stemma logo

Patriarch Emeritus

Pastoral Letters

 

Archives

 

 

( في بهــاء الســــلام )

ابْتَــغِ السَّــلامَ وَاسْـعَ إلَيْــهِ

(مزمور 33: 15)

 

طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إلى البِرِّ، فَإنَّهُمْ يُشْبَعُونَ

طُوبَى لِلسَّاعِينَ إلى السَّلامِ لأنَّهُمْ أبْنَاءَ الله يُدْعَوْن

(متى 5: 6و 9)

سؤال وجواب

في البحث عن العدل والسلام في أرضنالمقدسة

15 أيلول 1998

تقــديــــم

 

أيها الأخوة والأخوات الأعزاء

نحييكم، ومع يسوع القائم من بين الأموات ممجدا، وباعثا فينا الأمل والقوة لنحيا معه حياة جديدة، نقول لكم: السلام لكم (يوحنا 20: 19 و21).

1       في رسالتنا الرعوية عام 1990 "أطلبوا السلام لأورشليم"، أردنا أن نقدم لكم رؤية إنجيلية للأحداث في فترة الانتفاضة الصعبة التي اجتزناها معا. واليوم أصبحنا نواجه أوضاعا جديدة ومرحلة جديدة في البحث عن العدل والسلام في أرضنا المقدسة. بدأت إثر الانتفاضة محادثات مدريد (1991)، ثم اتفاقات اوسلو (1993)، وتلا ذلك اتفاقات مختلفة أثرت وما زالت تؤثر على الواقع الذي نعيشه: المحادثات بين الكرسي الرسولي واسرائيل والاتفاق على المبادئ الذي تلاه، وتوقيع السلام بين الاردن واسرائيل، وتسلُّم السلطة الوطنية الفلسطينية مهامها في عام 1994. ومع هذا كله، ما زال الوضع العام حتى اليوم وضع معاناة كبيرة، ومسيرة العدل والسلام ما زالت متعثرة، بل قال البعض إنها ميتة. فالسلام ما زال بعيدا .
          بالرغم من هذا كله، ما زال البعض صامدين، وهم يقولون: يجب أن نتابع المسيرة في البحث عن العدل والسلام. بينما أحبِط البعض، ومنهم من قال: لم يبق أمامنا سوى العودة إلى طريق العنف والقوة، لنحصِّل ما يمكن تحصيله من حقوقنا. وقال غيرهم: لم يبق لنا أمل في شيء. لم يبق أمامنا إلا الرحيل أو انتهاز كل الفرص المتاحة للعيش، بغض النظر عن الكرامة والحقوق. ولهذا ظهر الفساد في صفوف المسؤولين والشعب، وراحوا يجنون ما يستطيعون إليه سبيلا غير مكترثين لا لآلام الناس ومعاناتهم ولا للحق الذي من دونه لن تستقر حياتنا.
          في مثل هذه الأوضاع، يتساءل المؤمنون ويطرحون الأسئلة الكثيرة على رعاتهم الذين جعلهم الله مرشدين وهداة للشعب. ونريد اليوم أن نحاول الإجابة على بعض هذه الأسئلة، لنقدم رؤية الإيمان في الأحداث التي نعيشها.

2       نقدم مقالتنا هذه إلى جميع مؤمنِينا، وإلى جميع سكان هذه الأرض المقدسة الساعين بطرق شتى، وبحسب رؤى مختلفة ومتضاربة في البحث عن العدل والسلام. أردنا أن نقدم في هذه الصفحات إجابات موجزة وواضحة، بقدر ما يمكن أن تكون الرؤية واضحة في هذه القضايا، على أسئلة كثيرة ومعقدة تطرح علينا في كل لحظة من حياتنا اليومية. وقصدنا هو التوصل إلى رؤية مسيحية في العدل والسلام، في الصراع الذي ما زال يملأ القلوب والأذهان.

3       رؤيتنا الأساسية هي أن الله هو خالق الجميع، الأفراد والشعوب كلها. وكرامة كل إنسان هي من كرامة الله. وكلنا متساوون في هذه الكرامة. ومن ثم المساواة بين الشعوب والأفراد في الحقوق والواجبات. وبناء على هذا لا بد من أن يعترف كل واحد بحقوق الآخر، بل ومن واجبه ألا يعيق الآخر في تتميم واجباته وتحصيل حقوقه. كل فرد وكل شعب يحق له ويجب عليه أن يطالب بجميع حقوقه إذا ما وقع عليها اعتداء، ومن واجبه وحقه أن يتمتع بكامل حريته لتتميم جميع واجباته والدفاع عن جميع حقوقه. بل ويجب مساعدة كل فرد وكل شعب في سعيه في طلب العدل، لأن تحقيق العدل يؤدّي إلى تحقيق السلام للجميع. من غير العدل أي إذا هُضمت الحقوق وبقيت مهضومة تبقى طريق السلام مسدودة.
ومن أسس رؤيتنا أيضا أن طرق السلام وحدها تؤدي إلى السلام. بالعنف يمكن أن تُكسَبَ المعارك أو الحروب. وبالقوة والعنف يمكن أن تولد دولة وأن تفرض نفسها كواقع. أما السلام فلا يمكن أن يكون إلا ثمرة السلام. والواقع الذي نعيشه يؤكد ما نقول. بالقوة والعنف كسبت إسرائيل معارك. وكونت الدولة. وأما السلام والأمن فما زالت تطلبهما وتحاول عبثا فرضهما بالقوة. وكذلك الفلسطينيون لم يحققوا من خلال الصراع الذي أصبح عمره أكثر من مئة عام بين الشعبين العربي والإسرائيلي، لم يحققوا المكاسب ولا وصلوا إلى السلام. الحوار هو الطريق، والمفاوضات، على ألا تكون الاتفاقات التي تليها، تواقيع على الورق وحسب، بل يجب أن تحقق العدل للجميع. لأنه مع تحقيق العدل فقط يبدأ غرس السلام في القلوب.

4       نرجو أن تساعد هذه الأفكار المؤمنين لكي يحددوا مواقفهم في الفترة الراهنة التي نبحث فيها عن العدل والسلام، ولما يبلغ الصراع بعد حله النهائي. ولكي ينعشوا الأمل في نفوسهم ويتصرفوا في زمن الشدة محاولين أن يستشفوا سر الله في جميع الأحداث.كل مؤمن مدعو لتحمل مسؤولياته في هذه الفترة من تاريخه، مستلهما كلمة الله وتعاليم الكنيسة. إن الفترة الراهنة هي من أصعب الفترات التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، بسبب تدهور الأوضاع وعدم الاستقرار العام السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي يسوده. في مثل هذه الفترات يحتاج المؤمن المسيحي إلى كل ما في إيمانه من قوة ورجاء يسندان مسيرته ومعاناته اليومية.

