(أعمال 1: 12-14، رؤيا 11: 19- 12: 1-4، لوقا 1: 41- 50)

أنعم الله على الكنيسة الكاثوليكية في الأرض المقدسة بالإخلاص والتّفاني في خدمة هذه الدّيار والأردنّ الشّقيق بكل سكّانها فتألّقت بشتى الرهبنات وإكليروسها في الإرشاد والتّعليم والتربية ومؤسسات الشفاء والغوث إلى أيّامنا، شأنها في كل الشرق الأوسط ومناطق أخرى من المعمور. ومنّت العناية الإلهية على بطريركها الأسبق إيطالي الأصل فلسطيني القلب عربيّ الشّهامة المنسنيور لويس برلسينا ببعد الرؤيا وسداد الرأي وشديد الغيرة وعالي الهمّة. فأسس غبطته سنة 1927 مزار “سلطانة فلسطين”، و”دير رافات” في البلدة التي كانت – مع الأسف- كانت تحمل هذا الاسم، وعلى مقربة منها قرية “صرعا” التي زالت أيضًا عن الوجود في نكبة سنة 1948.

وكان مثلث الرحمات البطريرك برلسينا قد شعر بطمع الكثير من الدول في هذه الأرض الطهور وعايش أول تحركات استهدفت شعبنا المسكين. وألّف لقداس عيد “سلطانة فلسطين” صلاة مؤثّرة سأل فيها الله مخلّص جميع الناس أن يرمق بعين الحنان وطنه على الأرض. وطلب وجاهة السيدة العذراء كي “تُحمى من جميع البلايا أرض فلسطين المقدسة”. وأتت النكبة ثم النكسة تصديقًا لما توجّس منه البطريرك الفاضل خيفة. وتوالت – لحكمة إلهية لا نسبر أغوارها- على فلسطين والأردن المحن والضيقات من لجوء ونزوح. وما زال الأردن يحمل عبء الهجرات المتتالية من لبنان وسورية والعراق.

والأردن توأم فلسطين على النهر المقدس – حيث جسر الآلام وأمنية العودة – جزء من البطريركيات المقدسية الثلاث أي الرومية الأرثوذكسية والأرمنية الأرثوذكسية واللاتينية الكاثوليكية. وفي الماضي أيضا وُجدت مناطق من الأردن ضمن “الفلسطينات الثلاث” التي كان هكذا تقسيمها في القرون الميلادية الأولى (حسب الأب العلاّمة فنسان آبيل، “جغرافية فلسطين”، 2، ص 200- 202،  والأب بيلارمينو باغاتي عالم الآثار الفرنسيسكاني، “الكنيسة الأمميّة في فلسطين” ، ص 77-79، وقد نقل هذه المعطيات الأب د. أنطون عودة عيسى في أطروحته للدكتوراة في الحقّ القانونيّ “الأقليّات المسيحيّة في فلسطين عبر العصور”، ص 79-80): فلسطين الأولى مع مطرانية في قيصرية البحر: من مدنها اللد ويافا وإيليا كابيتولينا (إيلياء القدس) وعمواس وعسقلان ورفح وبيت جبرين ونابلس وأريحا والأغوار وناعور. أمّا فلسطين الثّانية فكان أسقفها أي مطرانها في اسقيثوبوليس أي بيسان ومن مدنها إكسال ومنطقة جبل طابور وسفورية وطبرية وبيلا (شرقي الأردن) وأم قيس (جدارا) وبيت راس. وفلسطين الثالثة: أقام أسقفها في البتراء. ومن مدنها الكرك والربّة (في جنوب الأردن) وغور الصافي والعقبة وفاران…

السّيّدة مريم العذراء “سلطانة فلسطين”

