frFrançais

أحد العنصرة المجيد أ سنة ٢٠١٧ م: مهد الكنيسة الغرّاء على حضن العذراء

(أعمال الرّسل ٢: ١ – ١١)

 

أعياد مقدّسة وأحقاد مكدّسة!

في فلسطين احتفل اليهود، يوم الأربعاء الماضي الموافق الحادي والثّلاثين من أيّار مايو، بعيد الأسابيعوهي الأسابيع السّبعةمن عيد الفسح“. ونحتفل نحن المسيحيّين باليوم الخمسين بعد قيامة يسوع، في اليونانية بنتكوستيس إيميرا” πεντεκοστής ، بذكرى العنصرةأي حلول روح القدس على الرّسل والتّلاميذ مع السّيّدة العذراء مريم دائمة البتوليّة التي أصبحت يومها، بشكل أشمل، أمّ الكنيسة، بعد أن استودعها المسيح المنازع على الصّليب الأمومة الروحانيّة ليوحنّا الرّسول الحبيب.

في هذه الفترة يصوم العالم الإسلاميّ شهر رمضان.

من الغريب والطّريف أنّ هذه المناسبات الثّلاث، ناهيكم عن الشّهر المريميّ (الذي من المفروض ألاّ ينتهي!)، تجتمع في فكرة واحدة نادرًا ما يفطن إليها القوم، وذلك لجهلنا الجذور الدّينيّة والثّقافيّة واللغويّة لتلك المناسبات. وقبل الخوض فيها، نستنتج بمرارة وحسرة ما يتأجّح في قلوب المؤمنين من الدّيانات الثّلاث من أحقاد وأنهار الدّماء الّتي لا تنضب!

نعم، فكرة واحدة بين عيد الأسابيعالعبريّ والعنصرة المسيحيّة والصّوم الرّمضانيّ

ينقل المرء هنا بتصرّف عن موقع القديسة تكلا القبطيّ“: مع أنّ فيلون الإسكندريّ ويوسفيوس والتّلمود القديم لم يشيروا إلى أيّة علاقة بين هذا العيد (وأساسه عيد حصاد) وبين إعطاء الشّريعة على جبل سيناء، كان أوّل من خلع عليه هذا المعنى هو موسى بن ميمون المعروف في العالم اللاتيني باسم مايمونيديسالمعلّم اليهوديّ العظيم، الطّبيب الخصوصيّ لصلاح الدّين الأيّوبيّ. هذا في العصور الوسطى. ولكن مشهود لهذا المعنى للعيد منذ القرن الثّاني قبل الميلاد.

ويُرجع الربابينيّون في التّلمود عاتسيرت فيسح” “עצרת פסחأي تجمّع الفسحإلى الرّبط العضويّ بين الخروج من عبوديّة مصر إلى تسلّم الشّريعة حيث تجمّعالشّعب العبريّ يوم سبت من شهر سيوان، بالضّبط سبعة أسابيع بعد الخروج، تحت جبل سيناء حيث أعطى الله موسى كليمه الشّريعة. ويفسّر شموئيل جويتين أنّ صوم العبرانيّين كان استعدادًا لنزول الألواح الثّانية” (بعد ما حطّم موسى الألواح الأولى عندما رأى العجل الّذهبي)، وبهذا يشبهه صوم رمضان احتفاء بنزول القرآن“. أمّا العنصرةالمسيحيّة، فلفظتها العربيّة آتية من صيغة آراميّة  عصارتامع نون الوقاية، وتشير إلى تجمّعالرّسل والتّلاميذ والنّسوة حول مريم أمّ يسوع، والأمّ الرّوحانيّة ليوحنّا الحبيب (يوحنا ١٩ : ٢٥ وتابع) وأمّ الكنيسة منذ تلك اللّحظة، في العلّيّة، استعدادًا لنزول روح القدس أو حلوله، لا بالمعنىالحلوليّوكأنّه – حاشى وكلاّجعلهم آلهة، بل بمعنى السّكنى والاستقرار في النّفوس، مصدرًا  إلهيًّا ربّانيًّا للإلهام والصّلاح، كما نترنّم:

هيّا أروح الخالق                       واملأ عقول خلائق“.

وكنّا نرتّل في رعايانا للبطريركية اللاتينيّة هذه التّرتيلة المؤثّرة قبل تلاوة الإنجيل، ويا ليتها تعود وتتعمّم:

أيها الرّوح الخالق                               ومانح الهيات

يا ضياء الخلائق                                  أنت نور الحياة

ندعوك بالرّجاء                                   يا روح الله القدّوس

أشرق من السّماء                                  وأضىء هذي النّفوس“.

مهد الكنيسة في القدس، عاصمة المسيحيّة [1]،وأمّ الكنائس مهدّدة بالاضمحلال في مكان ميلادها!