5       تعرض رؤساء الكنائس في القدس أكثر من مرة للانتقاد من قبل الجهات الرسمية على أنهم يتدخلون على غير حق في الشؤون السياسية، وقيل إنهم منحازون لطرف واحد. تبين هذه الصفحات أنه من حق رؤساء الكنائس، بل هو واجب عليهم، التدخل في ما يقال إنه "سياسي"، حين ينجم عن هذا الوضع السياسي عدم استقرار عام في الحياة اليومية للناس، وحين يكون هذا الوضع السياسي عبارة عن مظالم كثيرة، تحد من الحرية وتغذي الإحباط في النفوس ومن ثم العنف المطلوب تجنبه، والذي تزرعه وتنميه المظالم في نفوس الناس. ولهذا إذا تكلمت الكنيسة فإنها لا تفعل ذلك لتنحاز أو لتحرض طرفا على آخر. إنما تريد أن تقوم بواجبها وهو الإشارة إلى الظلم والدفاع عن المظلوم وتأكيد حقه على المطالبة بحميع حقوقه. وهي في الوقت نفسه وبالكلام نفسه تدعو مسبب الظلم لكي يتحرر هو أيضا من الظلم الذي يوقعه على غيره. فإذا ما أزيل الظلم وتمتع كل واحد وكل شعب بحقوقه زال العنف واستتب الأمن والسلام.
فإلى القادة السياسيين الذين يمسكون اليوم بأيديهم بمقدرات الشعوب، وهم قادرون على إيجاد الحل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي والعربي الإسرائيلي، لهم أيضا نقدم رسالتنا هذه إسهاما متواضعا في سبيل الوصول إلى سلام حقيقي ونهائي مبني على العدل والكرامة المتساوية للجميع.

 

1 - السلام الذي يطلبه الجميع

1       ما هو السلام؟
ليس السلام غياب الحرب فقط، ولا هو مبني على توازن القوى المتعادية. ولا يمكن أن يكون ثمرة لسيطرة ظالمة أو لاحتلال عسكري. السلام هو ثمرة نظام وضعه الله في المجتمع البشري. (ر. فرح ورجاء رقم 78) وفي نفوس الناس. هو قبل كل شيء ثمرة العدل. وهو ثمرة الحقيقة والحرية والمحبة التي تَقدر أن تصنع أكثر مما يمكن أن يصنعه العدل وحده.
السلام يفترض المحافظة على ما هو خير للأفراد والشعوب. ويقوم بالاحترام المتبادل لحرية الجميع وحقوقهم وحدود أراضيهم وكامل سيادتهم عليها.

2       هل للسلام صلة ما بالإيمان بالله؟
للسلام صلة مباشرة بالله، لأن الله سبحانه هو في ذاته كمال السلام والمحبة، وهوخالق جميع الناس، ويريد أن يشركهم في حياته السعيدة. وقد أرسل إلينا كلمته ابنه الوحيد، لكي يجمع البشر في أسرة الله واحدة، ويعيد إلى الوحدة الأبناء الذين شتَّتَتْهم الخطيئة وجعلتهم أعداء بعضهم لبعض (ر. يوحنا 11: 52). يسوع المسيح كلمة الله هو سلامنا وصلحنا. هو الذي قتل الضغينة في جسده (ر. أفسس 2: 14). لهذا ترنم الملائكة يوم ولد في بيت لحم قائلين: "المجد لله في العلى والسلام على الأرض للناس ذوي الإرادة الصالحة" (لوقا 2: 14).
بعد أن قهر يسوع الموت والشر، وقام من بين الأموات، استطاع أن يبشر تلاميذه بالسلام، وأن يمنحه لكل من آمن به: "السلام أستودعكم. سلامي أمنحكم. لا أعطي أنا كما يعطي العالم. فلا تضطرب قلوبكم ولا تفزع" (يوحنا 14: 27).
فالسلام هو قبل كل شيء هبة من الله. والسلام الحقيقي بين الناس المؤسس على العدل والمحبة هو صورة وانعكاس ونتيجة لسلام الله.
من ناحية أخرى السلام هو مهمة عهد بها الله إلينا لنبحث وندافع عنها في كل لحظة من لحظات حياتنا. فهو خير يجب أن نجِدَّ السعي في طلبه وفي الدفاع عنه. ولذلك فهو لا يتحقق كله مرة واحدة، بل هو ثمرة جهاد مستمر.
العمل من أجل السلام هو تتميم مشيئة الله في التاريخ الذي نصنعه ونعيشه. من آمن بالله وأحب الله عمل على محبة جميع خلائق الله، وسعى مع الجميع لبناء السلام.
          السلام هو إذن في الوقت نفسه هبة من الله ومجهود من قبل الناس ذوي الإرادة الصالحة. قال البابا يوحنا الثالث والعشرون في رسالته "السلام على الأرض" (رقم 168): "السلام أرفع وأسمى من أن يُترَكَ لمجهود البشر وحدهم مهما كانت إرادتهم حسنة".

3       ما هو السلام الذي نريده لنا ولشعوب الأرض المقدسة والمنطقة؟
نسأل الله للجميع السلام الحقيقي أي السلام المؤسس على العدل والمحبة كما علم يسوع المسيح في العظة على الجبل. نسأل الله السلام الذي يضمن جميع الحقوق لجميع الأطراف المتخاصمة. نطلب السلام الذي يمكن أن يضمن الأمن للفلسطينيين والإسرائيليين ولجميع الشعوب في المنطقة. السلام الذي يقوم باحترام الكرامة والحرية والسيادة والحقوق لكل فرد ولكل شعب، في إسرائيل وفلسطين والأردن وفي جميع بلدان المنطقة، بحيث لا يتصرف أي بلد ويكون تصرفه خطرا يهدد غيره في أرضه وفي حقوقه.

4       هل يقتضي السلام أن يتنازل الإنسان عن حقوقه وأن يرضى بالمظالم؟
لا يمكن لأحد لأي سبب كان أن يطلب من المظلومين أن يبقوا صامتين وألا يطالبوا بحقوقهم. لأنه لا يمكن أن يستقر السلام مع الاعتداء على الحقوق ولا مع التنازل، أي مع الظلم. القبول بالظلم والتنازل عن الحقوق الشرعية لا يؤديان إلى السلام. وإذا فُرِضَ سلام مع الظلم، فهو سلام مضلِّل سوف يكون مصدر دمار مثل الحرب نفسها، لأن الظلم لا يدوم، ولأنه لا بد من أن يعود الحق إلى أهله.

 

2 - الصراع الذي يحول دون السلام في بلداننا

5       ما طبيعة الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟
الصراع بين الإسرائيليين والفلسطينيين هو صراع سياسي واقتصادي. وهو أيضا صراع بين حضارتين، مع أن الشعبين من العرق السامي نفسه. وللدين أثر فيه، لأن كل المجتمعات في الشرق مبنية على الدين. فهو صراع سياسي بين شعبين ينتسبان إلى ثلاث ديانات: الإسلام واليهودية والمسيحية. ومن ثم له انعكاسات حضارية ودينية.

6       ما هو مصدر الصراع الأساسي؟
مصدر الصراع الأساسي هو التنازع على الأرض نفسها بين الشعبين الفلسطيني واليهودي. عاش كلاهما فيها بسلام مدة قرون. ولما انقلبت النسب السكانية، بالهجرة اليهودية المكثفة منذ مطلع هذا القرن العشرين، أحس الشعب الفلسطيني أنه في خطر، وأنه مهدد بفقدان أرضه وحريته. فتوقف السلام وبدأ الصراع. أعلن عن قيام دولة إسرائيل عام 1948، وجُرِّدَ الشعبُ الفلسطيني من العديد من قراه ومدنه ومن الكثير من أراضيه وممتلكاته، وأصبح الوف الفلسطينيين لاجئين في أنحاء العالم. حقق الشعب اليهودي إذًا دولته منذ 1948، وهو ينعم الآن بحريته وسيادته. وأما الشعب الفلسطيني فما زال في ما تبقى له من الأرض يعيش تحت الاحتلال العسكري الإسرائيلي، بالرغم من دخول السلطة الوطنية الفلسطينية قبل سنوات في جزء من الأراضي الفلسطينية. وهو اليوم يطالب بأمنه وحريته وحق تقرير مصيره واستقلاله الكامل في دولة خاصة به.

