رأينا في موسم الأعياد الميلاديّة المجيدة ولحظنا، بنعمة الله، قوّة الإيمان وثبات الرّجاء وسط الصّعاب الوطنيّة والفرديّة وحرارة المحبّة للسيّد المسيح ولوالدته الطّهور. وانتبه كثيرون، بحزن وأسف، إلى مقالات في شتّى وسائل الإعلام أغفلت البتول الوالدة مريم في كتابتها عن الميلاد وعن الوليد الكبير. وهذه فرصة للتّقارب بيننا، مسلمين ومسيحيّين، ومسيحيّين من جميع الأطياف ولا سيّما الأصول الرّسوليّة، لا الدّخيلة الأمريكيّة، لكي يزيد بيننا التّفاهم ويخفّ سوء التّفاهم ويزول.

في المسيحيّة أي في الكنيسة إكرام للسيّدة العذراء وتهنئة لا عبادة!

درجت بين بعض الأعاجم، من ملحدين ومنشقّين عن الكنيسة، أن يتّهموهاوالعياذ بالله بتأليه مريم البتول عليها السلام. وربط بعضهم إكرامها بأساطير الوثنيّين عن المعبودات الأمّهات“- حاشى. والجواب من الكنيسة، بناء على الكتاب المقدّس وعلى تاريخ الكنيسة، واضح جليّ: سيّدتنا مريم العذراء إنسانة مميّزة، ممتلئة نعمة. إكرامنا لها إنجيليّمحض أصيل، مبنيّ على الكتاب المقدس والإيمان القويم والعقل السّليم والحسّ القويم: نكرمها لأنّها والدة المسيح. وقد أكرمها السيّد المسيح وأطاعها كما أطاع والده بالتّبنّي القدّيس يوسف العفيف (لوقا ٢: ٥١). ولا نكتفي بإكرامها، من بعيد لبعيد (كما يفعل بعض القوم وهم يكرمونها بألسنتهم وقلوبهم عنها بعيدة) بل نطوّبها أي نهنّئها، كما تنبأت (لوقا ١: ٤٨): “ها منذ الآن تطوّبني جميع الأجيال، وما قالت بعض الأجيالولا بعض النّاس“. أمّا قولنا أنها أمّ الربّفمأخوذ، لا من مجمع أفسس سنة ٤٣١ م، بل من إعلان أليصابات بأعلى صوتها: “مباركة أنتِ يا مريم في النساء ومبارك ثمرة بطنك، من أين لي أن تأتي أمّ ربّي إليّ؟” (لوقا ١: ٤٣). ويصف العذراء مريم النّصُّ القرآنيّ (بلا اقتباس حرفيّ) بأنّها المصطفاة المطهّرة على نساء العالمين. وللمؤمنالّذي قلبه دليله وعقله بعد الإيمان نبراسهردّ كامل شامل على اتّهامات الكنيسة بأنها كانت وثنيّةأو تسرّبت إليها الوثنيّة: في كلّ مكان من الإمبراطوريّة الرّومانيّة وسائر العالم الوثنيّ اضطهد الوثنيّون المسيحيّين – عشرة اضطهادات دامت منذ سنة ٦٧ م إلى ٣١٣م حيث أعلن قسطنطين الإمبراطور في مرسوم ميلانو حرّيّة العقيدة حتّى للمسيحيّين.

تلاعب على الحقائق التّاريخيّة: إنكار إكرام العذراء مريم في الجماعة المسيحيّة للقرن الأوّل