لا، لا يكفينا نحن المسيحيّين أن ننظر إلى القدس وسائر فلسطين نظرة وطنيّة قوميّةفقط،[2] لا نرى فيها إلاّ القضيّة الفلسطينيّةالتي كانت زمنًا قضيّة العرب الأولى“[3]! ولا يجوز للمسيحيّين الغربيّين أن يتعاطف كثير منهم مع أبناء عمّنا اليهود وخصومنا الصّهاينة، إمّا من باب نفورهم منّا نحن العرب، أو من شفقتهمعلى الشّعب المسكين الّذي ذبحه هتلر، أو لسوء تفسير الكتب المقدّسة، كما نجد عند معظم الإنجيليّينمن معمدانيين وسبتيين ولعلّ فكرة إعادة اليهود إلى فلسطين وطنهم التاريخيّكانت وراء مجيء الأسقفيهوديّ الأصل، من الاتّحاد البروسيانيالأنكليكاني اللوثريّ، مايكل سلمون ألكسندر وولف إلى القدس سنة ١٨٤٢.

قضيّتنا الفلسطينيّة عادلة. ولكن لا تكفي هذه النّظرة الأفقيّة الدّنيويّة المشروعة لنا، نحن المسيحيّين، وهو طلب إحقاق حقّ يطالب به الكرسي الرّسوليّ في الفاتيكان. لا نكتفينّ ولا نقنعنّ فقط بالحلّ السّياسيّ، وإلاّ أمسينا مثل الرّسل والتّلاميذ قُبيل الصّعود السيّدي المجيد وقبل العنصرة، لسان حالنا يسأل الملك المسيح الّذي ملكوته ليس من هذا العالم“: “يا ربّ، أفي هذا الزّمان تردّ المُلك إلى إسرائيل؟نعم، يجب أن نطالب بحقوقنا، وأضعفها أن تكون القدس الشّرقيّة عاصمة لدولتنا الفلسطينيّة المرجوّة المطلوبة عدلاً والضّروريّة إنصافًا.

يجب أن نطلب أوّلاًملكوت الله وبِرّه أي أن تعرف الأمم الرّبّ كما عرفناه نحنوأن تتمّ الشّهادة وتتّسع للمسيح القائم من بين الأموات في أوروشالم ويهوذا والسّامرة والجليل وإلى أقاصي الأرضوأن تنعم الكنيسة بالسّلام في كل هذه المناطق وتزدهر وتزيد بقوّة روح القدس” (أعمال ٩: ٣١) بدل أن تتضاءل وتتناقص إلى درجة خطر الاضمحلال في مهدها! وعلينا أن نحقّق وصيّة الرّبّ الحيّ : “إكرزوا بالإنجيل للخليقة كلّهاإذهبوا وتلمذوا جميع الأممبما أنّ الله يريد أن يخلص جميع النّاس ويبلغوا معرفة الحقّ، فالله واحد والوسيط بين الله والنّاس واحد: يسوع المسيح الإنسان” (١ تيموثاوس ٢: ٣ ت).

لا حلول لروح القدس من غير أمومة العذراء مريم والخلافة الرّسوليّة

ما نزول روح الله البارقليط المحامي المؤيّد المشدّد المغيّر المطوّر على السيّدة العذراء والرّسل الأبرار والتّلاميذ الأخيار والنّسوة الصّالحات حادثة فريدة ماضية بل تعني أنّ ما كان سوف يكون: أي أنّ لا حلول لروح القدس من غير الاعتراف بأمومة العذراء (“ورائحة الأم تلمّ، شاء من شاء وأبى من  أبى!) والخلافة الرّسوليّة. وهكذا، يجب أن نرفض بمحبة ووداعة وذكاء وغيرة رسوليّةالحركات الخمسينيّةليس فقط لأنها انطلقت من الولايات المتّحدة الأمريكيّة، أمّ البدعفي عصرنا، على يد النّاشط وليم سايمور سنة ١٩٠٦ في مدينة لوس أنخيليس“[4]. وهذه الحادثة مؤلمة محزنة خصوصًا عندما يدرك المرء الواقع التّاريخيّ (الّذي يعتّم عليه كثيرون) وهو أنّ الرّهبان الفرنسيسكان المكسيكيّين هم الّذين أسّسوا ولاية كاليفورنيا[5]. وكلّ مدنها وقُراها الكبيرة كانت محطّات إرساليّاتهم” misiones. وتألّق بينهم القدّيس خونبيرو سيرّا. ويُفهمنا  بعد الكتاب المقدّسالتّاريخ، الّذي يحاول كثيرون طمسه أو تشويهه، أنّ تلك الحركات المتنكّرة للسيّدة العذراء والّتي لا خلافة رسوليّة فيها هي حديثة العهد، محدثة هي في القصر منذ البارحة العصر، طبعًا مع المحبّة لأعضائها، خصوصًا الّذين وجدوا أنفسهم فيها بالوراثة.

