مقدمة
إلى الإخوة الأجلاء الأساقفة وإلى الكهنة والرهبان والراهبات والشمامسة
وإلى أبنائنا المؤمنين الأعزاء.
"عَلَيكُمُ النِّعمَةُ وَالسَّلامُ مِن لَدُنِ الله أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ المَسِيحِ" (2 قورنتس1: 3). أوجِّه إليكم هذه الرسالة الراعويّة الأخيرة، وقد أشرفتُ على الانتهاء من خدمتي البطريركيّة، في هذه الفترة التي نستعدُّ فيها للاحتفال معًا بعيد القيامة المجيدة. زمن الصوم هو مناسبة للرجوع إلى الله وعيدُ الفصح من بعده يدعونا إلى أن نموت مع المسيح لنعود معه إلى حياة جديدة. أتمنّى لكم زمن صوم مبارك مليئًا بالنعم وباعثًا فيكم حياة جديدة، تسيرون فيها أمام الله، لخير كل واحد منكم ولخير جميع الناس الذين تعيشون معهم. أسأل الله لكم عيد فصح يجعل من كلّ واحد وواحدة منكم "الإنسان الجديد" الذي فداه السيد المسيح وصالحه مع الله وجعله قادرًا على أن يتصالح مع إخوته الناس أجمعين.
أوجِّه إليكم هذه الرسالة الراعوية الأخيرة أحمد الله فيها وأعبِّر عن مودّتي وشكري وتقديري لكم جميعًا. وأوَدُّ أن أبيِّن فيها أيضًا، بعض ملامح خدمة المؤمن في هذه الأرض المقدَّسة، في الأبرشيّة وفي المجتمع كلِّه.
في 19 من آذار 2008 أبلغ سن 75 وهي سنُّ التقاعد بحسب التقليد الكنسي. ولهذا أضع مهمَّتي التي عُهِدَ بها إليَّ قبل 20 عامًا بين يدي الأب الأقدس بمشاعر المودّة والتقدير للثقة التي منحتني إيّاها الكنيسة. أحمد الله لكلِّ النعم التي وهبني إيّاها في مدّة خدمتي بطريركًا وكاهنًا. ومع القديس بولس أقول أيضًا: "قَد اقتَرَبَ وَقتُ رَحِيلِي... وَأَتمَمْتُ شَوطِي وَحَافَظتُ عَلَى الإيمَان" (2 طيموتاوس 4: 7). مع أنّ العمر لم ينتهِ النهاية الكاملة بعدُ، وما زال ختامه في يد الله. بالتقاعد أحرِّر نفسي من المسؤوليّات الإداريّة، أمّا صلاتي ومسيرتي في سرِّ الله في هذه الأرض المقدَّسة فسوف تستمرّ، وستستمرّ مرافقتي لآلام الناس وآمالهم، آلام وآمال جميع المؤمنين من جميع الديانات.
أشكر الله لكلِّ إنسان وضعه في طريقي في هذه المدَّة الطويلة، سواء كان من الأرض المقدسة أو من كنائس العالم. لأنّ كنيسة القدس هي الكنيسة الأم، ولأنّها كنيسة صغيرة وعُرضةٌ للصعاب، ولأنّها دائمًا على الصليب، كانت رسائل الكنائس إلينا عديدة، وكان عدد الحجّاج كبيرًا. وفي مقدِّمة الكنائس كنيسة روما وقداسة البابا الذي عبَّر في مناسبات عديدة لا تحصى عن مودَّته وتضامنه ومواقفه الثابتة تجاه هذه الأرض وكنائسها وشعبَيْها. وكانت حِجّة البابا الراحل يوحنا بولس الثاني بمثابة تتويج لحضور الكنائس الكاثوليكية بيننا. نأمل أن تتِمَّ زيارةُ البابا بندكتس السادس عشر القادمة، فتجدِّد الأمل في هذه الأرض، وتقدِّم للكنائس والمؤمنين من كلِّ الديانات، وللقيادات السياسيّة في هذه الأرض رؤية جديدة فيها مغفرة وعدل ومصالحة وسلام. - وكانت عديدة أيضًا الوفود ومجموعات الحجّاج المسكونية من مختلف بلدان العالم، وعلى رأسها مجلس الكنائس العالمي. كلُّها جاءت تسأل عنّا وتسمع منا وتثبِّت إيماننا بإيمانها ومحبَّتها.
