة والسيطرة، وأن تسمو فوق الأنانية الفردية والقومية
. يجب أن تتحرر من كابوس الخوف.
. يجب أن يسود القلوبَ ثقةٌ متبادلة. ومخافة الله قبل كل شيء هي مصدر كل عدل.
. ومرة أخرى نؤكد أن الطريق الذي يمكن أن يؤدي الى العدل هو الحوار، لا القوة أو العنف.
13 ماذا يتطلب العدل في الصراع القائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟
الإسرائيليون الآن يركزون على الأمن. والفلسطينيون يطلبون الأمن وحق العودة والحرية الكاملة حتى يتمكنوا من خلق دولتهم المستقلة. إذن للإسرا ئيليين كما وللفلسطينيين، العدل يعني الاعتراف المتبادل بحقوق الطرف الآخر كاملة.
4 - العنف
14 ما هو العنف؟ وما أنواعه؟
العنف هو كل عمل يسبب للإنسان أو للجماعة ضررا جسيما في جسمه أو نفسه. وللعنف أشكال كثيرة مثل الحرب أو الاحتلال العسكري من قبل شعب لشعب آخر، أو مصادرة الأراضي، أو المقاومة المسلحة أو الإرهاب أو الرد على العنف بعنف أشد، أو العقاب الجماعي الخ … إغلاق المناطق الفلسطينية هو نوع من العنف إذ يسبب الاضطرابات والمصاعب في الحياة اليومية للناس (من حيث عدم توفُّرُ العمل والغذاء والتربية والمستشفيات والعلاقات الأسرية وحرية الحركة). وهناك أشكال أخرى من العنف في الصراع الحاضر وهي: إذلال الإنسان بكلمات أو حركات مثل تركيع الناس عند الحواجـز أو وقوفهم ووجههم الى الحائط أو ضربهم، وهدم البيوت مهما كان السبب، والتربية أو التحريض على الكراهية. والعنف من قبل الدولة في توجيهاتها لجنودها أو مواطنيها، أو استهداف السكان المدنيين والأبرياء للتأثير على العسكريين والمقاتلين، أو تنظيم عمليات اغتيال. وكذلك الافتراء ونعت الخصم بصفات تضفي عليه صورة الشر المطلق. كل هذا عنف.
15 ما هو الإرهاب؟
الإرهاب:
هو ممارسة العنف على طرف ثالث بقصد الضغط على العدو، مثل احتجاز رهائن لا مسؤولية لها مباشرة في الصراع.
هو ممارسة العنف من قبل الدولة أو الجماعات المنظمة أو الأفراد على أناس أبرياء مثل الصغار والأطفال والمدنيين عامة الذين لا ضلع لهم في الصراع، ولو انهم جزء من الشعب الذي هو طرف الصراع. مثل ذلك أيضا: إلقاء القذائف على المدنيين، والعقاب الجماعي، ورد الدولة على العنف بعنف مثله أو أشد، والتعذيب، واختطاف الأشخاص، ومعاقبة الأهل والأقارب بدل الشخص المسؤول، والاغتيـالات في صفوف الخصم، والتفجيرات في الطرق والساحات العامة الخ …
الإرهاب عمل لا منطقي ولا معقول وغير مقبول كوسيلة لحل أي نزاع. في حالة الإرهاب، المجرمون اثنان: أولا المنفذون للعمل والمخططون له والداعمون له. وثانيا هؤلاء الذين هم سبب في استمرارية أوضاع جائرة، حيث يكون الظلم هو المسبب للإرهاب.
16 هل يكون العنف أحيانا لازما ومشروعا؟
اللجوء إلى العنف يجب أن يكون آخر وسيلة يُلجأ إليها بعد استنفاد جميع الوسائل. وبحسب تعليم الكنيسة، لا يجوز اللجوء إليه إلا في الحالة القصوى لإزالة ظلم صريح ومستديم يلحق ضررا جسيما بالصالح العام.
17 ما هو مبدأ الدفاع عن النفس؟
حب النفس وواجب الدفاع عنها مبدأ أساسي في الأخلاق. الله هو أساس الكرامة البشرية ومصدر جميع حقوق الإنسان. فمحافظة الإنسان على نفسه والدفاع عن حقوقه والمطالبة بها هو إذن أمر مشروع وضروري. وكذلك الدفاع عن حقوق وكرامة الضعفاء والفقراء ومن هم ضحايا الظلم والعنف. من دافع عن حياته لا يعد قاتلا حتى ولو اضطر إلى أن يقتل خصمه. حجم العنف المشـروع يقاس بحجم الخطر الذي تتعرض له الحياة. فلا يجوز اللجوء إلى عنف أكبر مما يقتضيه الخطر المهدِّد حتى في حالة الدفاع عن النفس.