هذا التّلاعب مستمرّ عند إخوتنا المنشقّين عن الكنيسة. من جهة، يرفضون التّاريخ عندما نريد أن نثبت لهم منه شيئًا، كما يرفضون الآثار والمخطوطات والمنقوشات. ومن جهة أخرى، يستغلّون بعض نقاط سلبيّة من تاريخ الكنيسة البشريّ، حين يناسبهم ذلك لإثبات أفكارهم. تكتب إحدى فئاتهم الأمريكيّة أنّ بطرس الرّسول لا يذكر (العذراء مريم) مطلقًا في رسائله، وكذلك مار بولس. ولكن، بعد سطرين، يورد المصدر نفسه (ص ٣٥١) مقطعًا من إنجيل يوحنّا يسرد وجاهة السيّدة العذراء لدى ابنها السّيّد المسيح وتلبيته لرغبتها إسعادًا للعروسين ولضيوفهما (يوحنّا ٢: ١١١). أمّا الإنجيل في حرفَيه الأوّل والثّالث أي متّى ولوقا فإنّ الإنسان اللّبيب النّزيه يجد فيهما أجمل الأوصاف والأقوال والأحداث حول البول الوالدة. وحسبنا أي تكفينا التحية الملائكية: “السلام عليك يا مريم، مع المعنى الإضافيّ اليونانيّ كايرهالّذي يعني سلام وتحيّةمثل الآراميّة شلام“- ويعني أيضًا الفرح والجمال والحُسن والحظوة والنّعمة والموهبة” (لوقا ١: ٢٦ وتابع). أمّا عبارة المباركة في النساءفهي تعبير آراميّ أصيل يعني: أوفرهنّ بركة، كقولك الجميلة في البناتأي أبرعهنّ جمالاً.

وتحت كنيسة البشارة في الناصرة كهف من القرون الميلادية الأولى منقوش عليه في اليونانيّة السّلام عليك يا مريمفي اليونانيّة.

ويتابع المرء قراءة الإنجيل الطّاهر ليتأثّر بمطالعة آيات مأثورة منها قول السيّدة عليها السّلام: “ها أنا أمة الرّبّوتعظّم نفسي الرّبّلأنّ القدير أتاني فضلاً عظيمًا“. فلا تأليه للعذراء في الكنيسة، واتّهامها بذلك تبلّ خطير بقدر ما هو غير صحيح. والمسبحة الورديّة هي تسبيح لله مع السيّدة العذراء. وقد عاد قداسة البابا فرنسييس وأوضح هذه الفكرة البديهيّة في زيارته الأخيرة لمزار السيّدة العذراء في البرتغال.

دحض تشبيه مغلوط ظالم بين السيّدة العذراءحاشىوأرطاميس“!

يتعلّم المرء، بلا ادّعاء، من القدّيس بولس، ولا نُشبَّه، أن يقطع السّبيل على الّذين يلتمسونذريعة (عن ٢ قورنثوس ١١: ١٢) متحجّجين أنّ بعض عناصر في المسيحيّة مأخوذة من – أو مماثلة لأساطير وثنيّة. وفي هذا المضمار، أجاب تولكينالمعترض ك. س. لوييس (وأحسبه يهوديًّا): ” بعض العقائد المسيحيّة هي مثل الأساطير، ولكنّ الفرق أنّ العقائد المسيحيّة حصلت فعلاً، في حين أنّ الأساطير خرافات“. يعني بالعربيّة: ما كان في الوثنيّة حُلمًا (بضمّ الحاء) ومُنى محال المنالكان حقيقة تاريخيّة في المسيحيّة يشهد لها الصّديق الودود والعدوّ اللّدود والمستهين المستهتر أمثال الرّومانيّين إبلينيوس الكبير والفتى، وتاشيتوس، وفلافيوس اليهودي الرّومانيّ، والسّريانيّ مارا بار سيرابيون والحاقد المستكبر تشلسيوس والتّلمود.

وفي هذا المقام يسأل المرء القرّاء الكرام عذرًا وينبّههم لأنّ المعترضين والمتفلسفين أجبرونا، ونحن مُكرهون، على أن نورد هنا أمورًا وثنيّة، وناقل الكُفر ليس كافرًا“. ولا التباس في أمرنا ولا خلط، فنحن لا نؤمن بأيّ من معبوداتالوثنيين أو آلهتهم“. ولا نستخدم هذه الألفاظ إلاّ كُرهًا لا طوعًا، وفقط للضّرورة، ولتبيان الفرق الشّاسع، ولا مقابلة بينها وبين الإله الحيّ الواحد الحقيقيّ، جلّ جلاله، له المجد.