منذ عام 1998 بدأ يُعقَدُ لقاء سنوي في شهر كانون الثاني/ يناير من كل عام لرؤساء المجالس الأسقفية الكاثوليكية أو ممثّليهم، بالتنسيق مع الكرسي الرسولي. أتوا ليصلُّوا ويفكِّروا، في القدس، مع كنيسة القدس، وفي جميع مجالات الحياة في كنيستنا، الرعويّة والسياسيّة والاجتماعيّة. لجميعهم أودُّ أن أعبِّر عن شكري وتقديري.
(1)
نظرة إلى خدمتي البطريركية
شكر وتقدير
1 أشكر جميع الذين بذلوا من أنفسهم لخدمة الأبرشية، القُصّاد الرسوليّين والسفراء البابويّين ممثِّلي قداسة الحبر الأعظم، والأسقف المعاون والأساقفة المساعدين النوَّابَ البطريركيِّين العامّين في القدس وفلسطين وإسرائيل والأردن، والنوّاب البطريركيِّين، لدى الجماعة الناطقة باللغة العبريّة، وفي قبرص. أشكر الكهنة وجميع العاملين الذين قدَّموا لي المساعدة في مختلف الدوائر البطريركية. أشكر كهنة الرعايا لإخلاصهم وبذلهم في سبيل رعاياهم. فقد خدمنا معًا في كرمة الرب التي وكلَتها إلينا الكنيسة.
شكري الخاص لمجموعة الكهنة من البطريركية ومن مختلف الرهبنات، الذين ظلّوا أمينين مدّة عشرين سنة لاجتماعات اللجنة اللاهوتيّة، ورافقوا بفكرهم وصلاتهم أحداث الحياة العامّة في هذه الأرض، وساهموا في تحديد موقف الكنيسة منها، ولا سيّما الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، الذي ما زال أثرُه حاسمًا في حياة الأبرشيّة، في فلسطين وإسرائيل والأردن. مع هذه المجموعة من اللاهوتيِّين والمفكِّرين كتبت رسائلي الراعويّة، فلهم جميعًا الشكر، والله هو المثيب.
أحيِّي جميع المؤمنين في كل أقسام الأبرشيّة. أشكر للجميع مودَّتهم وصلاتهم من أجلي في فترة خدمتي. وللجميع أسأل الله أن يغدق عليهم وافر بركاته.
أحيّي الجماعة الناطقة باللغة العبريّة وأرافقها بصلاتي، وأتمنّى لها النمُوَّ في الإيمان الذي يريده الله لها، لتكون شاهدة ليسوع المسيح في مجتمعها، ولتكون مع كنيسة الأرض المقدَّسة كلِّها، في الصراع السياسيّ الذي يمزِّق الأرض، عامل مصالحة مبنيّةِ على المغفرة والعدل والمساواة بين الجميع.
في خدمة الكنيسة الجامعة
2 أشكر جميع الذين، لكونهم في كنيسة القدس وباسمها، أدَّوا الخدمة اللازمة إلى الكنيسة الجامعة، وهم العاملون في معاهد الدراسات الكتابية، ومراكز التأهيل المستمر والإكليركيات التي أعدَّت، إلى جانب إكليركيّتنا البطريركية في بيت جالا، كهنةً لكنائس العالم وللكنيسة المحلية.
وكذلك كان استقبال الحجَّاج القادمين من الكنائس المختلفة خدمةً جليلة قام بها عدد كبير من الأديار والرهبنات. وهي خدمة أرجو أن تنمو ليكون الحجّ في الوقت نفسه سبيلا إلى تقديس الحاجّ لذاته، باقترابه من السرّ الإلهي الكامن في الأماكن المقدسة، وإلى وعيٍ جديد للوجود البشري في هذه البلاد كلِّها ومن كل ديانة، ولا سيّما لحضور وحياة الجماعة المسيحية التي تحيط الأماكن المقدّسة بإيمانها الحيّ.