7       ما مكانة القدس في الصراع؟
القدس هي قلب الصراع بسبب مكانتها الدينية والتاريخية لدى الشعبين الفلسطيني واليهودي، ولدى الديانات الثلاث، اليهودية والمسيحية والإسلام. إذا حُلَّت قضية القدس وجد الحل طريقه إلى قلب الصراع. وإذا لم يتحقق لها الحل بقي الصراع محتدما، ولن تكون الحلول أو الإجراءات الجزئية الأخرى كافية لتصل بالمنطقة إلى السلام المنشود.
وبما أن القدس هي قلب الصراع، وبما أن معظم الأماكن المقدسة للمسيحيين والمسلمين واليهود متواجدة فيها، فإنها تضفي على الصراع بعدا دينيا.
ولذلك فإن للمؤمنين بالله دورا رئيسا في المدينة المقدسة. يجب أن يعملوا في سبيل إحقاق الحق ومن ثم في سبيل المصالحة. القدس مقدسة، فاستمرار الصراع فيها، والإبقاء على المظالم وعدم التساوي بين الناس فيها، هو نقض لقدسية المدينة ولكل القيم الدينية. والمؤمنون الصادقون يتألمون لما يجري اليوم في المدينة المقدسة. إلا أن الألم لا يكفي، لأنه يجب على كل مؤمن صادق، من الديانات الثلاث، أن يتحمل مسؤولياته فيعمل على إزالة المظالم منها وتحقيق العدالة والمصالحة فيها.

8       آلام الفلسطينيين اليوم في القدس كثيرة. منها هدم منازلهم، وعدم الحصول على تصاريح بناء، وسحب الهويات ومن ثم فقد حقهم في البقاء في القدس أو الدخول إليها، وذلك بسبب تغيبهم عن القدس لأسباب عمل أو سكن أو أي سبب آخر، والتفرقة في الخدمات البلدية بين قسمي المدينة، وفرض نظام ضريبي يتناسب مع النظام الاقتصادي الإسرائيلي ولا يتناسب مع الوضع الاقتصادي الفلسطيني المحتل مما يسبب دمار البعض ووقف النمو الاقتصادي الخ... وتتضح هذه الآلام وتظهر بصورة أجلى حين تقارن مع التسهيلات التي توفر للسكان اليهود حتى الذين لم يولدوا في المدينة. على كل هذا ماذا تقول الكنيسة؟
          في كل هذه الآلام، تتوجه الكنيسة إلى السلطات البلدية والسياسية المعنية لكي تتخذ الإجراءات اللازمة لوضع حد لها. فهدم المنازل أمر حرام. وحرمان أي إنسان حقه البقاء في بلده فقط للأسباب المذكورة أعلاه هو أيضا أمر حرام. ونقول إنه لا يمكن أن يبنى سلام القدس بخنق أصوات المظلومين أو بتجاهلها، بل بالإصغاء إليها وبمعالجتها بصورة فعالة.

 

3 - العمل في سبيل العدل

9       ما هو العدل؟
العدل هو الاعتراف بكرامة كل إنسان وبحقوق كل شعب، وباحترام هذه الكرامة وهذه الحقوق، ومن ثم إعطاء كل ذي حق حقه. ليس من السهل الاعتراف بالحقوق، حقوق الذات وحقوق الخصم. ولهذا يتطلب تحقيق العدل أيضا، بالإضافة إلى الجهود الخارجية السياسية او العسكرية، قدرا كبيرا من الجهاد الروحي في كل واحد منا

10     ماذا يقول الدين في السعي لتحقيق العدل؟
السعي لتحقيق العدل ليس فقط أمرا جائزا بل هو فرض على كل مؤمن بالله.
1) لأن الله هو مانح الحقوق لكل إنسان. ومن ثم على كل إنسان أن يحافظ على حقوقه وأن يحترم حقوق غيره.
2) لأن كل ديانة تدعو إلى البحث عن الحقيقة. والبحث عن الحقيقة هو البحث عن العدل. وعلى الإنسان أن يقبل الحقيقة كاملة، الحقيقة التي تخصه والتي تخص غيره ولو كان هذا الأخير خصمه وطرفا في النـزاع.
فالجهاد في سبيل العدل واجب على كل مؤمن. والجهاد يعني اتخاذ جميع الوسائل المشروعة في سبيل تحقيق العدل. ويجب أن نتذكر دائما أن العدل وحده لا يكفي في تسوية العلاقات بين الناس. بل يجب أن يُكمَّلَ العدلُ بالمحبة والرحمة اللتين تؤديان مع تحقيق العدل إلى المغفرة والمصالحة.

11     ما هي الوسائل المشروعة للدفاع عن العدل وعن حقوق الإنسان؟
الوسائل المشروعة هي الوسائل "العاقلة"، التي يمكنها أن تؤدي فعلا إلى وضع حد للظلم، وليس إلى مصائب أكبر تصيب المظلوم نفسه.
          بين الوسائل المشروعة: المفاوضات على مستوى القادة السياسيين، والحوار بين رجال الدين، واللقاءات المختلفة والتعاون بين محبي السلام من الطرفين. العنفُ لن يحل الصراعَ الحالي بين الإسرائيليين والفلسطينيين. هناك وسائل أخرى تتصف باللاعنف، مثل المظاهرات، والحملات الإعلامية الموضوعية محليا وعالميا، والجهود السياسية والعمل في حلقات التأثير المحلية والعالمية الخ

12     ما هي الشروط الأساسية للوصول إلى العدل؟
حتى يتمكن الناس من الوصول إلى العدل،
. يجب أن تخلو القلوب من روح العجرفة والسيطرة، وأن تسمو فوق الأنانية الفردية والقومية
. يجب أن تتحرر من كابوس الخوف.
. يجب أن يسود القلوبَ ثقةٌ متبادلة. ومخافة الله قبل كل شيء هي مصدر كل عدل.
. ومرة أخرى نؤكد أن الطريق الذي يمكن أن يؤدي الى العدل هو الحوار، لا القوة أو العنف.

13     ماذا يتطلب العدل في الصراع القائم بين الإسرائيليين والفلسطينيين؟
الإسرائيليون الآن يركزون على الأمن. والفلسطينيون يطلبون الأمن وحق العودة والحرية الكاملة حتى يتمكنوا من خلق دولتهم المستقلة. إذن للإسرا ئيليين كما وللفلسطينيين، العدل يعني الاعتراف المتبادل بحقوق الطرف الآخر كاملة.
4 - العنف

14     ما هو العنف؟ وما أنواعه؟
          العنف هو كل عمل يسبب للإنسان أو للجماعة ضررا جسيما في جسمه أو نفسه. وللعنف أشكال كثيرة مثل الحرب أو الاحتلال العسكري من قبل شعب لشعب آخر، أو مصادرة الأراضي، أو المقاومة المسلحة أو الإرهاب أو الرد على العنف بعنف أشد، أو العقاب الجماعي الخ إغلاق المناطق الفلسطينية هو نوع من العنف إذ يسبب الاضطرابات والمصاعب في الحياة اليومية للناس (من حيث عدم توفُّرُ العمل والغذاء والتربية والمستشفيات والعلاقات الأسرية وحرية الحركة). وهناك أشكال أخرى من العنف في الصراع الحاضر وهي: إذلال الإنسان بكلمات أو حركات مثل تركيع الناس عند الحواجـز أو وقوفهم ووجههم الى الحائط أو ضربهم، وهدم البيوت مهما كان السبب، والتربية أو التحريض على الكراهية. والعنف من قبل الدولة في توجيهاتها لجنودها أو مواطنيها، أو استهداف السكان المدنيين والأبرياء للتأثير على العسكريين والمقاتلين، أو تنظيم عمليات اغتيال. وكذلك الافتراء ونعت الخصم بصفات تضفي عليه صورة الشر المطلق. كل هذا عنف.