في العلّيّة حول العذراء، نعم، العذراء وإخوة يسوع “!

لنعودنّ إلى نصّ أعمال الرّسل ١: ١٥، بعد ذِكر أسماء الرّسل: “هؤلاء جميعًا كانوا مواظبين على الصّلاة بقلب واحد، مع بعض النّسوة ومريم أمّ يسوع ومع إخوته“. ولم يكتب الكاتب المقدّس :”مع مريم أمّ يسوع وإخوتِهِ” (واو العطف ومضاف إليه) και τών αδελφών αυτού بل مع مريم أمّ يسوع ومع إخوته” και τοις αδελφοις αυτού. فلو  كانت السيّدة العذراء أمّهم الجسديّة لكتب الكاتب الملهم الموحى إليه: “مع مريم أمّ يسوع وإخوتِهِ، ولكانت العبارة أسهل وأسلس.

خاتمة

نرجع إلى عقليّتنا الشّرقيّة السّاميّة وهي تفيدنا في  إدراك الكتب المقدّسة وواقع الفداء، وكلّها تمّ في بلادنا وألسنتنا وبيئتنا وعقليّتنا. ولهذا، تبقى النظريّات والاعتراضات الغربيّة الأمريكيّة السّكسونيّة غريبة غير مستسغاة مستوردة“. ومن المؤسف أنّ نفرًا وقعوا في حبائلها بسبب جهل أو طمع أو تقصير في تعليمنا المسيحيّ وكرازتنا ونقص المناعةوعدم وجود الدّفاعيّات في كرازتنا (بخلاف القديس يوستنيوس النابلسيّ بل بخلاف وصية مار بطرس الصّريحة في ١ بطرس ٣ : ١٥). نستمع إلى فطرتناالشّرقيّة التي تقول لنا: “قبل أن ينزل روح القدس على الرّسل، أخذوا روح في سيّدتنا مريم العذراءلأنها من رائحة يسوع“! وهكذا، في هذا العيد، عيد الكنيسة بشكل عامّ وأمّ الكنائس بشكل خصوصيّ، نحيّي روح القدس روح الله، الأقنوم الثّالث من الثّالوث الأقدس، سيّدًا ربًّا محاميًا مؤيّدًا مشدّدًا، والسّيّدة العذراء عروس الرّوح، عليها السلام ومنها، افرحي، يا عروسًا لا عروس لها“. والرّوح والعروس (الكنيسة) يقولان للرّبّ يسوع: “تعال!” مارانا ثا  מראנא תא![6]


[1]  ما روما والقسطنطينيّة وإنطاكية والإسكندرية وإتشميادزين إلاّ عواصم إداريّة، أمّا قلب المسيحيّة ووجدانها فهو القدس مدينة الفداء والقيامة والعنصرة.

[2] كما نرى أنّ نظرة إسلاميّة فقطللقدس وفلسطين تخرجنا من المعادلة مع أننا أصحاب القضيّة أيضًا  وسكّان فلسطين الأصليّون وأبناؤها قبل المسلمين بسبعة قرون.

[3]  يبدو من إحصائيّة حديثة أنّ ٧٠ بالمئة من المسيحيّين الفلسطينيّين الّذين سئلوا عن هويّتهم أجابوا: “نحن فلسطينيّونوإنّ نحو ثمانين بالمئة من المسلمين الفلسطينيّين أجابوا: “نحن مسلمون، فكان تغييب للهويّة المسيحيّة عند أغلب المسيحيين، وعند معظم المسلمين تغييب للهويّة الفلسطينيّة.

[4]  حسب الاسم الإسباني المسكيكي الأصليّ الفرنسيسكانيّ أي الملائكة“Los Angeles، اختصار لعبارة سيّدة الملائكة، نسبة إلى كنيسة العذراء في مدينة أسيزي (إيطاليا) : “سيّدة الملائكة

[5]  وأعطوها الاسم اللاّتينيّ المركّب (الأصليّ) Calida fornax أي الفرن السّاخنلحرّها. وكانت من ولايات المكسيك إلى أن باعها الوزير سانتاناإلى الولايات المتّحدة سنة ١٨٤٨، قبل نكبتنا الفلسطينيّة بمئة عام.

[6]  لا يتششنّجنّ أحد: هذه الكتابة التي تبدو عبريّةهي أصلاً وفعلاً آراميّة تبنّاها اليهود في القرن الثاني قبل الميلاد السيّديّ.

بقلم الأب د. بيتر مدروس

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X