حراسة الأرض المقدسة
3 بين مختلف الرهبنات، حضور حراسة الأرض المقدَّسة للرهبان الفرنسسكان حضور عريق في التاريخ ولهم فضل كبير. بقِيَ الرهبان الفرنسسكان منذ القرن الثالث عشر في هذه الأرض بصلاتهم وشهادتهم واستشهادهم اليوميّ. خدموا الأماكن المقدّسة وظلُّوا يستقبلون الحجّاج مدى الأجيال، وقد وَكَلَ إليهم الكرسي الرسولي هذه المهمّة بتكليف خاصّ في عام 1342. ومنذ البداية خدموا أيضًا الناس المقيمين حول الأماكن المقدّسة، فأنشأوا الرعايا وفتحوا المدارس التي ما زالت تعمل حتى اليوم. فلا يمكننا إلا أن نوجِّه إليهم شكرًا خاصًّا، وأن نعـترف بالخير الذي قدَّموه لأهل هذا البلد من كلّ ديانـة، في مزاراتهم وكنائسهم الرعويّة ومدارسهم وأعمالهم الخيريّة الاجتماعيّة. ولا بدَّ من القول هنا إنّه إلى جانب الخير العميم، هناك حاجة للتجدُّد، لقبولٍ أكبر من قبل الحراسة للأبرشية ولحوار معها ما زال مطلوبًا، و"لتجسُّدٍ" أفضل في كنيسة الله حيث تقوم الحراسة بخدمتها.
الرهبان والراهبات
4 أشكر الرهبان والراهبات، لأنّ لهم في أبرشيّتنا دورًا كبيرًا. البعض منهم منخرطون مباشرة في الرّعيّة، وفي العمل الرعويّ وفي المدارس أو في المؤسَّسات الاجتماعيّة الخيريّة. والبعض، كما ذكرنا، يخدمون بحكم دعوتهم الكنسية العامّة، في مجال الدراسات الكتابيّة في مدراس القدس ذات الشهرة العالميّة أو في مراكز التعليم المستمرّ، أو في مجال استقبال ومرافقة الحجّاج القادمين من مختلف الكنائس. إلا أنّ هذه المؤسّسات ذاتَ الطابع العالميّ لها أيضًا وجهٌ محلِّيّ وتَفيض نعمتُها على كلِّ الأبرشيّات في كنيسة القدس.
وهناك الأديار التأمُّلية للرجال والنساء المتفرِّغةُ للصلاة، وهي بركة للأبرشيّات وللبلد كلِّه. هي مراكز للصلاة، ويجب أن تصبح أكثر فأكثر، مراكزَ تُعَلِّمُ المؤمنين كيف يصلّون وكيف يزدادون فهمًا لإيمانهم وأمانة وخدمة لمجتمعهم.
أخوية فرسان القبر المقدس
5 أشكر أخويّة فرسان القبر المقدس، رؤساءها والمسؤولين فيها في روما وفي أنحاء العالم، الذين عرفتُهم في العشرين سنة الماضية. أشكرهم لمحبّتهم وسندِهم للبطريركيّة، لإكليروسها ومؤسَّساتها ومؤمنيها. لقد أراد البابا بيوس التاسع، عام 1848، أن يبعث روحًا جديدة في هذه الأخويّة، مع إعادة البطريركية اللاتينية إلى القدس. فعهد إلى البطريرك الأوَّل العائد، يوسف فاليرجا، بإعادة تنظيمها. وأراد أن تكون هذه الأخويّةُ سندًا روحيًّا وماديًّا للأبرشيّة الناشئة. وفي الواقع، أدَّت رسالتها جيلا بعد جيل، وما زالت تؤدّيها حتى اليوم. أشكر كلَّ عضوٍ وكلَّ مسؤول فيها، وللجميع اسأل الله نعمه وبركته الوافرة.