 

15     ما هو الإرهاب؟
الإرهاب:
هو ممارسة العنف على طرف ثالث بقصد الضغط على العدو، مثل احتجاز رهائن لا مسؤولية لها مباشرة في الصراع.
هو ممارسة العنف من قبل الدولة أو الجماعات المنظمة أو الأفراد على أناس أبرياء مثل الصغار والأطفال والمدنيين عامة الذين لا ضلع لهم في الصراع، ولو انهم جزء من الشعب الذي هو طرف الصراع. مثل ذلك أيضا: إلقاء القذائف على المدنيين، والعقاب الجماعي، ورد الدولة على العنف بعنف مثله أو أشد، والتعذيب، واختطاف الأشخاص، ومعاقبة الأهل والأقارب بدل الشخص المسؤول، والاغتيـالات في صفوف الخصم، والتفجيرات في الطرق والساحات العامة الخ
الإرهاب عمل لا منطقي ولا معقول وغير مقبول كوسيلة لحل أي نزاع. في حالة الإرهاب، المجرمون اثنان: أولا المنفذون للعمل والمخططون له والداعمون له. وثانيا هؤلاء الذين هم سبب في استمرارية أوضاع جائرة، حيث يكون الظلم هو المسبب للإرهاب.

16     هل يكون العنف أحيانا لازما ومشروعا؟
          اللجوء إلى العنف يجب أن يكون آخر وسيلة يُلجأ إليها بعد استنفاد جميع الوسائل. وبحسب تعليم الكنيسة، لا يجوز اللجوء إليه إلا في الحالة القصوى لإزالة ظلم صريح ومستديم يلحق ضررا جسيما بالصالح العام.
         
17     ما هو مبدأ الدفاع عن النفس؟
حب النفس وواجب الدفاع عنها مبدأ أساسي في الأخلاق. الله هو أساس الكرامة البشرية ومصدر جميع حقوق الإنسان. فمحافظة الإنسان على نفسه والدفاع عن حقوقه والمطالبة بها هو إذن أمر مشروع وضروري. وكذلك الدفاع عن حقوق وكرامة الضعفاء والفقراء ومن هم ضحايا الظلم والعنف. من دافع عن حياته لا يعد قاتلا حتى ولو اضطر إلى أن يقتل خصمه. حجم العنف المشـروع يقاس بحجم الخطر الذي تتعرض له الحياة. فلا يجوز اللجوء إلى عنف أكبر مما يقتضيه الخطر المهدِّد حتى في حالة الدفاع عن النفس.

18     هل يمكن اللجوء إلى العنف من حيث المبدأ؟
ما عدا حالات الدفاع عن النفس، فإن مبدأ العنف مرفوض ولا يمكن اعتباره قاعدة عادية للعمل. ومن ثم لا يمكن اعتبـار العنف مبدأ مشروعا بصورة مطلقة . قال البابا يوحنا بولس الثاني " حتى يسود السلام في القلوب يجب أن تتركوا جميع أشكال البغض والعنف. العنف لا يولد إلا العنف. إذا استمر الرد على العنف بالعنف لن يقدر أحد أن يوقفه" (من خطاب له في ليسوتو في إفريقيا في 15/9/1988).
19     ما هي الخطوط الحمراء التي لا يجوز للمقاومة المسلحة أن تتجاوزها؟
          الخطوط الحمراء التي لا يجوز تجاوزها في أية حالة هي كل ما يمكن أن يكون إرهابا بحسب التعريف الذي ذكرناه سابقا. "لا يجوز أن تلجأ السلطة الحاكمة أو مجموعة المقاومة إلى وسائل إجرامية مثل الثأر من الناس عامة أو التعذيب أو وسائل الإرهاب" (الحرية المسيحية والتحرير رقم 79). وكما قلنا سابقا، لا يجوز اللجوء إلى العنف إلا في الحالات القصوى لإزالة ظلم صريح ومستديم ينجم عنه ضرر جسيم للصالح العام.

 

5 - دور الديانة

20     ما دور الديانة في الصراع وفي السلام؟
الديانة هي أولا الإيمان بالله الواحد الأحد خالق الكون، وهي ثانيا محبة جميع خلق الله. قال السيد المسيح: "أحبب الرب إلهك بكل قلبك وكل نفسك وكل قوتك وكل ذهنك. وأحبب قريبك حبك لنفسك" (ر. لوقا 10: 27؛ ر. تثنية 6: 5 وأحبار 18:19). لا بد من التوفيق طبعا والتنسيق بين هذه المحبة وبين حق الدفاع عن النفس وعن كرامة كل إنسان. لأن المحبة لا تقبل أي شكل من أشكال الطغيان والظلم.
الديانة هي ذاكرة الماضي للشعب وللفرد المؤمن. وهي نبؤة أي نور للحاضر والمستقبل. المؤمن الصادق ينظر إلى الصعوبات الحاضرة ويعمل على رأب الصدع بحسب ما تمليه عليه علاقته بربه. النبوة تملأ قلب المؤمن نورا ينفذ بقوته إلى إدراك سر الله ومشيئته من وراء الأحداث الحاضرة، وتملأه أملا يستشرق به المستقبل، ويتغلب بقوته على عقبات الحاضر ومظالمه وإحباطاته وعلى كل ما يبدو فيه مستحيلا. فالديانة في حالات الصراع هي مصدر أمل مؤسس على نور الله.

