يخطر هذا السّؤال على البال لأنّ هذه السّنة تجمع بين الفصح العبريّفي نفس الأسبوعوالفصح المسيحيّ حيث يتزامن التقويمان اليوليانيّ والغريغوريّ. وقع الفسح العبريّ (بالسّين لتمييزه) يوم الثلاثاء الماضي، الحادي عشر من نيسان. احتفل به معشر اليهود. وهنا، تظهر مرّة أخرى عبقرية المسيحيّة” (شاتوبريان) في ابتعادها عن الفسح اليهوديّ ليس فقط من ناحية الفكر والمفهوم والمضمون والمغزى بل أيضًا من ناحية فلكيّة وعمليّة.

بالفعل يحتفل اليهود اليوم أي في القرن الحادي والعشرين بخروجهم من عبوديّة مصر، حيث كانوا ضمن ال هابيرواو العابيرو“. ولعلّ التّسمية ما كانت تشير إلى عرق أو قوميّة بقدر ما كانت تشير إلى وضع اجتماعيّ متدنّ، بالمقابلة مع الشعب المصريّ الحرّ صاحب الاستقلال والسيادة والأمر والنّهي في بلده. ومن حكم بلده ما ظلم! ولكن، بصراحة، ماذا يعني عيد الحرّيّةلعبرانيي اليوم، وأين منهم فرعون وجنده، وخصوصًا لأنّ قومًا منهم يندبون حتّى السّاعة خروجهم من شبه جزيرة سيناء؟

مهما تبارى الربابينيّون في استخلاص مغازي الخروج من مصر (وهو وارد في الكتب المقدسة للديانات الموحّدة الثّلاث)، يبقى الفسحالعبريّ عيدًا فقط لشعب واحد وأمّة واحدة وعرق واحد. وهو ذكرى أليمة للشّعب المصريّ! ومع الأسف أثبت التّاريخ ما يمكن أن نعلنه، وقد قلبنا القول السائد، أنّ فوائد قوم عند قوم مصائب، وتحرّر عرق يقع على أعراق وأمم أخرى وقع النكبات والنكسات والحروب الأهليّة والتناحر والتطاحن التي تجعل الأشقّاء أشقياء، كما هو الحال في عدد من الدول العربيّة.

الفصح المسيحيّ عيد لعدد كبير من الأمم

إنه مناسبة تمّت في الزمان وتسمو على العصور. يلخّصها رسول الأمم الإناء المختار بولس، الفرّيسيّ السابق وخادم يسوع المسيح الحيّ : “قد ذُبح (في صيغة المجهول، بضمّ الذّال) فصحنا المسيح، فلنعيّدن لا بخمير الخبث والفساد بل بفطير الخلوص والحقّ” ( قورنثوس الأولى ٥ : ٧ – ٨). إنه احتفال بانتصار الحياة على الموت في بعث المسيح المتألم، إنه انتصار النعمة على النقمة والمحبّة على الحقد والبراءة على المكيدة. بدا لفترة أنّ كلاًّ من يهوذا الخائن وبيلاطوس الجبان وهيرودس أنتيباس الماكر ورؤساء الشعب والكتبة والفريسيين الظالمين قهروا الناصري المسكين الغافل يسوع بن مريم. ومع تسلّطهم وهيمنتهم ومع قوّتهم العسكرية والسياسية والاجتماعية والعشائريّة وتمتّعهم، كما نقول اليوم، بقاعدة شعبية تدعمهم، ارتجت أقدامهم وارتعشت أوصالهم حتى من المسيح المدفون في القبر. فطلبوا من الوالي بونطيوس بيلاطوس أن يختم القبر بحجر ضخم وأن يحرسه بصفوة جنود الرّومان المحتلّين! ولكن هيهات أن يغلبوا قدرة الله! وفعلاً، تحققت أوجاسهم وتمّت مخاوفهم. “وقع الحرّاس على الأرض كالأموات، هم المفروض أن يحرسوا ميتًا لا يؤذي أحدًا!

العيد الكبيرعند كلّ الذين يدعون أنفسهم مسيحيّين في الشّرق حتى الخمسينيات من القرن الماضي!

مدة تسع عشرة قرنًا ونصف تقريبًا احتفل المسيحيون الرّسوليّون، وما زالوا، خصوصًا في الأماكن المقدسة في القدس, بآلام المسيح وقيامته. وما اعترض على هذه الاحتفالات والأعياد أحد من أصحاب الذوق السليم والإيمان القويم. ونحو سنة ١٩٥٠ أبتُلينا في فلسطين بجماعة ترفض الشهادة المسيحية لقيامة السيد المسيح من بين الأموات، طبعًا بالجسد المصلوب (بخلاف ١ قورنثوس ١٥ : ١٤)،وتنسب نفسها إلى شهادة يهودية توحيدية من زمن اشعيا النبي، قبل الميلاد بثمانية قرون (٤٣: ١٠١٢). وانطلاقًا من الأصل والأهداف العبرية المتسترة بستار المسيحيّة، لا تحتفل هذه الجماعات بالعيد الكبير فلا تحتفي بقيامة السيد المسيح، لا حسب التقويم العبري (الذي هو عليها عزيز) ولا حسب التقويم المسيحي. الشيء الوحيد الذي تحييه هو العشاء التذكاريمع أنّ معظم الموجودين لا يأخذون الكأس والخبز. وموعد الاحتفال هو الرابع عشر من نيسان قمري، وقمري تعني عبريّ، ومن شابه أباه ما ظلم“!


عبقريّة أساقفة فلسطين ولا سيّما قيصريّة والبابا فيكتور ومجمع نقية (بقرب القسطنطينية سنة ٣٢٥ م)

لا بأس من إعادة ما ربّما قد كُتب، في هذا المنبر الأغرّ أو سواه: أصرّت الكنيسة ولا سيّما في زهرة المدائن أن تبتعد عن الفسح العبريّ، أوّلاً من ناحية المفهوم، منتقلة من تحرير شعب واحد إلى فرح جمهور كبير من الأمم، ومن تحرير إقليميّ سياسيّ قوميّ إلى تحرير معنويّ يشمل بالأمل عتق الإنسانية من نير الخطيئة والموت. ولئلاّ يتزامن الفسح العبري مع الفصح المسيحيّ (واليهود أنفسهم يميّزون بين الاثنين) أصرّت الكنيسة أن تصلح الخطأ والنقص في التقويم العبريّ وأن يكون عيد الفصح السيدي يوم أحد، مع وعي الكنيسة إلى أن كل يوم أحد على مدار السنوات والأجيال والقرون هو العيد الأسبوعي لقيامة السيد المسيح من بين الأموات.

خاتمة : “أيّ فصح؟ وأيّ فرح؟

هذه السّنة فقد مسيحيّون كثيرون أحبّاء لهم توفوا بطريقة عنيفة. أفلا يعيّدون ؟ بلى : تبقى الفرحة بقيامة السيد المسيح والمراسيم الدينية المؤثرة المأثورة. ولكن تختفي المظاهر الخارجية الاجتماعية للعيد. وذلك حقّ وعدل.

أعاد الله إلينا رجاء بعد يأس وكرامة بعد ذُلّ واستقراراً بعد تشرّد وسلامًا بعد حروب وحياة بعد موت!

المسيح قام، حقًّا قام!”

وكلّ عام وأنتم بخير!

بقلم الأب د. بيتر مدروس

 

 

Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X