الحياة الرعوية
6 يتميَّز العمل الرعوي في أبرشيتنا بأنّه يَتِمُّ في جوار الأماكن المقدّسة، حيث أُوحي بالإنجيل المقدّس وحيث كُتِب. ومن ثم فإنّ تعليمنا المسيحي وعملنا الرعوي هو في الواقع استمرار لتفهُّم الإنجيل والتعمُّق في معانيه يومًا بعد يوم. لقد منحنا الله النعمة أن نعيش حول الأماكن المقدّسة وأن نكون فيها حُجَّاحًا دائمين. ومن ثم فإنَّ مهمّة كهنة الرعايا والرهبان والراهبات في هذه الأرض المقدسة هي مساعدة المؤمنين لكي يزدادوا معرفة للإنجيل في كل يوم، وليعرفوا تعاليم سيدنا يسوع المسيح ويطبِّقوها على حياتهم. نعم، في بلادنا وفي رعايانا، الجميع مؤمنون. وكلُّ المسيحيّين يعرفون يسوع المسيح. ولكنَّ الجميع لا يعرفون بما فيه الكفاية إنجيله المقدس، ولذلك هم بحاجة إلى من يرشدهم إلى معرفته والتأمُّل فيه وتطبيقه على حياتهم. وهذا هو واجب الرعاة والرهبان والراهبات أن يرشدوا المؤمنين في هذه السبيل ليحوِّلوا حياتهم اليومية إلى إنجيل حيّ.
تركَّز العمل الرعويّ في الأبرشيّة في هذه الفترة في سينودس الكنائس الكاثوليكيّة في الأرض المقدّسة الذي بدأ في 1993 وانتهى عام 2000 مع زيارة قداسة البابا يوحنا بولس الثاني. كان محاولة لبداية جديدة في الكنيسة، وقد عُهِدَ إلى الأب رفيق خوري بالإشراف على هذه المبادرة فأنعشها برؤيته وإيمانه، وكان مسؤولا وما زال عن العمل الرعوي والتعليم المسيحي في الأبرشية. ولم يكن السينودس جهدًا منعزلا، بل كان مشاركة مع الكنائس الكاثوليكيّة في الأرض المقدّسة. لم يأتِ السينودس، ولأسباب عِدّة، بكلِّ الثمار المرجوَّة، ولكنَّ أمرًا ما جديدًا بدأ. ونجم عنه خِطَّة راعويّة مشتركة، وهيئة كاثوليكيّة مشتركة بين الكنائس، "الهيئة الراعويّة الكاثولكيّة العامّة"، تكوّنت من 72 شخصًا بين كهنة ورهبان وراهبات وعلمانيِّين من البلدان الثلاثة ومن جميع الأبرشيّات، اللاتينيّة والملكيّة والمارونيّة والسريانيّة والأرمنيّة والكلدانيّة. ومهمَّة هذه الهيئة هي النظر في متابعة العمل الرعويّ المشترَك في كلِّ أبرشيَّاتنا.
يمكن القول إنّه نجم عن السينودس أيضًا أمران هامّان وهما، أولا، ظهور فئة من العلمانيّين ملتزمة وقادرة على تحمُّل مسؤوليّاتها في الكنيسة إلى جانب الإكليرس، وثانيًا، روحُ مشاركةٍ جديدة بين الكنائس ورغبةٌ في متابعة العمل الرعويِّ معًا.ولهذا بالإضافة إلى المخطَّط الرعويِّ المشترك واللجنة الرعويّة الكاثوليكيّة، أنشئ مجلس كهنة مشترك. ولهذا أيضا بدأ انعقاد رياضة روحيّة سنويّة مشترَكة للكهنـة من جميع أبرشـيّاتنا في أوّل أسـبوع من شهر تموز/يوليو من كلِّ سنة.
وفي هذه الأثناء، وإلى جانب السينودس، نشأ أيضًا مجلس رؤساء الكنائس الكاثوليكية في الأرض المقدَّسة الذي عزَّز روح المشاركة والتعاون.
ومن الأمور التي بعثَتْ روحًا جديدة في الأبرشيّة، لجان التعليم المسيحي التي نشأت أو عملت بفعاليّة جديدة في القدس وفي الأردن. كما وضعت لجنة الليتورجيّة كتبًا جديدة للقدّاس اليومي وللفرض الإلهي في ترجمته العربية. في الأردن يجب أن يُذكَر بصورة خاصّة مركز سيّدة السلام، الذي أنشأه المطران سليم الصائغ وهو مركز لذوي الاحتياجات الخاصّة وعنه نشأ في مختلف المدن حوار إسلاميّ مسيحيّ حول هذه الخدمة الإنسانيّة، وهو في الوقت نفسه مركز للشبيبة والرياضات الروحيّة أو الدورات المختلفة. وفي الأردنّ أيضًا مشروع جامعة بلغ مراحله الأخيرة من حيث التنفيذ. وهناك طبعًا مبادرات وجهود رعويّة كثيرة باركها الله وسيباركها قام بها الأساقفة وكهنة الرعايا.
