الأحد التّاسع عشر أ، سنة ٢٠١٧ م:لا يحنّ على العود إلاّ قشره!”

(رومية ٩: ١٥)

سيكتفي هذا التّامّل بالقراءة الثّانية من رسالة مار بولس إلى الرّومانيّين ٩، فالمدبّر الرّسوليّ لبطريركيّتنا اللاّتينيّة المقدسيّة يقدّم أسبوعيًّا عظة عن إنجيل الأحد.

نعم، ما بيحنّ على العود إلاّ قشرو“[١]

أي يعطف على البشر أهل جلدتهم وقومهم وجنسيّتهم ولونهم. وفي شأن اليهود، يجتمع الدّين بالجنسيّة. فها هو مار بولس بعظمته يذوب حزنًا على شعبه ومواطنيه وجنسيّته. وهكذا يأمل المرء أن يفهم   globalists, mondialistes”العالميوّن والعولمانيّونأنّ الجنسيّات ليست شرًّا، وأنّ مودّة المرء لبني قومه ووطنه وجنسه وجنسيّته وعِرقه ليست عنصريّة“. على فكرة، لا تفضحوسائل الإعلام ورجال السّياسة المغرضون إلاّ عنصريّةالمسيحيّين واستعمارهم لغيرهم، فيما تنكر عنصريّة غيرهم (التي تفوق غالبًا العنصريّةعند المسيحيّين بأشواط كثيرة، خصوصًا عندما يرافقها التّعصّب الدّينيّ: فلا أحد يعطي الأجانب حقوقًا مثل البلاد مسيحيّة التّقاليد). وصدق البابا فرنسيس إذ قال: “إنّ التّطرّف الوحيد عندنا نحن المسيحييّن ولا سيّما الكاثوليك، هو تطرّف الرّحمة والمحبّة“.

يَجمع مار بولس هنا، في اتّزان موحى به، بين حبّه الشّديد للمسيح، المهيمن على حياته، وبين محبّته لبني قومه اليهود. ويعبّر رسول الأمم عن غمّه العميق وألمه الملازمبسبب عدم اهتداء اليهود إلى يسوع المسيح. ويتمنّى، بمبالغة شرقيّة، لو كان ملعونًا في الانفصال عن المسيح، في سبيل إخوته بني قومه من النّسَب“. والمفروض أن يكون عندنا مثل هذا الشّعور الرّسوليّ وهذه الأمنية: لو لزم الأمر أن نهلكنحن ليخلص شعبنا العربيّ أو الشّرقيّ أو السّاميّ أو الفينيقيّ أو المصريّ أو الأشوريّ …”فيعرف مواطنونا الرّبّ كما نعرفه نحن“. وهنا، نرجو أو نتمنّى أن يقبل بنو شعبنا يسوع المسيح ابن مريم العذراء سيّدًا وربًّا ومخلّصًا، وقد زالت غمامة الشُّبهة بالشّرك والكُفر وتعدّد الآلهة!

مبالغة أخرى من كاهن كاثوليكيّ فرنسيّ من أصل يهوديّ!

إن أنسَ لا أنسى ذلك الكاهن الفرنسيّ عبريّ الأصل، مؤلّف كتابات في تفسير كلمة الله، الّذي جرفته السّيول مع حجّاج آخرين في البتراء. بعد وفاته، قرأ لنا من كتابات القسّ الرّاحل قدسُ الأب الألمعيّ بطرس ميدابيال، مؤرّخ البطريركيّة اللاّتينيّة ومعلّم الفلسفة واللاّهوت وتاريخ فلسطين. كان ذلك القسّ يهوديّ المنبت قد كتب:”هذا اليهوديّ الإسرائيليّ العصبيّ متوتّر المزاج أحبّه، وما كنتُ لأستبدله ببابا روما!” يا سلام! ألهذه الدّرجة يصل حبّ اليهود، حتّى المتنصّرين، لبني جلدتهم، حتّى العصبيّين منهم؟  أمّا البابا، أيها الكاهن الرّاحل الّذي لا تجوز عليه إلاّ الرّحمةفهو نائب المسيح الرّبّ على الأرض وخليفة القدّيس بطرس أمير الرّسل. والحبر الأعظم الرّوماني آنذاك كان قداسة خادم الله البابا بولس السّادس، وهو من أكثر البابوات عبقريّة وشجاعة وانفتاحًا على العالم وجرأة في مواكبة العصر وفي الرّوح المسكونيّة وفي التّقارببالضّبطمع الدّيانتَين الموحّدتَين الأخرَيين أي اليهوديّة (!) والإسلام.