21     كيف تظهر الديانة في الصراع؟
          تنفذ الديانة في الشرق إلى جميع مجالات الحياة الخاصة والعامة وتنعشها وتؤثر فيها. كل شيء يبتدئ وينتهي باسم الله وكل شيء يتم باسم الله. باسم الله تبدأ الحرب وباسم الله توقع معاهدات السلام. ولهذا فإن لصوت رؤساء الدين وتوجيهاتهم أثرا حاسما في نفوس المؤمنين في كلا الطرفين: فهم يقدرون أن يحملوا على الحرب والعنف ويقدرون أن يدعوا إلى السلام.
          قد تتحول الديانة أحيانا إلى تطرف ديني وإلى دعوة إلى العنف يمكن أن تصل إلى الإرهاب، وذلك في سبيل الدفاع عن الحضارة أو الهوية القومية. وقد يحصل أيضا أن يستغل رجال السياسة أنفسهم وجها خاصا من أوجه الديانة للتوصل إلى أهدافهم. فتُرتكب حينئذ أشنع أعمال العنف باسم الله الرحيم والمحب للبشر، ويقوم المؤمنون بالقتل وانتزاع الحياة باسم الله الذي هو مصدر الحياة.
22     ما الذي يؤدي إلى هذه المواقف الدينية المتطرفة؟
          الديانة هي ملجأ يسمو فوق المواقف والحدود البشرية. فهي أداة ووسيلة لمواجهة واقع سيطرة غير مشروعة ولمواجهة القوة المادية الغاشمة، سبب الإحباط والإذلال. تعتبر الديانة في هذه الحال بمثابة الوسيلة الوحيدة والأداة الفعالة للتحرر أو للانتقام من الظالم.
الأسباب المؤدية إلى المواقف المتطرفة كثيرة وهي:
. استمرار الظلم على مستوى الأفراد والشعوب
. وعلاقة القوي بالضعيف التي تستند على القوة فقط
. ومادية التكنولوجيا العصرية وتسخير القيم الروحية بصورة خفية أو ظاهرة لمصالح الدولة.
          يبدو التطرف الديني في هذه الحال بمثابة الملجأ الأخير بعد استنفاد الوسائل الأخرى مثل المقاومة المسلحة أو السلمية أو المفاوضات الخ حين تبدو هذه الوسائل كلها غير فاعلة لإحقاق الحق وإزالة الباطل.
          وهناك أسباب أخرى أيضا وهي:
. فهم غير سليم للديانة ولتفسيرها
. وأحيانا تسخير وسؤ استعمال مقصود للديانة. لأنه من السهل تسيير الجموع وتحريكها بواسطة الديانة.
          التطرف الديني يحوِّل الديانة من عبادة الله إلى عبادة الذات الفردية أو الجماعية. في هذه الحال يُحِلُّ المؤمن نفسه محل الله. فبحجة الديانة أو الدفاع عن مصالح الله، يسعى المرء بوعي أو بغير وعي إلى الدفاع عن مصالحه الخاصة فردا كان أم شعبا. بالإضافة إلى ذلك فإن التطرف الديني لا يأخذ بعين الاعتبار مفهوم التاريخ وتطوره، ويحصر نفسه في معالم اللحظة الراهنة.

23     أصحيح أن الديانات هي التي تفرق بين الناس وتولد الحروب؟
          يبدو ذلك صحيحا إذا نظرنا إلى تصرف بعض المؤمنين اليوم أو في التاريخ الماضي. الصحيـح أن الديانات توحد الناس فيما بينهم كما توحدهم أمام ربهم. وإنما الذي يفرق بين الناس هو سوء فهم بعض المؤمنين أنفسهم لدينهم ولما يطلبه الله منهم. فليست الديانة هي السبب في التفريق بين الناس، بل مصدر التفرقة والمخاصمات والحروب هم الناس أنفسهم الذين يسيئون فهم الدين أو يسيئون استعماله.

24     هل يجوز لرجال الدين المسيحي أن يشتركوا في قتال مسلح ولو كان مشروعا؟
          لا يجوز ذلك على الإطلاق. فرجل الدين اختار لنفسه مهمة تقوم بالصلاة من أجل الناس، وبتوجيههم إلى الصلاح، ووضع الرحمة في قلوبهم. فواجبه هو المناداة بالقيم الحقيقية وبأن يكون مرشدا ودليلا إليها.
          ورجل السياسة اختار لنفسه واجب إدارة شؤون البلاد والجندي واجب الدفاع والقتـال في سبيل الحفاظ على أمن البلاد وكرامتها. إلى ما هنالك من الواجبات المتعددة والمتنوعة في المجتمع البشري والتي يؤديها المواطنون كل بحسب دعوته وكفاءته ومجالات خدمته للوطن.
          فيما يختص بالشأن القومي السياسي أو العسكري، من واجب رجل الدين أن يدافع عن الحق. ومن واجبه أيضا أن يوجه الناس لكي يعوا حقوقهم وواجباتهم، ويقوموا بما يمليه عليه واجبهم الوطني في كل لحظة، وأن يطيعوا رؤساءهم الشرعيين في ما يختص بالصالح العام. ولكن من واجب رجال الدين أيضا في هذا المجال، إذا وقعت المظالم، أن يرفعوا الصوت عاليا لكي يكونوا صوت من لا صوت لهم ويدافعوا عن الضعاف والمظلومين.

25     ما هو دور الكنيسة في حالة الصراع؟
          عندما تعتدي السلطة السياسية على حقوق شعب أو فئة من الناس، من واجب الكنيسة ومن حقها أن ترفع صوتها، فتتخذ كل مبادرة ضمن صلاحياتها للدفاع عن الضعفاء والمظلومين. إلا أن الكنيسة، مع أن أبناءها ومؤمنيها هم طرف من طرفي النزاع، تبقى مهتمة بكلا الطرفين. لأنها لخدمة الإنسان بصورة مطلقة، ومن ثم في خدمة الجميع. ويرتفع صوتها لتذكر بالحق وتدافع عن المظلوم أيـا كان. ومن واجبها أيضا أن تعرض وتقترح وتدعو إلى طرق الحوار والمصالحة.

26     ما هو دور رجال الدين في الأرض المقدسة؟
          دور رجال الدين في الأرض المقدسة هو:
. الدفاع عن الضعفاء والمظلومين
. وتربية الناس، الأفراد والجماعات، على الشجاعة التي يقدر معها أن يقبل بما هو حق، سـواء كان له أو عليه.
. وتربية الناس في طرق السلام
. وإقامة الحوار بين المؤمنين من مختلف الديانات، للتوصل قدر الإمكان إلى رؤية مشتركة حول العدل والسلام المنشودين.

27     الحوار بين الرؤساء الدينيين في الأرض المقدسة، هل يمكن أن يؤثر على السلام؟
          لتوجيهات رؤساء الدين ومواقفهم أثر كبير على الناس. ولهذا لهم دور ودور حاسم في توجيه الرأي العام. ومن ثم لهم الأثر الكبير في توجيه هذا الرأي في انتخاب القادة السياسيين. ولذلـك فهم يؤثرون على مختلف الخيارات السياسية. فالحوار بين زعماء الديانات الموحدة الثلاث الذي يؤدي إلى رؤية مشتركة وإلى كلمة واحدة توجَّه إلى المؤمنين سوف يكون له أكبر الأثر في مسيرة السلام.
          بالإضافة إلى ذلك تقع على الزعماء الدينيين مسؤولية تربية شعوبهم على العدل والسلام معا، وتقديم المثل في اتخاذ المواقف السليمة والشجاعة ولو خالفت التيار أحيانا، ولا سيما بقبول المبدأ القائل إن العدل لصالح طرف مرتبط بالعدل لصالح الطرف الآخر، ويكون هذا المبدأ هو الأساس الذي يتم بموجبه الاعتراف المتبادل بالحقوق والكرامة. فيصبح التوجيه إذذاك إلى السلام والمصالحة أمرا ممكنا.

 

6 - المصالحة والمغفرة ومحبة الأعداء

28     ما هو موقعنا في الصراع القائم؟
          الصراع مفروض علينا. ونحن جزء منه كمواطنين وكمسيحيين. ولا تناقض في مواقفنا في هذا الصراع كمواطنين وكمسيحيين، بل يجب أن تكون متكاملة. كمواطنين نحن جزء من شعب يطالب بحقوقه. وكمسيحيين نحن جزء من الشعب نفسه الذي يطالب بحقوقه. إنما لنا في تصريف الأمور رؤية: الله هو الذي يحدد لنا مكاننا ومكانتنا في التاريخ الذي نصنعه في كل يوم مع جميع الناس من حولنا. الله هو خالقنا وهو من كلمنا بالوحي وأراد لنا الخلاص. ومن ثم صالحنا في كلمتـه يسوع المسيح مخلصنا. وقد أعطانا نعمة الإيمان به لكي نخلص ونكون أدوات خلاص للجميع. فدورنا كمسيحيين في وسط الأحداث البشرية القاسية هو الشهادة لهذه النعمة ولهذا الخلاص المقدم لكل من يشاء، والتعامل مع الناس حتى الخصوم على أساس هذه الرؤية لنعمة الله ولخلاصه المقدم للجميع.