وعلى مستوى المنطقة استمرَّ حضور الأبرشيّة في مجلس الأساقفة اللاتين في البلدان العربيّة الذي نشأ عقب انعقاد المجمع الفاتيكاني الثاني عام 1965. ثم بدأ من بعده عمل رعوي جديد مع مجلس بطاركة الشرق الكاثوليك الذي تمكَّن منذ عام 1991 من عقد اجتماع سنويّ، وقد وجَّه منذ تلك الفترة وحتى اليوم تسع رسائل رعوية إلى المؤمنين تناولت أهمَّ القضايا في الحياة المسيحيّة، في ذاتها وفي علاقاتها مع الديانات ومع الدول.
الحياة المسكونية
7 صلَّى يسوع من أجل الوحدة في كنيسته قائلا: "يَا أَبَتِ القُدُّوس، احفَظهُم بِاسمِكَ الَّذِي وَهَبْتَهُ لِي لِيَكُوتُوا وَاحِدًا كَمَا نَحنُ وَاحِد" (يوحنا 17: 11). لأنه استبق ورأى صعوبة الرسالة التي وكلها إليها. وهي صلاة ترافقنا دائمًا بل هي أمر موجَّه إلى الكنائس، إلى الأساقفة والمؤمنين "ليكونوا واحدا". هذه هي صلاته وهذه هي مشيئته، أن نكون واحدًا كما أنَّه هو والآب واحد. فهي واجب نلتـزمه وأمر نأتمر به. ولهذا فإن كانت صلاحياتنا وكياناتنا القانونية تمنعنا حتى اليوم من أن نكون واحدًا، فإنَّ محبَّتنا بعضِنا لبعض تبقى ممكنة، وهي التي ستستحقُّ لنا نعمة الشركة في الحقيقة، لنكون حقًّا علامة وينبوعًا لوحدة الشعوب في الأرض المقدّسة.
نحن في القدس 13 كنيسة متنوِّعة ومنفصلة بعضُها عن بعض. وقد انعقدت لقاءات شبه منتظمة للبطاركة ورؤساء الكنائس في القـدس، الكاثوليكيـة والأرثوذكسـية والبروتسـتانتية. فأنمت الأخُـوّة والتعاون بين جماعاتنا المؤمنة. وفي عام 2000 تمكّنّا من أن نعيش معًا لحظات فريدة من الوحدة يوم احتفلنا ببداية الألفية الثالثة في ساحة المهد في بيت لحم، ووجّهنا في هذه المناسبة رسالة رعوية مشتركة وقَّعنا جميعنا عليها. وبين الوثائق العديدة التي وقَّع عليها الرؤساء الثلاثة عشر، وبالإضافة إلى رسائل الميلاد والفصح الموجّهة في كلّ عام إلى مؤمنينا وإلى العالم، يجب أن نذكر الوثيقتين حول مفهوم المدينة المقدّسة ومصيرها، نشرت الأولى في تشرين الثاني 1993 والثانية في أيلول 2006.
كان الهدف من لقاءاتنا وتصريحاتنا هو الصالح العامّ لجميع المسيحيّين من كلّ كنيسة وطقس، ولا سيّما في مجال السلام والعدل في الظروف الصعبة المفروضة علينا. أوَدُّ أن أعبِّر هنا عن مودّتي وتقديري لجميع إخوتي البطاركة ورؤساء الكنائس في القدس، لصداقتهم وتعاونهم مدّة هذه الفترة التي قضيناها معًا منذ بدية خدمتي البطريركية.
وعلى صعيد الكنائس المسيحيّة، أصبحت الكنائس الكاثوليكيّة في المنطقة منذ عام 1990 عضوًا فاعلا في مجلس كنائس الشرق الأوسط الذي ما زال مكان لقاء وتعاون وإخاء بين جميع رؤساء الكنائس في الشرق الأوسط، وبواسطتهم بين ال15 مليون عربيّ مسيحيّ في المنطقة.