 شاهدها في رؤيا التلميذ الحبيب اللاهوتي يوحنّا “ملتحفة بالشّمس وتحت قديمها القمر” وهي السيدة الوالدة العذراء التي “ستلد الولد الذي سيقود الأمم بعصا من حديد” لا بمعنى المعدن القاتل بل بالحزم والعزم ووضوح الأفكار وجزم المواقف كالسّيف. والمحزن أنّ نفرًا كثيرًا من الذين يصفون أنفسهم بأنهم “تابعون للكتاب المقدس” ينفرون – والعياذ بالله- من العذراء مريم. وبذلك يتمثّلون من حيث لا يدرون بالمواقف التلمودية الربابينية – لا الربانية – المليئة سلبية نحو السيد المسيح ووالدته دائمة العذريّة وقدحًا، “ومن شابه أباه ما ظلم”. وهذا تفسيرهم لما ورد في سِفر الرؤيا 12: 1 : “المرأة أو السيدة الملتحفة بالشمس”  هي “أمّة إسرائيل”. وإذا سئلوا أجابوا: “تلك الأمّة هي التي أنجبت المسيح!” ويجيب العقل السليم بوداعة ووقار أنّ من أنجب السيد المسيح هي السيدة البتول مريم “بنت داود” نعم، ولكن ما أنجبته “الأمّة” ولا حتى بشكل معنويّ. واحتضنه القديس يوسف العفيف ابن داود وحسبه أكثر من ابن جسدي.

وتقدّم لنا البطريركية اللاتينية في قداس هذا العيد، وهو الأحد الأخير من هذا الشهر، قراءات أخرى مأثورة مؤثّرة. من الإنجيل في حرفه الثالث أي بشارة لوقا كما ألهمها الله وأوحى بها “إلى الطبيب الحبيب” رفيق بولس رسول الأمم الإناء المختار، نقرأ أنّ السيدة مريم “ذهبت مسرعة إلى جبال يهوذا “-  أي منطقة عين كارم حسب التواتر الشريف- لتزور نسيبتها أليصابات وتساعدها في حملها. والتقت هنا معجزتان، أعظمهما حبل العذراء مريم من غير رجُل، وحمل السيدة المسنّة أليصابات في شيخوختها. صحيح أنّ أليصابات كانت من سبط لاوي. ولكنّ مريم كانت من سبط يهوذا بحيث أن يسوع، عندما سيلد، سيكون “من نسل داود بحسب الجسد” (رومية 1: 3). والعبارة تعني “حسب الأصل والطبيعة البشرية” مع كونه “كلمة الله”. وتكمل النسيبة أليصابات التحية الملائكية لعذراء العذارى بعد أن كان المَلَك المبشّر جبرائيل قد حيّاها منها السلام : “السلام عليك يا مريم يا ممتلئة نعمة (أو : المنعم عليها إنعامًا كاملاً)، الرب معك” فتزيد إليصابات: “مباركة أنت في النساء، ومباركة ثمرة أحشائك”. والعبارة العبرية الآراميّة “مباركة في النساء” لا تعني أنها هي الوحيدة المباركة بل أوفرهنّ بركة، كقول الكتاب المقدس ايضًا “الجميلة في النساء” والقصد “أجملهنّ” (نشيد 1: 8). وبإلهام من روح الله تعلن أليصابات أنّ جنين مريم سيّدها وتظنّ شرفًا لها عظيمًا أن “تأتي أمّ سيّدها إليها”.

