بيت لحم – ما زالت أعمال الترميم مستمرة في كشف ما في جعبة كنيسة المهد من روائع. في الجزء الثاني (الجزء الأول) من تقريرنا نود أن نستعرض شرحاً لفسيفساء جناحي الكنيسة ولمحات تاريخية لأعمال الترميم التي أُجريت لها عبر الزمن.

فسيفساء الجناح الشمالي

في الجناح الشمالي من الكنيسة يرى المرء مشهدين لحدثين ما بعد قيامة المسيح من بين الأموات. اللوحة الأولى تمثّل صعود السيد المسيح إلى السماء إذ يظهر للعيان التلاميذ الأحد عشر مع مريم العذراء وملاكيْن. أما المشهد الآخر فهو ترائي يسوع للتلاميذ ولتوما الذي الذي لم يصدّق حدث القيامة إلا بعد وضع إصبعه في مكان المسماريْن.

فسيفساء الجناح الجنوبي

مشهد دخول يسوع المسيح على الجحش إلى القدس يوم الشعانين، بجانبها فسيفساء لتجلي الرب على جبل طابور لأول ثلاثة تلاميذ اختارهم، بطرس ويعقوب ويوحنا. غير أن الجزء المتبقي والظاهر للعيان من هذا المشهد هو للقديس يعقوب جاثياً على ركبتيه مذهولاً وخائفاً مما رآه. كما وتظهر في اللوحة أيضاً قدما النبي موسى واقفاً على قمة جبل.

لوحة فسيفساء التجلي في دير القدّيسة كاترينا على جبل سيناء [i]

st cath mon nat geographic transfig

تعتبر لوحة فسيفساء التجلي في دير القديّسة كاترينا واحدة من أقدم أعمال الفن البيزنطي التي تصوّر تجلي الرب يسوع على جبل طابور. وقد استخدمت مبادئ تصميم هذه الأيقونة كنموذج للوحات الفسيفساء اللاحقة التي أُنشئت في مختلف الأديرة حول العالم، من بينها فسيفساء التجلي في دير دافني في اليونان. ويُعتقد أن الأمبراطور جستنيانوس الكبير هو من طلب عمل هذه اللوحة الفسيفسائية في القرن السادس الميلادي.

وفي اللوحة يظهر السيد المسيح متجليّاً داخل هالة زرقاء بيضاوية الشكل يشعُّ منها نور ساطع، يرتفع أمام تلاميذه متنقّلاً بين العالم المادي والعالم الروحي. وبعكس أيقونات التجلّي الأخرى يظهر التلاميذ الثلاثة بصورة متناسقة. يوحنا ويعقوب يرفعان أيديهما للأعلى كما لو أنهما يُصلّيان، بينما يقوم بطرس بتشكيل خيمة بذراعيه كإشارة للسؤال الذي طرحه على السيد المسيح المتعلّق بالخيم الثلاث. على جانبي السيد المسيح يقف النبيان موسى وإيليّا. في القسم العلوي من اللوحة مشهدان يعودان إلى النبي موسى: على الجانب الأيمن يمثّل مشهد استلام الوصايا العشر منقوشة على لوحي حجر. أما الجانب الأيسر فهو للمشهد الذي خلع فيه موسى نعليّه أمام العلّيقة الملتهبة.

CCA-Arco-2

هنالك لوحة واحدة تتسم بتشابه كبير للوحة الفسيفساء في دير القدّيسة كاترينا على جبل سيناء والتي يمكن أنّها أُخذت منها هذه اللوحة. هذه اللوحة هي “المسيح المشرّع” أو ما تعرف بالـ”traditio legis”. وقد أنشئت لأول مرة في حنية كنيسة القدّيس بطرس في روما في القرن الرابع الميلادي لكن تم تدميرها فيما بعد. وقد تم تقليد اللوحة على نطاق واسع كتلك الموجودة في كنيسة القديسة كوستانزا في روما. ويظهر المسيح مُحاطاً بالقدّيسيْن بطرس وبولس وشجرتي نخيل يعطي فيها الشريعة على شكل مخطوطة إلى بطرس في الجزء الأيمن من الأيقونة.