ويردّ الأب دوايت لونغناكّروهو مهتدٍ إلى الكثلكةعلى ترهات الرّابطين إكرامنا ككاثوليك وأرثوذكس للسّيّدة العذراء الّتي ما أوردنا في شأنها هنا إلاّ آيات قليلةلضيق المقام. ويذكّر القسّ لونغناكّر غير العارفين والمتغافلين أنّ رسائل بولس وصفت يسوع بآدم الجديد، بحيث لا يكون اعتباطًا أن يَعدّ المسيحيّون والدته الطّهور حوّاء الجديدة، كما فعل القدّيس يوستينوس النّابلسيّ ابن فلسطين البارّ (المولود في نابلس سنة ٩٠ م) وعدد من الآباء الرّسوليّين والقدّيس إيريناوس تلميذ القديس بوليكاربوس تلميذ يوحنا الحبيب.

والآن إلى أرطاميس“. بإيجاز: لا شبه بين معبودةوثنيّة خياليّة والسيّدة العذراء مريم. “أرطاميسكانت – حسب الأسطورة طبعًا بنت إلهين” (!) هما زاويش وليتوه (والعذراء إنسانة بنت والدين فاضلين). أرطاميس كانت شقيقة توأمة للمعبودأبولّون (!). وكانت معقّدة من الرّجال كارهة لهم بشكل باثولوجيّ (وهذه عقدة إليكترا في أشنع مظاهرها). وبقيت عذراء لا عن فضيلة، بل عن خلل نفسي وعطش إجراميّ إلى الدّماء (جعلها وحشًا، بما أنّ المرأة أمّ في طبيعتها تحبّ الحياة وتعطيها). وتفرّغت للصّيد وكانت ماهرة مثل شقيقها أبولّون في القوس والنّبال. لذا، صار الوثنيّون الإغريق وسواهم يعتقدون أنّها هي التي كانت تقف وراء الميتات المفاجئة. كانت شديدة النّقمة والانتقام بلا حدود. وبطشت بما لا يُحصى عدده من ضحاياها (أين العذراءالمسكينة مريم من كلّ هذا، وهي واقفة على الجلجلة تبكي؟). ومِن باكورة ضحايا أرطاميس كانت بنات المعبودة نيوبيهاللّواتي اغتالتهنّ وهنّ قابعات في بيوتهنّ، في حين كان شقيق أرطاميس أبولون يقتل إخوانهنّ، أبناء نيوبيه، في الحقولونُعفي القارىء الكريم من باقي قصص أرطاميس… (“معجم الميثولوجيا اليونانية والرّومانيّة، ماريو ده غاما خوري، باللغة البرتغاليّة، ص ٤٥٤٦).

خاتمة

لا يفوت المرء، أخيرًا وليس آخر الكلّ شأنًا، بل نأتي هنا في آخر الحديث إلى ما هو الأخير المحبوبأي الحوار الإسلاميّ المسيحيّ الأخويّ. نحن الشّرقيّين عامّة، والعرب خصوصًا، لا نقع في هذه الحبائل الأعجميّة الغربيّة الغريبة: موقف الكتب الّتي نقدّسها جليّ لأولي الألباب، وهذا موقف الأسقف والإمام، وهذا موقف الكنيسة والمسجد: السّيّدة العذراء إنسانة، يليق بها الإكرام كبتول ووالدة والمباركة المصطفاة المطهّرة على نساء العالمين“. وليس واردًا أنّ السيّد المسيح أمر النّاس أن يتّخذوه وإيّاها إلهين من دون الله” (سورة المائدة ١١٦١١٧).

أمّا أمومة السيّدة العذراء الرّوحانيّة المعنويّة فأساسها الإنجيل الطاهر. قال يسوع لوالدته عن يوحنا الحبيب: “يا امرأة هذا ابنك. ثم قال للتلميذ: هذه أمّك“. فهنيئًا ليوحنا بهذه الأمّ ولنا!

image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X