29     ماذا يطلب الله منا في هذه الحالة؟
          يطلب الله منا أن نكون مثله وأن نعمل بقوة نعمته، فنكون أدوات خلاص لجميع الناس الذين نتعامل معهم. يدعونا لكي نكون جزءا في مخطط الخلاص الإلهي الذي يقدمه للبشرية جمعاء.
          ويطلب منا أن نرى في جميع الناس صورته وكرامته، فجميعهم خلائقه وأبناؤه. وهو يرعى الجميع، ولهذا هو "يطلع شمسه على الأشرار والأخيار، وينزل المطر على الأبرار والفجار" (متى 5: 45). ويجب أن نعلم أنه حيثما يكون الصراع فلسنا وحدنا فيه، بل الله معنا: كذلك اسمه: "عمانوئيل" أي "الله معنا". وهو يدعونا لنقتدي به فنتخذ الموقف الذي يتخذه هو من جميع أبنائه.

30     ما معنى محبة الأعداء؟
          العدو هو الذي يضر ويعتدي ويهدم إنسانا آخر في كرامته وفي حقوقه وفي عرضه أو جسمه أو ممتلكاته. أمام الله لا أحد عدو حتى أكبر الخَطَأة والأثَمَة. كل واحد يبقى خليقة خلقها الله على صورته ومثاله، وموضوع حبه ومدعو إلى الخلاص والاهتداء مثل كل إنسان. وللمسيحي الله هو المثال. من ثم له أيضا لا أحد عدو بالمعنى المطلق. معنى هذا الكلام أنه بالرغم من كل الشر الذي يستطيع أن يصنعه إنسان فإنه يبقى خليقة الله وصورته وموضوع محبته ورعايته.

31     هل تعني محبة الأعداء أن يترك للعدو الحبل على غاربه والرضوخ لظلمه؟
          كلا. من جهة، بالرغم من الشر الذي يعمله يبقى العدو في نظري ورؤيتي المسيحية كريما بكل الكرامة التي منحه إياها الله. ومن جهة أخرى، مع وعيي الكامل لهذه الكرامة، فإني أطالبه بوقف اعتدائه وشره، وأن يعوض عن الشر الذي صنعه. وبهذا فأنا أسهم في فتح عيني الخصم وإعادته إلى الطريق السليم. وبهذا أعمل على تحريره من الشر الذي هو فيه، لكي يكون فعلا خليقة الله وأخا حقيقيا وصالحا لكل إنسان.

32     كيف يمكن أن نغفر للعدو الذي أساء إلينا إساءة بالغة ومازال يسيء؟
          المغفرة لا تعني القبول باستمرار الضرر الملحق بنا. مثل هذا القبول هو ظلم في حق أنفسنا وفي حق العدو نفسه. المغفرة لا تعني تحويل الشر إلى خير: فالقتل يبقى قتلا وجريمة، والاعتداء على الحقوق يبقى اعتداء وشرا مرفوضا.
          المغفرة هي أولا أن أرى صورة الله في خصمي واستمرار محبة الله له. وهي ثانيا مطالبته بإزالة الاعتداء والتعويض عن الشر وإحقاق الحق كله. وهي ثالثا تنقية للنفس من الكراهية والضغينة. وذلك على مثال السيد المسيح الذي غفر لمن صلبوه وأوصى بالمغفرة ومحبة الأعداء. فالمغفرة هي بداية الجهاد الأكبر، جهاد داخلي لتنقية النفس وللتمثل بالله ولرؤية الأمور بحسب رؤيته الإلهية لجميع خلائقه. وهذا الجهاد هو سر جهاد المسيح يسوع، والبدء بتفهم سر الصليب. لم يُعطَ للجميع أن يفهموا سـر الصليب وسر المغفرة المرتبط به. قال يسوع المسيح: من استطاع أن يفهم فليفهم.

33     هل يمكن فعلا أن نغفر؟
          المغفرة أمر صعب. عندما نغفر لعدونا نحن نغفر بقوة المسيح وبقوة صليبه المقدس، ونعمل معه لخلاص ذاتنا ولخلاص إخوتنا ولو كانوا أعداءنا. وهذا ما يطلبه الله منا: التعاون في سبيل فتح طريق الخلاص لعدوي بموقف المغفرة الذي أتخذه منه.
          سيطرة الضغينة والعنف الداخلي على الإنسان هي لعنة تدمر نفسنا وكياننا، كما أنها تحول دون التغير الذي يجب أن يتم في عدونا ليحرره هو أيضا من شره: وهذا التحرر فينا وفي عدونا هو القصد الأكبر لله سبحانه، وهو الغاية التي من أجلها أرسل الله كلمته ليخلص كل البشر. إن المحبة والمغفرة تنقيان النفس وتجددان قوتها ونشاطها في سعيها إلى تحقيق العدالة.
          بحسب هذه الرؤية نقول إن المغفرة ممكنة. هي صعبة وتتطلب جهادا روحيا كبيرا، ولكنها ممكنة، لأنها هبة ونعمة منه تعالى.

34     هل يجب إذن أن نترك الدفاع عن النفس ونتحمل كل إساءة؟
          كلا، بل يجب أن نستمر في الجهاد، فندافع عن أنفسنا بكل الطرق المشروعة. مطالبة العدو بحقوقنا هي مساعدته على تصحيح وضعه وإزالة الشر من نفسه، فيصير هو أيضا إلى الوضع السليم حيث لا يبقى في نفسه شر وظلم للآخرين. مطالبة العدو بحقوقنا هو دفاع عن أنفسنا، ولكنه أيضا دفاع عن كرامة العدو نفسه، ومن ثم مساعدته لكي يلج هو أيضا طريق المصالحة والخلاص.

35     هل يمكن أن نرفض الصفح؟
          رفض الصفح قد يصدر عن جسامة الضرر أو عن يأس الإنسان المتضرر حين يرى أنه من المستحيل أن يعود الحق إل أصحابه. رفض الصفح هو عمى في الإنسان الذي يعجز عن النظر إلى مـا وراء إنسانيته لكي يرى الإله الصالح والرحيم في سره الجليل والقدير على كل شيء. رفض الصفح عن وعي هو نوع من الانتحار الروحي. الآلام بحسب ترتيب الله في خلقه هي مصدر تنقية وتنمية روحية للإنسان. رفض الصفح يجعل الآلام عقيمة. وأما الصفح فإنه يحول الآلام إلى ينبوع فداء، ويضع حدا لليأس والقنوط، ويجدد القوى لاستمرار البحث عن العدل.

36     ما معنى المصالحة وما هي شروطها؟
          تبدأ المصالحة حين يزول الظلم ويستقيم العدل. فتكون المصالحة إذذاك علاقة سلام لا تشـوبها مشاعر الصراع الماضي. من بين الشروط الأساسية لذلك:
          . الوصول إلى رؤية الحقيقة في الصراع.
          . الجرأة على تبين الأخطاء والمسؤوليات المتبادلة وتحليل مصدرها ومضاعفاتها وتنظيمها بحسب الأولويات.
          . الاعتراف المتبادل بالهوية والكيان والحقوق.
          . التعويض عما يمكن تعويضه.
          . المغفرة للغير وطلب المغفرة.
          إذا تمت المسيرة معا بحسب هذه الشروط يمكن أن تنشأ حياة جديدة يحكمها الاحترام المتبادل.

