frFrançais

(متّى ٢١: ١١١، ثمّ ٢٦: ١٤٢٧: ٦٦)

انهمك الأساقفة والكهنة والشّمامسة وسائر المسيحيّين في الاستعداد والإعداد لحفلات أحد النّخل“- وهو عيد وطنيّ في العديد من الدول بما فيها العربيّةوإذا بوسائل الإعلام فجر يوم الجمعة ٧ نيسان تخبر عن تغيير نوعيّ في التّدخّل الأمريكيّ في سورية: ضربة على قاعدة جويّة انطلقت منها، على ما يبدو، طائرات قصفت مدنيين بموادّ كيماويّة محظورة دوليًّا.

المشكلة الأخلاقيّة والفكرة الدّينيّة المغلوطة

لا يناقش المرء هنا أخلاقيّةهذه الضّربة التي قد تكون تفرض أنّ الجنودليسوا بشرًا مثل النساء والأطفال والمدنيين العزّل وإن كانت المثلى في ردع التجاوزات. وما يعنينا هنا، وبالذّات في هذا الأحد، هو الفكر المشيحانيّبين الماضي والحاضر، في الشّرق والغرب. سُرّ يسوع باحتفاء الجموع به، ولا سيّما الأطفال، ودخل المدينة المقدّسة منتصرًا مع أنه لم يكن مستكبرًا، هو الوديع متواضع القلب“. لذا اختار دابّة التواضع أي الحمار، لا الحصان. ولم يرفض يسوع لقب ابن داودوقد شُرح صدره لمحبة الحشود له وإقرارهم به مسيحًا.

ولكن ماذا كانت تعني لفظة المسيح الملكعند معشر العبرانيّين؟ أوضح يسوع الأمر وقد شهد الشّهادة الحسنة أمام بونطيوس بيلاطوس“: “ليست مملكتي من هذا العالم” (يوحنا ١٨: ٣٦). غير أنّ الجموع من جهة والرسل أنفسهم من جهة أخرى أصرّوا أنه هو الذي يعيد الملكوت إلى إسرائيلـ ساحقًا الرّومان تحت أقدام اليهود“. وبصراحة، هذا هو بيت القصيد إلى أيّامنا وفي بلادنا والعالم كلّه لدى الشّعوب التي تدين بالمسيحيّة بشكل عامّ: أيعني مُلك المسيح سيطرة عسكرية وسياسية واقتصادية على الشّعوب المقهورة، عن طريق عولمة الإرهابوالحصار الاقتصادي والاحتلال العسكري والاستعمار؟ بالطّبع ترفض الكنيسة الكاثوليكية وشقيقتها الارثوذكسية هذا التفسير المشيحانيّ الثيوقراطيّ المزيّفعبريّ الجذور والأهداف، ولكن مع الأسف الشّديد تنادي بهذه المشيحانية العبرية معظم الجماعات المنشقة الرافضة لسلطة الكنيسة والخلافة الرسولية وعذرية البتول مريم ووجاهتها وتنبذ عدداً من العقائد والممارسات التقوية ومنها معمودية الأطفال وسر الاعتراف الفردي. على سبيل المثال لا الحصر، يأتي في هذا السّياق المشيحانيّ العبريّ الدّنيويّ العنصريّ مؤلَّف جوش مكدويل ثقتي في التوراة والإنجيل، الفصل الخامس، من ص ٨٠ وتابع. بعد أن اكتشف عدد من المسيحيين العرب عبرية الاتّجاه لدى هذا الكاتب، غيّرت دار النشر اسم المؤلف وجعلته كتاب وقرار“. وفي مرحلة لاحقة حذفت منه الفصل الخامس برمّته. كما يجد المرء النظريات المشيحانية العبرية ذاتها في كتابات لا حصر لها لفئات تدّعي أنها إنجيليّة، ومنها كتاب خلاص أبديّ من عالم دينونته قريبة“. وهذه نقطة من بحر.