ومع مجلس الكنائس العالميّ، كان لكنائس القدس الثلاث عشرة مجتمعةً علاقة خاصّة وتعاون مثمر، وفي مجال العدل والسلام أيضًا، في الأرض المقدَّسة وفي المنطقة. وأدَّى هذا التعاون إلى مبادرتين: الأولى تأسيس "برنامج المرافقة" على يد متطوِّعين قادمين من كنائس العالم، نسّقوا خدمتهم مع الإسرائيليين والفلسطينيّين، وقاموا بصورة خاصّة بمرافقة الفلسطينيّين في بعض مواقع المواجهة وتحديد الحرّية. والثانية إنشاء مكتب دائم في القدس لتطوير العلاقات المسكونية بين المجلس وبين كنائس القدس.
الرسالة الشمولية للأرض المقدّسة
8 للأرض المقدَّسة رسالة شموليّة عالميّة. هكذا أرادها الله أن تكون بما أنه أراد أن يظهر فيها لا لشعب واحد بل للبشريّة بأسرها. اليوم أيضًا، هذه الأرض مِلكٌ لكلِّ أهلها، ولكنَّها في الوقت نفسه للبشرية كلِّها. هذا صحيح على الصعيد السياسي، فهي اليوم ملك لشعبَيْها الفلسطيني والإسرائيلي ولكلِّ المؤمنين من اليهود والمسيحيّين والمسلمين والدروز. وهذا أيضًا صحيح في العمل الرعويّ في كلِّ أبرشيّة وفي البطريركيّة اللاتينيّة التي خدمتها في هذه السنوات الماضية. ومن ثمَّ فإنّ العمل الرعويَّ وصلاة كاهن الرعيّة والراهب والراهبة والعلمانيّ لا يتوقَّفان عند حدود الرعيّة، بل على المؤمن أن يرى دومًا الأبرشيّة كلَّها والبلد بكلِّ ساكنيه، والعالم كلَّه الذي أراد الله أن يخلِّصه في أرضنا.
(2)
رسالة الأرض المقدسة
العدد القليل
9 المسيحيّون في الأرض المقدّسة وفي كنيسة القدس عدد قليل. وليس ذلك نتيجة لأسباب تاريخيّة أو اجتماعيّة وحسب، إنما يرتبط هذا الأمر ارتباطًا وثيقًا بسرِّ يسوع المسيح في أرضنا. جاء يسوع المسيح إلى هذه الأرض قبل ألفي سنة، وبقي فيها، هو أيضا، عددًا قليلا، مع رسله وتلاميذه و مَن آمن به. واليوم بعد 2000 سنة، ما زال الوضع على ما هو، فما زال يسوع في أرضه غيرَ مُعترَفٍ به. والقدس التي أرادها الله أن تكون مدينة الفداء وينبوع سلام للعالم، ما زالت مدينة لم تقبل الفداءَ لنفسها، ولم تجد بعدُ سلامَها. والمسيحيّون فيها وحولها باقون عددًا قليلا من الشهود ليسوع في أرضه.
أن يكون المسيحي عددًا قليلا في هذه الأرض يعني بكلِّ بساطة أنّه يعيش اليوم كما عاش يسوع هنا بالأمس. فلا يعني العددُ القليل حياةً منقوصة، أو مهمّشة، أو حياة خوف وحَيْرة. نحن نعلم لماذا نحن عدد قليل، ونعرف ما هو مكاننا ودورنا في مجتمعنا وفي العالم. نحن جزء من سر يسوع المسيح في هذه الأرض، ونحن باقون إلى جواره على الجلجلة، أقوياء به، يسندنا رجاء القيامة وفرحها، الذي يجب أن نعيشه ونتقاسمه مع الجميع. قال يسوع إن حبّة الخردل هي أصغر البقول. ولكنّها تنمو وتصبح شجرة يستظلّ الطيور في أغصانها (راجع متى 13: 31-32). وكذلك الأمر في مثل الخميرة التي تخمِّر العجينة كلَّها (راجع متى 13: 33).