37     ما هي القاعدة الروحية للسلام؟
          حياة المسيحي هي جهاد دائم للاستمرار في الخير وفي مسيرة حقيقية مع الله وإليه ومع الآخرين. السلام هو من صنع الله الخالق الذي أبدع الكون في البهاء والاتساق والوحدة. هو وعد الله: نرى في تاريخ الخلاص أن الله كان يرجع ويجدد وعده بالسلام كلما حاد الشعب عن طريق الخلاص وسار نحو التهلكة. والسلام هو أخيرا الهبة الكبرى التي منحها الله للخليقة الجديدة المتأصلة في قيامة يسوع المسيح.
          للمؤمنين السلام هو الجهد الروحي في القلب والنفس، في جميع لحظات الحياة اليومية، حتى يعيشوا باستمرار في انسجام مع الله ومع الآخرين، مع بقائهم جزءا صميما من سعي جميع الناس ذوي الإرادة الصالحة في سبيل استعادة العدل والسلام.
          روحانية السلام تتأسس إذن من جهة على السلام الداخلي في الإنسان بكامله، نفسا وجسدا، ومن جهة أخرى علـى قبول الالتزام اليومي لتحقيق السلام الذي هو عدل ورحمة وكلاهما يؤديان إلى المغفرة والمصالحة.
7            رؤية مستقبلية

38     ما هي رؤيتنا لسلام حقيقي؟
          كل رؤية مستقبلية في الأرض المقدسة، نظرا إلى أهمية الدين في قلوب الناس وحياتهم، تستقر أولا على تجدد ديني، وذلك في جميع الديانات. تجدد هو تنقية للقلوب والأذهان على المستوى الفردي وعلى صعيد المؤسسات، هو تجدد يبين الوجه الحقيقي للديانة الذي هو عبادة الله واحترام خلائقه جميعا ومحبتها، مع كل ما فيها من اختلاف وتنوع. على أساس هذه الرؤية يمكن أن تعاد الحقوق إلى أصحابها. وعندما تعود الحقوق إلى أصحابها يصبح السلام الحقيقي والنهائي أمرا ممكنا.

39     ما هو الحل الممكن؟
          الحل هو أن يتاح للفلسطينيين التمتع بكامل حريتهم لكي يقرروا لأنفسهم شكل الحياة السياسية التي يريدونها، بما في ذلك إنشاء الدولة المستقلة. بذلك تولد الثقة المتبادلة وتنمو، ويتوقف العنف بجميع أشكاله، واللجوء إلى استخدام القوة من قبل الدولة كما ومن قبل المقاومة. وبذلك يطمئن الفلسطينيون. وإذا اطمأن الفلسطينيون اطمأن الإسرائيليون وكان لهم الأمن المنشود.

40     ما مكانة القدس وأهميتها في سلام مستقبلي؟
          للقدس مكانة فريدة، وهي القلب والمثال للمنطقة وللعالم. أراد الله لها أن تكون مدينة الملتقى بينه وبين الإنسانية، ومكان مصالحة الناس مع ربهم، ومصالحة الناس، أفرادا وشعوبا، فيما بينهم. فهي رمز للأخوة الشاملة والسلام بين الشعوب. ولهذا فعلى كل مؤمن صادق من الديانات الثلاث في هذه المدينة، من أية ديانة كان، أن يجتهد لكي تكون هذه المدينة ما أراد الله لها أن تكون: مدينة الملتقى معه عز وجل، ومكانا لمصالحة القلوب والأذهان وتنقيتها.

41     كيف يمكن حل قضية القدس؟
          أساس كل حل هو المساواة بين المواطنين في جميع الحقوق والواجبات، فلا يكون أحد سيدا على أحد، ولا أحد خاضعا لأحد، ولا يحتاج فيها أحد إلى حماية أحد. بل الجميع متساوون والقوانين نفسها تحميهم جميعا بالتساوي.
          في القدس شعبان هما الفلسطينيون والإسرائيليون، وثلاث ديانات، اليهودية والإسلام والمسيحية. القدس هي مدينة مقدسة ولها بسبب قدسيتها طابع فريد يميزها عن جميع مدن العالم. ولهذا لا يمكن أن تشبه في وضعها السياسي أية مدينة أو عاصمة في العالم. ومن ثم فهي تقتضي وضعا خاصا يضمن حقوق جميع سكانها والديانات الثلاث فيها، ويضمن طابعها المقدس وهويتها الحضارية الخاصة، ويجعلها فوق الحروب والخصومات، ويضمن حرية الوصول إليها للجميع، للأصدقاء والأعداء، في زمن الحرب والسلم.
          وعلى الشعبين المعنيين، الفلسطيني والإسرائيلي، بالتعاون مع الديانات المعنية اليهودية والإسلام والمسيحية، أن يحددوا صورة هذا الوضع الخاص، وأن يحكموها بحسبه. ومن واجب الأسرة الدولية بل والإنسانية جمعاء أن تساعد لتوصل الشعبين إلى إيجاد صورة هذا الوضع الخاص. وإن اعتراف الأسرة الدولية بهذا الوضع الخاص ذي الطابع المحلي هو كفيل لاستقراره وبقائه.
          في إطار هذا الوضع الخاص، يمكن أن تكون القدس عاصمة للشعبين المعنيين، ولدولتين، فتصبح هكذا مهدا ورمزا للاعتراف المتبادل والتعايش بين الفلسطينيين والإسرائيليين. وسوف تكون أيضا رمزا ومصدرا للسلام لجميع شعوب المنطقة والعالم.

42     ما هو موقف الكرسي الرسولي - الفاتيكان من القدس؟
          الكرسي الرسولي يميز بين وجهين في قضية القدس ولا يفصل بينهما: أولا الصراع على السيادة وثانيا ضرورة المحافظة على الهوية الدينية والحضارية للمدينة. فيما يختص بالصراع على السيادة يعود للطرفين المعنيين الفلسطيني والإسرائيلي أن يجدا الحل لهذا الصراع. يعتبر الكرسي الرسولي الصراع على السيادة قضية يجب تسويتها بين الطرفين المعنيين. إلا أنه يحتفظ لنفسه بحق سلطته التعليمية أن يبدي رأيه فيما إذا طبقت العدالة أم لا في الحل المقترح أو المفروض. وهو يقبل بكل ما تقبل به الأسرة الدولية وبقرارات هيئة الأمم بهذا الخصوص.
          فيما يختص بالبعد الديني والحضاري، يطالب الكرسي الرسولي:
. بالمحافظة على الوجه الخاص الديني والإنساني للمدينة، ولا سيما في الجزء الأهم منها والذي يتضمن الأماكن المقدسة والجماعات الدينية والبشرية التي تعيش فيها وحولها.
. وبحرية العبادة وحرية الضمير لجميع سكان المدينة ولجميع الحجاج إليها من العالم كله.
. وبالمساواة في الحقوق والواجبات وطرق التعامل لجميع المؤمنين من الديانات الثلاث الموحدة فيها في كافة نشاطاتهم الروحية والحضارية والمدنية والاقتصادية.
. ويطالب أخيرا بضمان حرية الوصول إلى المدينة، للمؤمنين المحليين وللحجاج من العالم بأسره.
          ولكي يتم هذا كله، لا بد من وضع خاص للمدينة المقدسة، يضعه ويحكمه الشعبان المقيمان في المدينة المقدسة، ثم لا بد من أن يدعم هذا الوضع الخاص بضمانات دولية، بحسب ما قيل أعلاه (فقرة 41).