Santa_Costanza._Mosaic_del_S._VII_“Traditio_Legis”_adjusted

فسيفساء الجانب الأيمن فوق الخورس

في هذا الجزء يمكن رؤية كتابة منقوشة على الفسيفساء تحمل اسم الفنان “أفرام” باللغة اليونانية واللاتينية. وتنص الكتابة اليونانية على التالي: “وقد تم هذا العمل بيد الراهب المؤرخ ومعلّم الفن الفسيفسائي في عهد الملك مانوئيل بورفيرو جنيتوس كومنينوس وفي أيام عموري الأول ملك القدس وفي عهد أسقف بيت لحم رادولفوس أو راوول في سنة ١١٦٩”. وتدل هذه الكتابة إلى الاتفاق والتحالف السياسي والديني بين الصليبيين والبيزنطيين.

أما الكتابة اللاتينية فتنص ما يلي: “الملك اماريكوس، حارس الفضيلة، والصديق السخي، ورفيق الاستقامة، وعدو الكفر، ومحب العدل وصاحب التقوى والمنتقم من الجريمة، الملك الخامس، ومانوئيل حاكم اليونانيين، صاحب الهبات السخية والامبراطور التقي، والأسقف رادلوفوس، راعي الكنيسة المستحق الأكرم والحبر الوديع. لهؤلاء جميعاً قامت يدا أفرام بهذه الرسومات الجميلة.”

بعض أعمال الترميم عبر التاريخ

بعد أن دُمّرت كنيسة المهد خلال ثورة السامريين عام ٥٢٩م، أمر الإمبراطور جستنيانوس بإعادة بنائها بشكلها الحالي عام ٥٤٠م، حيث رفع مستوى أرضيّتها ورصف البناء بالفسيفساء، وأقام لها ثلاث حنيّات لتكون على شكل صليب.

قام الصليبيون بعد عام ١٠٩٩ بإدخال ترميمات على الكنيسة وزيّنوها بالفسيفساء. وقد جاء ذكر هذه الترميمات الصليبية في وصف أبو عبد الله محمد الشريف الإدريسي في كتابه “وصف الشام وفلسطين”: “هناك كنيسة حسنة البناء، متقنة الوضع، فسيحة، مزينة إلى أبعد غاية، حتى أنه ما أبصر في جميع الكنائس مثلها بناء. وهي في وطأ من الأرض، ولها باب من جهة المغرب، وبها أعمدة الرخام كل مليحة. وفي ركن الهيكل في جهة الشمال، المغارة التي ولد بها السيد المسيح، وهي تحت الهيكل. وداخل المغارة المذود الذي ولد فيه.” [ii]

ورُممت الكنيسة مرة أخرى من عام ١١٦٥- ١١٦٩م على أثر التحالف ما بين ملك القدس الصليبي الملك عموري الأول ابن فولك والإمبراطور البيزنطي مانويل الأول كومنينوس. وتزيّنت جدران صحن الكنيسة بموجب هذا التحالف بالفسيفساء الملونة إذ تمثّل هذه الأعمال الفنية المجالس الاقليمية والمسكونية وغيرها من الأعمال الفنية.

وخلال الحكم المملوكي في القرن الثالث عشر لم تسمح الترميمات إلا بصورة نادرة جداً إذ عانت الكنيسة من الخراب الناتج عن عمليات النهب والسرقة. ويصف الحاج الدومينكاني فيلكس فابري داخل الكنيسة قائلاً :”مخزن بدون تبن، صيدلية بدون زجاجات، مكتبة بدون كتب، طيور الحمام والسنونو تطير بكل حرية داخل الكنيسة وخارجها من خلال الثقوب الموجودة في السقف”. [iii]

في القرن الخامس عشر، قام حارس الأراضي المقدّسة الأب جيوفاني توماتشيلي بإعادة بناء سقف الكنيسة حيث قامت مدينة البندقية الإيطاليّة بالتبرع بالخشب في حين قام الملك إدوارد الرابع، ملك إنجلترا، وفيليب الطيّب، دوق بورغوندي، بالتبرع بصفائح الرصاص والأيدي العاملة على الترتيب.

أعمال الترميم الحالية

بدأت أعمال الترميم الحالية لكنيسة المهد في عام ٢٠١٣ حيث تم التوقيع على عقد الترميم بين الوزير زياد البندك، رئيس اللجنة الرئاسية لترميم كنيسة المهد والشركة الفائزة بعطاء الترميم، بحضور رئيس الوزراء رامي الحمدالله وممثلين عن بطريركية الروم الأرثوذكس، وبطريركية الأرمن الأرثوذكس وحراسة الأراضي المقدسة.