أن يكون المؤمن صغيرًا من حيث العدد، وأن تكون القدس مدينة فداء وسلام للعالم لا لنفسها، هذا ما يحدِّد دعوة المسيحيّ في هذه الأرض المقدّسة: إنّه مدعوٌّ إلى أن يكون شاهدًا. وهي دعوة إلى حياة صعبة، اليوم بسبب الصراع السياسيّ، وغدا سوف تبقى حياته جهادا روحيًّا مستمرًّا ليكون مِلحًا صالحًا وخميرةً نافعة ونورًا مضيئًا في مجتمعه، وفداءً يسير نحو اكتماله، يومًا بعد يوم، في سر الله وبحسب مشيئته تعالى.
كلُّ مجتمع يعتمد على عدد مواطنيه وجنوده وعلى كمّيّة سلاحه. نحن المسيحيين، بعدد أو بغير عدد، نعتمد أوّلا على إيمان كلِّ واحد منّا. يسوع قال: "إنْ كَانَ لَكُم مِنَ الإيمَانِ قَدرُ حَبَّةِ خَردَل، قُلْتُم لِهَذَا الجَبَل: انتَقِلْ مِن هُنَا إلَى هُنَاك، فَيَنتَقِل، وَمَا أعجَزَكَم شَيء" (متى 17: 20-21). والدولة تقول إنّها بقوة التكنولوجيا وبكمّيّة الأسلحة وبعدد الرجال تقدر أن تُخضِع الأرض، وتشُقَّ الطرق وتجعلَ الجبال سهولا. ومع ذلك فإنّها ما زالت عاجزة عن صنع سلامها. فنحن نتأمَّل في كلمة يسوع المسيح: "إنْ كَانَ لَكُم مِنَ الإيمَانِ قَدرُ حَبَّةِ خَردَل....". ومن ثَمَََّ نأخذ بكلَّ الوسائل البشريَّة المتاحة، ولكنَّنا نريد أوّلا أن نزداد إيمانًا ومعرفة لمن آمنَّا به.
عدد المسيحيّين القليل يجب أن يُعوَّض أوّلا بالإيمان، وثانيًا بالتأهيل الذي يجعل كلَّ مؤمن ضروريًّا لبناء أو إعادة بناء بلده، وأخيرًا بالوعي والنضوج، فيدرك كلُّ مسيحيٍّ مسؤوليته في مجتمعه وضرورة مساهمته في التضحيات اللازمة لبنائه أو لإعادة بنائه. وتأهيل المسيحي مسؤوليّة مشتركة تتحمَّلها الجماعة كلُّها، وليس فقط من هم الرؤساء في الكنيسة. في جماعة مؤمنة، كلُّ واحد وكلُّ واحدة يحمل همَّ كلِّ واحد وكلِّ واحدة.
بالإضافة إلى المؤسَّسات الكنسيَّة الرسميَّة، للدراسة العامّة أو للتربية الدينيّة، ومختلف الحركات الرسوليّة لتأهيل المؤمنين، والمنظَّمات الاجتماعيّة العلمانيّة العديدة، يجب أن نقول إنّ بعض المؤمنين من الإكليروس أو العلمانيِّين بدأوا يُولُون اهتمامًا خاصًّا هذا التأهيل الذي يجعل المسيحي، بالرغم من عدده القليل، قادرًا على أن يقوم بمسؤولياته في مجتمعه. وهنا لا بدَّ من أن نذكر في هذا المجال عمل جامعة بيت لحم بصورة عامّة وفي قسم الدراسات الدينيّة بصورة خاصّة. ويجب أن نذكر أيضًا مختلف المراكز والتجمّعات، منها: مركز اللقاء للحوار بين الأديان، ومركز السبيل الذي يهتمُّ بإضفاء نور الإيمان على الأوضاع السياسيّة وتكوين رؤية مسيحيّة فيها، والجمعية المسيحية الوطنية، ولجنة العلمانيّين التي تدعو العلمانيّين إلى اتّخاذ مكانهم والقيام بمسؤوليّاتهم في الحياة العامّة، ومجموعة "وصول" وهي مجموعة لضمان التواصل بالطريق الإلكتروني بين المسيحيّين العرب في مهاجرهم المختلفة، ومجموعة التعليم المسيحي العلمانيَّة في مدرسة الأحد في الأردن، والمؤسّسة المسيحيّة المسكونيّة للأرض المقدّسة التي تأسّست أصلا بهدف تجميع المؤمنين الذين هاجروا لإبقائهم حاضرين بفكرهم وعملهم ومالهم في الأرض المقدَّسة فيبقَوْن فيها، بالرغم من المسافات، شهودًا وبناة لوطنهم.