يوم الشّعانين أو النّخل: من كنوز آباء الكنيسة

القدّيس يوحنّا ذهبي الفم (العظة ٦٧ في إنجيل متّى): “لا تتوهّموا أنّ ما حدث هنا شيء قليل. فمن أقنع أصحاب الأتان والجحش أن يوافقوا ولا يعارضوا ويتركوا تلاميذ يسوع يأخذوهما؟ أعطى يسوع تعليماته لتلاميذه أن مالكي الحيوانين سيتممان رغبته.”

كتب القديس هييرونيموس مفسّر الكتب المقدسة وناقلها: “الحشود التي كانت قد أتت من أريحا وتبعت المخلّص وضعوا ثيابهم على طريقه ونشروا أغصانا أمامه، وكأننا بهم وضعوا هذه الثياب لئلا تصدم بحجر رِجل الحمار (الذي ركبه يسوع) أو تدوس شوكة أو تنزلق قدمه بسبب وعورة الطّريق! وآخرون قطعوا أغصانا من الأشجارأي من الأشجار المثمرة التي كان جبل الزيتون مليئا بها. وعندما أتموا ذلك، قدّموا ذبيحة أصواتهم هاتفين… “

سأفسّر باختصار معنى هوشعنامن المزمور ١١٧ (١١٨) الذي كتبه المترنم نبوّة في مجيء المخلّص. ونقرأ هذه الآية: “يا ربّ خلّص، يا رب أنجح، تبارك الآتي باسم الرب!” وفي العبرية نقرأ : “يا رب خلّصنا من فضلك” (هوشع نا). ..

وقال رميجيوس: “إنّ السّيّد المسيح الراكب حمارًا والمتّجه صوب المدينة المقدسة هو شبيه بالملك الذي يقود الكنيسة وكلّ نفس مؤمنة. يقود حياتنا في هذه الدنيا وفي الآخرة. يدلّنا إلى مكان الوطن السماويقطعوا أغصانًا من الأشجارولعلّ في هذا كناية عن تسلّمهم من الأنبياء، كمن أشجار خضراء، براهين تخصّ المسيح…”

هتف القدّيس أمبروزيوس، أسقف ميلانو، من أعظم مفكّري عصره: “طوبى للذين استقبلوا المسيح المنتصر في أعماق قلوبهم! طوبى للذين يرددون الكلمات السماوية والهتافات السيّديّة!”

حنين إلى الأيّام الخوالي

تجسّدت المسيحيّة تحت الخيمة العربيّة” (العبارة من الأب رفيق خوري) “وبلاد العرب أوطاني” :دُمّر عدد منها وضاق فيها العيش حتّى كاد الرجاء يضيع، وطالت جولة الباطل وبدا النفق المُظلم من غير مخرج للضياء أو متنفّس للحياة. ويا ليتنا نعود إلى الاستقرار والمودّة والتحبب بحيث يقدر شعراؤنا اليوم أن يردّدوا في شأن مسيحيي عصرنا المحتفلين بدخول السيد المسيح ظافرًا إلى المدينة المقدسة عروس عروبتنا وأمّ كنائسنا، ما ذكره النّابغة الذّبيانيّ في بني غسّان:

رقاق النّعال، طيّب حُجُزاتهم                                   يحيّون بالرّيحان يوم السّباسب“.

وبما أنّ الشّيء بالشّيء يُذكر، فريحان النّابغة يذكّرنا بأنّ أحد النّخل معروف في الأرمنيّة باللفظة المركّبة زاغكازارتأي زينة الأزهاربسبب تنوّع الورود في هذا الاحتفال. وقد جرت العادة ألاّ تزور العروس بيت أبيها بعد إكليلها إلاّ في هذا الأحد وكأننا بها تدخل مع المسيح ظافرة فتتبارك وهي الآتية باسم الرب“.

خاتمة

بارك الله الكبار فينا والصّغار، ولا انقطع بيننا صوت الفرح وصوت السّرور، صوت العريس وصوت العروس“!

بقلم الأب بيتر مدروس

Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X