ومنذ البدء في عملية الترميم، تلقت اللجنة الرئاسية عدة تبرعات بلغت ما يقارب ١٠ مليون يورو من جهات متعددة وذلك حسب لائحة الأولويات اللازمة. وتشمل لائحة المتبرعين وعلى رأسهم دولة فلسطين، الدول والمؤسسات ورجال الأعمال التالية ذكرهم حسب تاريخ التبرع: هنغاريا، السيد سعيد توفيق خوري، بنك الاستثمار الفلسطيني، فرنسا، روسيا، الفاتيكان، صندوق الاستثمار الفلسطيني، البنك التجاري الفلسطيني، بنك فلسطين، اليونان، السيد ألبيرتو قسيس من التشيلي، السيد خوسيه سعيد من التشيلي، البطريركية الروسية الأرثوذكسية من خلال البطريركية الأرثوذكسية في القدس، إسبانيا، البعثة البابوية، بطريركية الأرمن الأرثوذكس في القدس، إيطاليا، ألمانيا، المغرب، بولندا، مجموعة الاتصالات الفلسطينية، وكالة التنسيق والتعاون الدولية التركية والصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي، بلجيكا.

انتهت اللجنة الرئاسية من ترميم السقف والنوافذ والباب الخشبي في المجاز وفسيفساء جدران الصحن وفسيفساء الجناحين الشمالي والجنوبي للكنيسة وترميم سقف مدخل الكنيسة وتثبيت القصارة لكافة الأسطح الداخلية وجزء من أعمال ترميم الواجهات الحجرية الخارجية، وتعمل الآن على إدخال التصليحات على الإطار الخشبي (The Wooden Architraves) الذي يعلو الأعمدة الرخامية. وتعمل دولة فلسطين في الوقت الحالي على البحث عن تمويل بقيمة ٧،٥ مليون يورو لترميم الأعمدة الخمسين الرخامية والواجهات الحجرية الخارجية المتبقية للكنيسة والأرضية الرخامية وفسيفساء الصحن، بالإضافة إلى تركيب أنظمة إنارة وإنذار الحريق. وبحسب تقرير المشروع تبلغ تكلفة ترميم العمود الواحد الذي يحتوي رسومات ٥٠ ألف يورو بينما تبلغ تكلفة ترميم العمود الخالي منها على ٤٠ ألف يورو.

وفي شهر حزيران ٢٠١٦ قامت سفارة فلسطين لدى الكرسي الرسولي بعرض مراحل أعمال الترميم في حاضرة الفاتيكان بحضور رئيس اللجنة الرئاسية لترميم كنيسة المهد الوزير زياد البندك، وعدد من أعضاء اللجنة الرئاسية: سفير دولة فلسطين لدى الفاتيكان السيد عيسى قسيسية، ورئيسة بلدية بيت لحم أ. فيرا بابون، وسفيرة فلسطين في ألمانيا د. خلود دعيبس وعالم الآثار د. نظمي الجعبة. كما وحضر حفل التقديم رئيس المجلس البابوي للحوار ما بين الأديان الكاردينال جان لويس توران، ونائب أمين سر حاضرة الفاتيكان للعلاقات مع الدول المونسنيور انطونيو كاميليري.

مكتب إعلام البطريركية اللاتينية/ تقرير ساهر قوّاس

تصوير: ساهر قوّاس، نزار هلّون، ماري أرميل بوليو


[i] Andreas Andreopoulos, 2005. Metamorphosis: The Transfiguration in Byzantine Theology And Iconography. Edition. St Vladimirs Seminary Pr.

أبو عبدالله محمد الشريف الادريسي، وصف الشام وفلسطين، نشر روزن ملّر، ليبسك 1894، 5.[ii]

[iii] D. Baldi, Enchiridion Locorum Sanctorum, Jerusalem 1982, no. 150.


DSC_0673.jpgDSC_0676.jpgDSC_0680.jpgDSC_0682.jpgDSC_0685.jpgDSC_0690.jpgDSC_0693.jpgDSC_0702.jpg13603683_10208498579253574_2454840007331202188_o (1).jpgDSC_0705.jpgDSC_0706.jpgDSC_0707.jpgDSC_0708.jpg

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X