المسيحيون في المجتمع
10 على المسيحي أن يقبل نفسه مسيحيًّا. ما معنى ذلك؟ يعني أنَّه يقبل إنجيل يسوع المسيح، كلمةِ الله الأزلي، الذي تجسَّد وصار إنسانًا، وأن يعيش حياته اليوميّة بسهلها وصعبها بوحيٍ هذا السرّ الذي يرفضه المجتمع الذي نحن جزء منه ويعتبره أمرًا مستحيلا.
كيف يكون المسيحيّ مسيحيًّا؟ بكل بساطة، بأن يعرف إيمانه، وأن يعرف كتابه المقدّس، وتقاليده وتعليم الكنيسة. بأن يعرف بمن وبماذا يؤمن. هو أن يعرف الأخلاق المسيحيّة ويعيشها. وهو أن يصلّي ويعيش حياة الأسرار المقدّسة ولا سيما الإفخارستيا، وأن يتنبَّه حتى لا تكون هذه الصلوات والممارسات الدينية شكليّاتٍ ومظاهرَ خارجيّة أو حتى لحظاتِ صلاةٍ عازلةٍ عن الناس، بل يجب أن تكون الصلواتُ نفسُها مصدر طاقة روحيّة متجدِّدة فيه، تملأه "وترسلُه" ليخدم مجتمعه بكلَّ من فيه، على أيِّ دينٍ كانوا.
يكون المسيحيُّ مسيحيًّا إذا عرف مع هذا كلِّه أن يكوِّن لنفسه رؤية إيمانيّة للأحداث كلِّها، فيرى فيها عناية الله، ورعايته، ويتذكَّرُ كلمة يسوع المسيح: "لَن تُفقَدَ شَعرَةٌ مِن رُؤُوسِكُم، من دون إذن أبيكم الذي في السماوات" (راجع لوقا 21: 18). وبهذه الرؤية الجامعة بين الله والناس، يحدِّد مواقفه، مواقف خدمة ومحبّة ومطالبة بالحقِّ في الوقت نفسه. وبهذه الرؤية أيضًا يمتلئ حكمة وقوّة أمام الصعاب ومظالم الناس، فلا ينال منه اليأس، بل يستمرّ في مقاومة الظلم والعنف على أيَّ وجهٍ كان، ويقوم بعمله في كلِّ مجال دعاه الله إليه.
يكون المسيحيُّ مسيحيًّا إذا عاش وصيَّة المحبّة في وسط الجماعة المؤمنة التي ينتمي إليها ومع جميع الناس. والمحبَّة هي أوّلا رؤية وجه الله في كلِّ إنسان. لأنّ كلَّ إنسان، على أيِّ دين كان وعلى أيّة قوميّة كان وفي أيِّ وضع كان من الصلاح أو الطلاح، هو خليقة الله الواحد الأحد. هو ابن الله. ويحمل في ذاته مجد الله. وكرامتُه من كرامة الله سبحانه. ومن ثم المحبّة تحوِّل التعامل مع الناس، كلِّ الناس، أيًّا كانوا، إلى تعاملٍ مع الله خالق الناس.
ولهذا قال يسوع المسيح: أحبّوا الجميع ولا تستثنوا أحدًا حتى ولا العدوّ. وبهذا لم يقل لنا: أحبّوا صداقةَ الصديق، بل في هذا قال: "إنْ أَحبَبْتُم مَن يُحِبُّكُم فَأَيُّ أَجرٍ لَكُم؟" (متى 5: 46). ولم يقل لنا: أحبِّوا عداوةَ العدوّ أو الظلم الذي يفرضه عليكم. بل قال: أحبّوا الربّ إلهكم في كلِّ إنسان لأنه خليقة لله. فهو الله الذي نحبُّه في الصديق وفي العدوّ. والمحبّة التي هي اقتداء بمحبّة الله مُحِبِّ البشر أجمعين، تُقوِّي أمانتنا في محبَةَ المُحِبّ، وتزيدنا قوَّةً لمواجهة اعتداء المعتدي ولوضع حدٍّ لاعتدائه. و& |