أمّا قراءة أعمال الرسل فتقدّم لنا الكنيسة الأولى مجتمعة حول معطف “الأمّ التي تلمّ” أي السيدة البتول مريم، أم الكنيسة وأم الرسل الذين هم بدورهم آباء المؤمنين بالتوكيل السيدي والخلافة الرسولية الحبريّة الكهنوتية الأسقفية. فلا كنيسة من غير العذراء والرسل، ولا حلول لروح القدس من غيرهم. وضروري الانتباه إلى عبارة سِفر أعمال الرسل: “كان (الرسل مجتمعين) مع النسوة ومع مريم أم يسوع ومع إخوته”. أوّلاً هم مجتمعون مع الوالدة السيدة ولم يكتب “كانت مجتمعة هي معهم”. فلها الشرف والصدارة وهي منبع الحنان وهي “من رائحة يسوع”. ثانيًا لم يقل “مع مريم ام يسوع وإخوتِهِ”  بل “مريم أمّ يسوع” لأنها أم يسوع وحده، أمّا “إخوته” فهم اقارب منهم أولاد “مريم امرأة كلوبا” أو حلفى. في الألسنة القديمة في الكتاب المقدس، من عبرية وآرامية ويونانية، لم تكن هنالك ألفاظ “ابن أخ، ابن أخت، ابن عم ابن خال، ابن عمّة ابن خالة” ، بل كان يشار إلى كل الأقرباء بلفظتَي “أخ، أخت”. وبالفعل، على الجلجلة، “كانت واقفة أم يسوع (أي مريم) وأخت أمّه (اي خالته) مريم امرأة قلوبا…”، فكيف تحمل أختان نفس الاسم؟ (يوحنا 19 : 25). ومجرّد أنّ السيّد المسيح قبيل استشهاده وكل والدته الحبيبة إلى التلميذ الحبيب يوحنا – وهو غريب لأنه ابن زبدى وسالومة، فهذا دليل ولا أبلغ على أنه لم يكن ليسوع لا أشقّاء ولا شقيقات، وإلاّ كان استيداعه لوالدته يوحنا إهانة لهم.

خاتمة: في شأن الفلسطينيين وكل الشعوب: المحافظة على الهويّة

قال المفكّر الفرنسيّ الفذّ ده فيلييه : “يحصل أن تخسر شعوب حروبًا وتضيّع أراضي وتفقد سيادة، مثل بولندا في فترة معيّنة من التاريخ، ولكن حذار من فقدان شعب لهويّته”. والمقصود الهوية الثقافية الحضارية التاريخية الإثنيّة الوطنية التراثية الأخلاقية المعنوية الأدبية الفنيّة، بصرف النظر عن وضعه السياسي من أمّة ذات سيادة أو شعب مستضعف يرزح تحت الاحتلال. وهويّتنا الروحانية الدّينية لا يجدر أن تتنكّر لوطننا خصوصًا لأن بلادنا أرض المقدسات. وكان قداسة الأنبا شنودة الثالث يردّد: “ليست مصر فقط وطنًا نسكن فيه بل هو وطن يسكن فينا”. وعلى هذا الأساس يبقى الانتماء بل يزيد في الشدائد. وإن لم تنصفنا الأرض فالسماء أي العدالة الربّانيّة والرحمة اللدنية “تقضي للفقير والكسير”، بحيث أنّ الودعاء والعباد الصالحون “يرثون الأرض”.

وأخطر من تضييع الهوية الوطنية فقدان هويتنا المسيحية، خصوصا نحن مسيحيي فلسطين والأردن وسائر الشرق الأوسط، لأنّ هذه أوطاننا مرتين : موطن الأجداد ثانيا ووطن المسيح والكنيسة الأولى أولا. ومن السهولة أن يفقد مسيحيو بلادنا هويتهم المسيحية بسبب الضغوط الاجتماعية والاضطهادات والمذابح وأيضًا بسبب عدم الانتماء. هنالك ما خلا لبنان “إبادة أيديولوجية” للمسيحيين وللمسيحية إذ تُحذف على الأقل أول سبعة قرون من المسيحية في بلادنا، وذلك في كتب التاريخ والتربية “الوطنية” التي تقفز من القرن الأول قبل المسيح لتغفله وتصل إلى القرن السابع بعد الميلاد. وبما أن معظم شعبنا لا يقرأ شيئا خارجا عن الكتب الدراسية فيقول في نفسه: هذه بلاد كانت وثنية وصارت إسلامية ، فلا مكان لي فيها. وكثيرون يقولون: “هذه البلاد ليست لنا” مع أن معظم آثارها ومقدساتها مسيحي!

يا رب، زدنا تعلقا بك كما قلت في المزامير: ” سأخلّصه لأنه تعلّق بي”!

بقلم الأب بيتر مدروس

      

Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X