بلى، في حالة القسّ الرّاحل عبريّ الأصول، في ذلك الموقف غير الكاثوليكيّ، هنالك تعصّب غير عقلانيّ وغير منصف وغير موضوعيّ، سامحه الله. فكم من إنسان – حتّى زعيم سياسيّ أو فيلسوفيمكن مقابلته بالحبر الأعظم، وبالذّات بالبابا بولس السّادس الّذي حمل في السّدّة البطرسيّة المفاتيح الثّقيلةوقضى نحبه في ألم كبير وغمّ وفير، ليس فقط لأبناء جلدته الإيطاليّين، بل حاملاً همّ جميع الكنائسوكلّ البشريّة، في فترة عصيبة من الأزمات والانقلابات الفكريّة والعقائديّة والأخلاقيّة؟ نعم، في حالة ذلك الكاهن عبريّ الأصل أيضًا، رحمه الله، زاد المسيحيّون فردًا، من غير أن ينقص اليهود.

لنعودنّ إلى الاتّزان البولسيّ : نستنتج أنّ رسول الأمم أنصف في محبّته لشعبه وفي غيرته على الوثنيّين. وندرك أنّ مار بولس ما قصد لنفسه الهلاك الأبديّ بل عبّر بشيء من المبالغة والإفراط عن غامر محبّته لبني شعبه، ليس فقط بسبب اللّحم والدّم، بل جُلّ اهتمامه أن ينال العبرانيّون نور المسيح ونعمته وخلاصه، مع ما تعوّد قوم منهم عليه من قساوة الرقبة وخيلاء التّفكير وغرور الشّعب المختارونظرته الفوقيّة إلى الوثنيّين الجوييم الأنجاس المساخيط“!

استنتاج أليم على مستوى عالميّ عند نفر كثير من الإنجيليّين“: عبادة للشّعب اليهوديّ!

يقودنا التّحليل الكنسيّ السوسيولوجيّ الاجتماعيّ الموضوعيّ لهذا الواقع الأليم الذي يشمل أفرادًا في الكنيسة الكاثوليكيّةّ أشار إليهم الكاتب أنتوني بيناي في كتاب له ثمين وُزّع على كلّ آباء المجمع المسكونيّ الفاتيكانيّ الثّاني –يقودنا إلى جُرح بليغ مؤسف محزن في حياتنا المسيحيّة الرّوحانيّة المسكونيّة عالميًّا:أنّ هذا الحبّ المفرط غير المشروط للشّعب اليهوديّ حتّى غير المعترف بالمسيح، منذ قرون، غزا الملايين من الإنجيليّينالّذين يقفون مع الشّعب اليهوديّ بالباع والذّراع” “للخير وللشّرّويغدقونه بالأسلحة والأموال. ومنهم من استعدّ أن يحذف من العهد الجديدالمقاطع الّتي تذمّه أو تنتقده أو يخفّفها. ووصل ببعضهم هذا العشق الكليل للشّعب العبريّ أنّهم أحبّوا أن يعتقدواوما يزالونأنّ اليهود سوف يكونون هم جيش المسيحسواء آمنوا به أم لم يؤمنوافي معركة هرمجدون“. أمّا نحن المسيحيّين من غير اليهود، فسوف نكونرغم أنوفنافي المعسكر الآخر، محاربين للمسيح!

لا تدمير للوطنيّة والقوميّة مع سامويل كالرجيوأمثاله، ولا للعنصريّة، ولا للتّعصّب الدّينيّ!

منذ الثّلاثينات من القرن العشرين سعى المدعوّ سامويل كالرجيوأحسبه يهوديًّا – إلى فكرة أوروبابمعنى تدمير قوميّاتها المختلفة وتشجيع الهجرة إليها واللّجوء لدرجة استبدال شعوبها الأصيلة بأقوام دخيلة هويّتها ضحلة وحضارتها مهزوزة، أقوام يسهل حكمها وتسويق سلع دوليّة إليها، وخصوصًا أقوام غير مسيحيّة بل معادية للمسيحيّة. ووهّم كالرجيوسواه معشر المسيحيّين أنّ القوميّةشرّ والوطنيّةعنصريّة، في حين تألّق في العنصريةوما يزالغير المسيحيّين بأشكال أقوى بكثير من المستعمرين القدماءالّذين تمّ استبدالهم بمستعمرين جدد. وقال بعض المعلّمين الرّوحانيّين أنّ الرّائية الفرنسيّة مارث روبانتنبأت عن هذه الأحداث منذ أكثر من أربعين سنة.

خاتمة

ننهي بالتّشديد مرّة أخرى على اتّزان مار بولس في حبّه لقومه اليهود وفي غيرته على الوثنيّين، كلّ هذا في أحشاء المسيح يسوعوفي دم الفادي الّذي جعل من الأباعد أقارب“(أفسس ٢: ١٣). ولنكوننّ نحن أيضًا كلاّ للكلّ لنربح بعضهمللمسيح (عن الأولى إلى القورنثيّين ٩ : ٢٠ – ٢٢).

بقلم الأب بيتر مدروس


[١] في شأن عود الصّليب، ترجو ترتيلة مؤثّرة أن تلين طبيعة الخشب الغليظة وهي تحمل جسد يسوع:

دوحة المجد أخفضي الأغصان …                                   ليّني طبعًا غليظًا


image_print
Designed and Powered by YH Design Studios - www.yh-designstudios.com © 2017 All Rights Reserved
X