18 هل يمكن اللجوء إلى العنف من حيث المبدأ؟
ما عدا حالات الدفاع عن النفس، فإن مبدأ العنف مرفوض ولا يمكن اعتباره قاعدة عادية للعمل. ومن ثم لا يمكن اعتبـار العنف مبدأ مشروعا بصورة مطلقة . قال البابا يوحنا بولس الثاني " حتى يسود السلام في القلوب يجب أن تتركوا جميع أشكال البغض والعنف. العنف لا يولد إلا العنف. إذا استمر الرد على العنف بالعنف لن يقدر أحد أن يوقفه" (من خطاب له في ليسوتو في إفريقيا في 15/9/1988).
19 ما هي الخطوط الحمراء التي لا يجوز للمقاومة المسلحة أن تتجاوزها؟
الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها في أية حالة هي كل ما يمكن أن يكون إرهابا بحسب التعريف الذي ذكرناه سابقا. "لا يجوز أن تلجأ السلطة الحاكمة أو مجموعة المقاومة إلى وسائل إجرامية مثل الثأر من الناس عامة أو التعذيب أو وسائل الإرهاب" (الحرية المسيحية والتحرير رقم 79). وكما قلنا سابقا، لا يجوز اللجوء إلى العنف إلا في الحالات القصوى لإزالة ظلم صريح ومستديم ينجم عنه ضرر جسيم للصالح العام.
5 - دور الديانة
20 ما دور الديانة في الصراع وفي السلام؟
الديانة هي أولا الإيمان بالله الواحد الأحد خالق الكون، وهي ثانيا محبة جميع خلق الله. قال السيد المسيح: "أحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل قوتك وكل ذهنك. وأحبب قريبك حبك لنفسك" (ر. لوقا 10: 27؛ ر. تثنية 6: 5 وأحبار 18:19). لا بد من التوفيق طبعا والتنسيق بين هذه المحبة وبين حق الدفاع عن النفس وعن كرامة كل إنسان. لأن المحبة لا تقبل أي شكل من أشكال الطغيان والظلم.
الديانة هي ذاكرة الماضي للشعب وللفرد المؤمن. وهي نبؤة أي نور للحاضر والمستقبل. المؤمن الصادق ينظر إلى الصعوبات الحاضرة ويعمل على رأب الصدع بحسب ما تمليه عليه علاقته بربه. النبوة تملأ قلب المؤمن نورا ينفذ بقوته إلى إدراك سر الله ومشيئته من وراء الأحداث الحاضرة، وتملأه أملا يستشرق به المستقبل، ويتغلب بقوته على عقبات الحاضر ومظالمه وإحباطاته وعلى كل ما يبدو فيه مستحيلا. فالديانة في حالات الصراع هي مصدر أمل مؤسس على نور الله.
21 كيف تظهر الديانة في الصراع؟
تنفذ الديانة في الشرق إلى جميع مجالات الحياة الخاصة والعامة وتنعشها وتؤثر فيها. كل شيء يبتدئ وينتهي باسم الله وكل شيء يتم باسم الله. باسم الله تبدأ الحرب وباسم الله توقع معاهدات السلام. ولهذا فإن لصوت رؤساء الدين وتوجيهاتهم أثرا حاسما في نفوس المؤمنين في كلا الطرفين: فهم يقدرون أن يحملوا على الحرب والعنف ويقدرون أن يدعوا إلى السلام.
قد تتحول الديانة أحيانا إلى تطرف ديني وإلى دعوة إلى العنف يمكن أن تصل إلى الإرهاب، وذلك في سبيل الدفاع عن الحضارة أو الهوية القومية. وقد يحصل أيضا أن يستغل رجال السياسة أنفسهم وجها خاصا من أوجه الديانة للتوصل إلى أهدافهم. فتُرتكب حينئذ أشنع أعمال العنف باسم الله الرحيم والمحب للبشر، ويقوم المؤمنون بالقتل وانتزاع الحياة باسم الله الذي هو مصدر الحياة.
22 ما الذي يؤدي إلى هذه المواقف الدينية المتطرفة؟
الديانة هي ملجأ يسمو فوق المواقف والحدود البشرية. فهي أداة ووسيلة لمواجهة واقع سيطرة غير مشروعة ولمواجهة القوة المادية الغاشمة، سبب الإحباط والإذلال. تعتبر الديانة في هذه الحال بمثابة الوسيلة الوحيدة والأداة الفعالة للتحرر أو للانتقام من الظالم.
الأسباب المؤدية إلى المواقف المتطرفة كثيرة وهي:
. استمرار الظلم على مستوى الأفراد والشعوب
. وعلاقة القوي بالضعيف التي تستند على القوة فقط
. ومادية التكنولوجيا العصرية وتسخير القيم الروحية بصورة خفية أو ظاهرة لمصالح الدولة.
يبدو التطرف الديني في هذه الحال بمثابة الملجأ الأخير بعد استنفاد الوسائل الأخرى مثل المقاومة المسلحة أو السلمية أو المفاوضات الخ …حين تبدو هذه الوسائل كلها غير فاعلة لإحقاق الحق وإزالة الباطل.
وهناك أسباب أخرى أيضا وهي:
. فهم غير سليم للديانة ولتفسيرها
. وأحيانا تسخير وسؤ استعمال مقصود للديانة. لأنه من السهل تسيير