43     ما هو موقف كنيسة القدس من القدس؟
          موقف كنيسة القدس من القدس هو عمليا شبيه بموقف الكرسي الرسولي مع توضيح إضـافي فيما يختص بالسيادة. بما أن مؤمنينا هم جزء من سكان المدينة، ومواطنون فيها، وإذن جزء من الصراع، وبما أن المؤمنين هم الكنيسة، تقول الكنيسة المحلية إن الشعبين المعنيين الإسرائيلي والفلسطيني، يجب ان يكونـا متساويين في كل شيء بما في ذلك السيادة. وقد بينت جميع كنائس القدس موقفها الموحد من القدس في المذكرة المشتركة التي نشروها في 24 نوفمبر تشرين الثاني 1994، بعنوان "المفهوم المسيحي للقدس".

 

9 - الخاتمة : تمنيات وصلاة

44     من المستفيد من السلام؟ قد يكون الجواب واضحا لمن تقوده في مساعيه القيم الإنسانية الأدبية والروحية، وقد لا يكون الجواب واضحا لمن تستولي عليه الأطماع السياسية وروح السيطرة أو الانتقام.
          كلما نظرنا اليوم، فلسطينيين وإسرائيليين، إلى أطفالنا وشبابنا، تملكنا الخوف من المستقبل الذي ينتظرهم.
          قد يحاول البعض اللجوء إلى حلول تحل محل السلام. قد يحل الهاجس الأمني مثلا محل السلام. ويمكن أن يؤدي هذا الهاجس إلى الاستبداد والظلم، ويمكن أن يتطلب نفقات طائلة. وما هو أهم من ذلك كله، أن الهاجس بحاجة إلى أعداء، فيخلقهم لكي يبرر وجوده والنفقات التي يفرضها. وبهذا يصبح الأمن عائقا دون السلام.
          ومن ثم فإن المطالبة بالأمن قبل توفير الظروف التي توفر العدل يعني العيش في أوهام بعيدا عن الواقع المعاش. كل واحد ينال من الأمن ما يوفره لغيره.
          ومن جهة أخرى، فإن اللجوء إلى العنف وروح الانتقام هما أيضا عائق دون السلام، لأنهما يدخلان في دائرة العنف والرد عليه بعنف مثله.
          لا يمكن الخروج من دائرة السيطرة والاستبداد والعنف مع رؤية سياسية ضيقة. يجب أن نتساءل بجدية: ما هو مستقبلنا في منطقتنا هذه؟ إذا أردنا أن نحكم بحسب ما نراه اليوم من عدم اكتراث للسلام، فإننا نقول إن مستقبلنا سوف يكون قفرا ومقابر، وإن كل ما يبنى اليوم سوف يكون دمارا. وهذا ليس تشاؤما بل هو الواقع الذي نعيشه. مع أنه يمكن أن يكون مستقبلنا ازدهارا ونموا ورفاها وحياة أفضل للجميع، لو شاء السياسيون اليوم أن يتحرروا من الخوف والمصالح الأنانية وكانت لهم الجرأة للوصول إلى السلام من طريق العدل.
          السلام العادل المبني على الحوار والثقة المتبادلة، هو وحده الذي يستطيع أن يحرر الفلسطينيين والإسرائيليين من الخوف من المستقبل. من المستفيد من السلام؟ ليس الكبار وحدهم المستفيدون. السلام هو مطلب الضعفاء، والأسر والشباب والجماعات كلها الفلسطينية والإسرائيلية المعرضة للأخطار اليومية. هؤلاء هم المستفيدون من السلام، وهم الذين يجب أن يطالبوا به.

45     هذه المقالة هي ثمرة مشاركة وتبادل أفكار مع عدد من اللاهوتيين في كنيسة القدس. ونحن نقدم ثمرة هذا الجهد المشترك ليكون إسهاما متواضعا في تربية السلام في القلوب والأذهان، ودعم روح التعاون بين جميع الناس ذوي الإرادة الطيبة، على أمل أن يكون هذا القرن العشرون المنتهي بداية لتعايش سلمي بين جميع شعوب الأرض المقدسة، بحسب روح اليوبيل الكبير لسنة 2000.
          عرضت مسودة هذه المقالة قبل نشرها أيضا على بعض القراء، فقال أحدهم: "المقالة تعتبر مثالية بدرجة عالية وأعتقد أنها غير قابلة للتطبيق في أرضنا المقدسة. فالواقع على هذه الأرض هو وجود طرفين أو شعبين، أحدهما، وهو إسرائيل، يمتلك القوة والرأي العام العالمي، والثاني، وهو الشعب الفلسطيني، شعب أعزل ولا يملك القوة العسكرية مثل الطرف الآخر ".
          في مثل هذه الحالات البشرية الميؤوس منها، نقول إن الرؤية الروحية ضرورية. رؤية تعيد كلا الطرفين إلى حقيقتهما. فكلاهما خليقة أمام الله، وقوتهما الحقيقية هي من الكرامة المتساوية التي وهبهما إياها الله. فللقوي نقول إنه يستطيع بسلاحه أن يفتح البلدان وأن يظلم الشعوب، ولكنه لا يقدر أن يقتل روح الشعوب ولا يستطيع أن يحصل على السلام. وللضعيف نقول، إنه يجب ألا يفقد الأمل، فالكرامة الإلهية فيه أكبر وأقدر من كل قوة بشرية، بل مفتاح السلام هو في يده بمقدار ما هو في يد القوي.
          وحتى ندخل في هذه الرؤية، وحتى تصبح الرؤية جزءا من حياتنا الواقعية، نحن بحاجة إلى نعمة الله، وإلى مواهب روحه القدوس، فنسهم مع الله سبحانه وتعالى في بناء السلام الحقيقي. العمل في سبيل السلام والصلاة من اجل السلام يسيران معا يدا بيد، كما تعبر عن ذلك هذه الصلاة الجميلة المنسوبة إلى القديس فرنسيس الأسيزي، والتي يمكن أن ترتفع إلى الله من قلب كل مؤمن وكل شعب.

اللهم هبني أن أكون أداة سلام.
هبني أن أضع الحب حيث البغضاء والكراهية.
والمغفرة حيث الإساءة، والاتحاد حيث الخصام، والحق حيث الباطل،والإيمان حيث الشك، والأمل حيث اليأس، والنور حيث الظلام، والفرح حيث الحزن.
اللهم هبني ألا أسعى لعزاء نفسي بل أن أسعى لعزاء الآخرين.
هبني ألا أطالب الناس بأن يفهموا ما أريد وبأن يغمروني بحبهم، بل
أعطني أن أحبهم أنا، لأن من يُعطِ يأخذْ، ومن نسي نفسه وجدها، ومن غفر نال المغفرة، وبالموت يقوم الإنسان للحياة الأبدية. آمين.

القدس - 15 أيلول سبتمبر 1998


- راجع الوثيقة الصادرة عن المجمع الفاتيكاني الثاني بعنوان " فرح ورجاء"  عن علاقة  الكنيسة بعالم اليوم، رقم 78 .

  راجع إنجيل القديس متى 5: 1- 12

 

Home Page